«أنا الأقباط.. والأقباط أنا»!!

02/12/2015 - 12:35:22

بقلم - مدحت بشاى

لاشك فى أن قداسة البابا تواضروس الثاني بقراره السفر إلى القدس ( وهو قرار أراه مقبولاً في حدود دوره الرعوي والروحي ويستدعيه الموقف والمناسبة)، لكن ـ للأسف ـ فقد تورطت الكنيسة منذ عدة حقب في أن تكون هي الممثل السياسي الوحيد والمعتمد لدى الدولة ومؤسسة الرئاسة وكل مؤسسات الدولة الأخرى لأقباط مصر ــ وبشكل خاص منذ بداية حبرية قداسة البابا شنودة الثالث ــ ووافقت الكنيسة وسعدت الأنظمة المتعاقبة بتلك العلاقة على هذا النحو، وكان الأمر مناسباً للبطريرك بقدر وقامة البطريرك شنودة الثالث الفكرية، وماكان يتمتع به من كاريزما هائلة لدى الشعب المصري بشكل عام وأبناء الكنيسة (إكليروس/ علمانيون) بشكل خاص .


وعلى مدى أعوام حبريته اختزلت الدولة الأقباط في شخص قداسته، وعليه كان يتم التشاور معه في كل مايتعلق بشأن حاضر ومستقبل المواطن المسيحي (قوانين، لوائح، حقوق وواجبات، مشاكل وقضايا وأزمات لها بعد طائفي، ترشيح من يمثل الأقباط في البرلمان وغيره.. الخ).


أقول للأسف، وأصف ماحدث بالورطة لأن امتداد حالة التمثيل السياسي تلك عبر كل الحقب الأخيرة جعل كل سلوك أو اتخاذ أي قرار لرأس الكنيسة لا يمثله فقط باعتباره الراعي الأكبر وله من الأدوار الروحية والرعوية الكثير، بل هو ممثل جموع أقباط مصر سياسياً (سلو بلدنا بقى اللي مش موجود في أي بلد في الدنيا)..


لقد تعامل الناس مع قرار قداسة البابا تواضروس الثاني بالسفر إلى القدس باعتباره قراراً سياسياً مهما، حاول البعض تبرير الأسباب التي دعت لاتخاذه وهي مقبولة، ومهما اجتهد رجال مكتبه الإعلامي ببياناتهم التي تزيد من توريط قداسته عبر استخدام لغة ومفاهيم تفتقر لحرفية الأداء والمهنية، ليكون الحصاد مؤسفاً في النهاية للأسف ..


والحكاية بدايتها كانت في زمن حبرية البابا كيرلس السادس، وعقب هزيمة ١٩٦٧ واحتلال سيناء، فكان قرار قداسته المنطقي والحتمي منع زيارة القدس، وكان الأمر أساساً مستحيل الحدوث في زمن حروب الاستنزاف ومابعدها، ثم توالت الأحداث التي من بينها الصراع المصري على أوقاف وأملاك مصرية تم الاستيلاء عليها، ثم زيارة السادات إلى القدس ومن بعدها اتفاقية كامب ديفيد، وإخراج مصر من حالة الإجماع "الأكتوبرى" على المستوى العربي ..


ومع بداية حبرية قداسة البابا شنودة الثالث، وبداية حالة الفتور والجفاء بين السادات والكنيسة بعد أحداث فتنة "الخانكة" ورفض قداسته مرافقة السادات لزيارة إسرائيل، كان إعلان قداسته أنه لن يذهب إلى القدس إلا يداً بيد مع إخوته المسلمين.. إلى هنا والأمر وطني، ومايمكن أن يُثار حوله في إطار ردود فعل مؤسسة  مصرية لدورها الوطني، ولكن ماتم بعد ذلك من إصدار قرار بمنع جموع الأقباط من السفر إلى القدس وفرض عقوبات روحية كنسية على من يقرر السفر، وكمان إعلان التوبة على صفحات الجرائد، فأراه كان تصعيداً لفكرة وتوجه إلى توافق غريب بين الدولة والكنيسة باعتبار الأخيرة ممثلة لجموع أقباط مصر سياسياً، فجاء ذلك القرار من جهة من لا يملك ظالماً للمواطن صاحب الحق بحكم مواد الدستور وكل حقوق المواطنة في السفر أو التنقل إلا في حالات تتعارض مع أمن البلاد أو لارتكاب المواطن جرائم أو مخالفات تستوجب تقييد حرياته .. لقد رفع البابا ــ في رأيي ــ راية مكتوب عليها" أنا الأقباط .. والأقباط أنا" واستراحت الدولة والنظام السياسي لذلك الاختصار المخل والمهدر لحقوق المواطن المسيحي في أن يختلف ويعارض ويخرج من فناء الكنيسة الضيق والخانق سياسياً ..


وعليه، ومع أحداث ٢٥ يناير ٢٠١١ كان خروج الشباب المصري المسيحي مع إخوتهم لفضاء الوطن الوسيع لإعلان خلافهم مع الكنيسة في أمر الرضا بحكم سلطان جائر ونظام فاسد قرر أن تمتد أيامه على الأرض عبر التوريث وتمكين عصابات النهب من جهة، وترك جماعات التطرف تنشر أفكارها الإرهابية بدعم سياسي هائل وصل حد منحهم ٨٨ مقعدا في البرلمان، وغض الطرف عن تنمية استثماراتهم في التعليم والصحة وبناء المساجد وامتلاك فضائيات التكفير والتضليل بدون حدود أو رقيب !


لقد كان من المقبول إعلان الكنيسة رأيها في أمر السفر إلى القدس وبيان تبعات اتخاذ مثل ذلك القرار ــ سلبية أوإيجابية ــ وتترك الأمر كاملاً للمواطن ليقرر بحرية ما يشاء دون وصاية سياسية غريبة وكمان فرض عقاب روحي على عدم طاعة أمر سياسي لتسيء لمواطن مسكين  تهفو مشاعره الروحية أن يرى على أرض الواقع مواقع أحداث أهم ٣ سنوات في عمر السيد المسيح ( التي وصفها الكتاب المقدس بأنها التي جال فيها السيد المسيح يعمل خيراً وهي من سني البشارة والتعريف بالتعاليم وعمل المعجزات ...).. بل قام البعض بتسفيه تلك المشاعر والتحقير منها، على الرغم من اهتمام الكنيسة بإقامة الاحتفالات السنوية بمزارات لمواقع عدد هائل من القديسين والصرف عليها واحترام مشاعر من يذهبون إليهم للشفاعة والتبرك !!!


ومع بداية حبرية البابا تواضروس الثاني يعلن بإصرار غريب عن استمرار قرار المنع وتوقيع العقاب، ورغم أنه أكد على بعد الكنيسة عن أي ممارسات سياسية، وبعد تلبية وطنية من جانب الكنيسة لنداء الرئيس عبد الفتاح السيسي للموافقة على إنهاء حكم الإخوان وهو بالطبع موقف عظيم من مؤسسة وطنية عتيدة، إلا أنني ماكنت أود مشاركتها في وضع خارطة طريق المستقبل، ومن بعدها المشاركة في وضع الدستور إلا بكونها معبرة عن الكنيسة المصرية ..


وعليه، تابعنا الممارسات السياسية والتصريحات العجيبة لأساقفة رشحتهم الكنيسة للحديث باسم جموع الأقباط، وصولاً لحديث "الأنبا بولا" عضو لجنة الدستور وعضو المجمع المقدس بمقولته الشهيرة "إن التيار السلفي تيار وطني حتى النخاع " وغيرها من عبارات المديح والإطراء في نفس توقيت خروج الرجل الثاني للدعوة السلفية  ومرشد "حزب النور" لمريديه ليبشرهم كيف نجح  في الضحك على الأقباط والليبراليين والعلمانيين، وتم تمرير كل المواد التي توافقت عليها الدعوة والحزب !!


واستمرت إدارة البابا تواضروس الثاني في الحفاظ على تلك الاتفاقية غير المعلنة بين الكنيسة والدولة على تمثيل الأقباط والتحدث باسمهم وإصدار الأوامر السياسية إليهم، وقبول أن يعود النظام الحاكم إلى الكنيسة عند ترشيح قيادات في مواقع ما، أو اختيار أعضاء للتعيين في البرلمان .. للأسف !


ياسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي أرجوكم فض مثل تلك التعاقدات .. كيف القبول بترشيح مؤسسة دينية لمواطن للتعيين في البرلمان، هل من مواصفات البرلماني القادم رضاء الكنيسة عليه روحياً وكفى ؟!


أخيراً، أرى أن تلك الضجة التي تمت إثارتها كانت بسبب ذلك الخلط المريض بين دور المؤسسات الدينية.. بين ماهو روحي وماهو وطني أو سياسي ... لقد ذهب قداسة البابا وكأن معه كل جموع الأقباط باعتبار الكنيسة الممثل الوحيد لهم، فعندما تتراجع عن تعاقدها من طرف واحد وتقول أن دور الكنيسة روحي فقط.. ولما لم تكن قراءة الحدث برؤية سياسية فإنها لن تجد من يصدقها.