ليس البابا وحده

02/12/2015 - 12:29:26

  البابا تواضروس أثناء زيارته لكنيسة القيامة بالقدس البابا تواضروس أثناء زيارته لكنيسة القيامة بالقدس

بقلم - نجوان عبد اللطيف

بينما كان البابا تواضروس فى القدس يؤدى صلاة الجنازة على روح الأنبا إبراهام مطران القدس والشرق الأدنى، كانت صورة وصوت البابا شنودة الراحل تسيطران علي، وهو يقول لنا –صحفيىي المصور- فى زيارة له فى دير الأنبا بيشوى وادى النطرون، "لن نحج إلى القدس إلا مع إخواننا المسلمين" مؤكداً على موقفه الشجاع عندما وقف فى وجه السادات ورفض الذهاب معه إلى القدس، بل وعقد المجمع المقدس للكنيسة عقب عقد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩، ليصدر قراره التاريخى عام ١٩٨٠ بمنع سفر المسيحيين إلى القدس طالما هى تحت الاحتلال الإسرائيلى.


وهو القرار الذى يعتبر امتداداً لموقف الكنيسة المصرية الأرثوذكسية بقيادة البابا كيرلس السادس الذى أصدر قراره بذلك عام ١٩٦٧ عقب احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، ويدفع ثمنه بإلغاء السادات للقرار الجمهمورى برئاسته للكنيسة، ووضعه تحت الإقامة الجبرية فى سبتمبر ١٩٨١فى دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون، تذكرت ذلك وأنا أتابع رحلة البابا تواضروس إلى القدس كأول بطريرك للكرازة المرقسية ولبابا الكنيسة الأرثوذكسية بالإسكندرية يقوم بزيالرتها وهى تحت الاحتلال الإسرائيلى.


كثيرون أرادوا تبرير قرار البابا تواضروس، وإيجاد العذر له بسبب الدافع الإنسانى، وأنه ذهب لأداء صلاة الجنازة على الأنبا إبراهام مطران القدس الذى تربطه به صداقة وطيدة حيث قال البابا تواضروس الثانى، فى كلمة له من مدينة القدس: "أنا مش باعتبر إن دى زيارة، لأن كلمة زيارة معناها أن الواحد يحضر لها من قبلها، ويعمل جدولا ومواعيد وأماكن، دى مفيهاش الكلام دا كله، دى أعتبرها واجبا إنسانيا، وواجبا للعزاء، وأعتبرها أيضا لمسة وفاء لإنسان قدم حياته كلها، سواء على المستوى الوطنى، أو على المستوى الكنسى، وأيضا من باب الإنسانية، وتعزية كل أبناء المتوفى المطران الأنبا إبراهام الفاضل الأحباء الموجودين هنا فى المواضع المقدسة". و أشار إلى أن عدم الحضور بالنسبة له سواء على مستوى المكان الذى يمثله أو على المستوى الشخصى، كان يعتبر نوعا من التقصير، وقال إنه عندما دخل الدير عام ١٩٨٦ كان الأنبا إبراهام من أوائل الرهبان الذين تعامل معهم فى دير الأنبا بيشوى، وعندما ترهبن فى عام ١٩٨٨ تزاملا معا لمدة سنتين وتعلم منه الكثير، وروحه المرحة وأسلوبه الطيب.


ملابسات كثيرة أحاطت بالزيارة، منها العلاقة الإنسانية بين البابا والأنبا إبراهام هذا الرجل الذى يشيد الجميع بدوره الوطنى فى الحفاظ على أملاك الكنيسة الأرثوذكسية فى القدس طوال فترة توليه (بلغت حوالى ٢٤ عاماً)، ضد محاولات إسرائيل المتعددة للسطو عليها، وعلاقته بالفلسطينيين المقدسيين ودعمه لهم ضد المخطط الإسرائيلى لتهويد القدس، ووصيته بأن يدفن فى القدس، ولكنه لم يوص بأن يصلى عليه البابا تواضروس، وحتى لو كان هو الرقم الثانى فى المجمع المقدس بعد البابا، فلا يوجد دينيا ما يمنع أن يصلى عليه من هو أقل طبقاً لآراء بعض العارفين بالطقوس المسيحية، وإلا لكان الأحرى بالبابا شنودة أن يحضر مراسم ترسيمه لرئاسة الكنيسة الأرثوذكسية بالقدس.


البابا فى موقع لا يسمح له بتغليب العواطف، ومكانته لدى الأقباط والمصريين عامة، تجعل ما قام به من زيارة للقدس مشجعاً للمترددين فى الذهاب. والأدهى أن البابا سافر للقدس عن طريق تل أبيب، ولم يتجنب ذلك بالسفر عن طريق الأردن، كما فعلها الشيخ على جمعة عندما كان مفتياٌ للديار المصرية إبان حكم المجلس العسكرى عام ٢٠١٢ لافتتاح دراسة كرسي الإمام الغزالى، وهو ما رفضناه أيضاً وأثار موجة غضب كبيرة واعتبرناه تطبيعاً مع العدو الإسرائيلى لا يجوز لعالم دين فى موقعه أن يقوم به.


وحسناً فعلت الكنيسة ببيانها حول الزيارة وتصريحات متحدثها الرسمى القس بولس حليم، أن قرار المجمع المقدس بمنع سفر المسيحيين للقدس مستمر طالما بقيت تحت الاحتلال، وهو موقف ثابت لم يتغير.


لكن المسألة ليست فى قرار البابا بالسفر لإسرائيل فحسب، ولكن فى كواليس هذا القرار وارتباطه بمتغيرات كثيرة، تشير -إذا تم الربط بينها -بتحول ما فى موقف الدولة من العلاقات مع إسرائيل.


والسؤال المطروح: لماذا وافقت الجهات العليا على سفر البابا؟ من الصعب على أى شخص أن يقتنع بأن البابا قرر وسافر دون موافقة هذه الجهات!


زيارة البابا للقدس تأتى بعد أن قامت مصر ولأول مرة فى تاريخها، منذ نشأة إسرائيل عام ١٩٤٨ بالتصويت لصالح اختيار إسرائيل عضوا فى لجنة الأمم المتحدة للاستخدامات السلمية للفضاء الخارجى، بينما عارضت نامبيا القرار، حيث بررت مصر موقفها بالتزامها عربيا، لأن هناك ثلاث دول خليجية مرشحة ضمن المجموعة المكونة من ست دول وهى الإمارات وسلطنة عمان وقطر وسيريلانكا والسلفادور وإسرائيل، حيث نجحت الولايات المتحدة الأمريكية فى انتزاع موافقة الغالبية على أن التصويت يتم على مجموعة الست، حزمة واحدة، لتضمن عدم استبعاد إسرائيل فى التصويت على كل دولة على حدا، ولكن كل الدول العربية المشاركة اتخذت موقفا مغايرا عن موقف مصر، ثمانى دول امتنعت عن التصويت السعودية والكويت والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا واليمن، حتى قطر المرشحة للعضوية امتنعت عن التصويت من باب إحراج الآخرين، مع أنه كان أولى بها الامتناع عن الترشيح، حتى لا تكون بجانب إسرائيل، كما أنها أيدت الموقف الأمريكى بجعل التصويت على الست دفعة واحدة، أما الأردن ولبنان وليبيا فقد تغيبوا عن جلسة التصويت ليصبح موقف مصر منفرداً عربياً باستثناء الإمارات وسلطنة عمان المرشحتان لعضوية اللجنة، وبالرغم من ذلك تكتما موقفهما ولم يعلنا عنه.


من حقنا أن نربط بين زيارة البابا وقرار الدولة بالسماح للقطاع الخاص باستيراد الغاز من إسرائيل، حيث قال وزير البترول طارق الملا: إن الوزارة لا تمانع من استيراد الغاز من إسرائيل لكن طبقا للشروط التى حددتها الوزارة فى الاستيراد، ومنها تحقيقه قيمة مضافة، وإنهاء قضايا التحكيم المرفوعة على الدولة، وموافقة الحكومة والأمن القومى.


ونقلاً عن موقع إخبارى إسرائيلى (أنرجيا نيوز) قال وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شطاينتس: "إن القاهرة أعلنت أنها ستحتاج لاستيراد الغاز الطبيعي من الخارج، بعد توجهات من تل أبيب لها تتعلق بهذا الشأن".


وذكر الموقع الإسرائيلي، أن (شطاينتس) أدلى بهذه التصريحات خلال مشاركته في لجنة الطاقة والأعمال بتل أبيب، مؤكدًا على القيمة والفائدة السياسية التي ستعود من وراء تصدير الغاز الإسرائيلي، وقال: "هذه هي المرة الأولى التي تستعد فيها كل من مصر والأردن للقيام بعلاقات اقتصادية ذات أهمية كبيرة مع إسرائيل".


ونقل موقع "إنرجيا نيوز" عن عاميت مور - مدير عام شركة أقو إنرجي الإسرائيلية، أنه يتوقع أن ينتهي نقص الغاز في مصر عام ٢٠٢٥، وحتى هذا الوقت لابد من تصدير الغاز الإسرائيلي، فهذا الأمر يعتبر فرصة كبيرة لابد من استغلالها.


ووصف الموقع هذا الحدث بأنه رضوخ من الجانب المصرى للضغوط الإسرائيلية.


كما ذكرت صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية العبرية: "أن مصر لا تحتاج الغاز من تل أبيب، إلا أن الشركات العاملة بحقل لوياثان الإسرائيلية ستبيع الغاز لائتلاف دولفينوس المصري التجاري الذي يمثل عددا من مستهلكي الغاز غير الحكوميين في مصر"، مضيفة أن بيع الغاز سيستمر لفترة ١٥ عاما، وكانت مجموعة دولفينوس التى تضم شركات خاصة برئاسة المستثمر المصرى علاء عرفة وقعت فى مارس الماضى على اتفاقية لاستيراد الغاز من حقل تامار الإسرائيلي.


وأشارت "الصحيفة" إلى أن الفارق الأساسي بين اتفاقية مارس وبين مذكرة التفاهم الحالية ليس مكان الحقل، تامار وقتها والآن لوياثان، وإنما وفقًا للتقديرات هذه المرة، فالحديث يدور عن صفقة كبيرة تتضمن إمكانية بيع الغاز يتراوح بين ٢ إلى ٤ مليارات متر معب سنويًا.


وذكرت مواقع إسرائيلية أخرى أن حسين سالم وشركته التى كانت تصدر الغاز المصرى أوتنقله إلى إسرائيل وافقت على استخدام الأنبوب الخاص بها فى نقله بالعكس من إسرايل إلى مصر، ومازال الأمر قيد الدراسة الفنية.


فى يوم من أيام مبارك زارنا فى مجلة المصور واحد من رجالاته المقربين وقال لنا خارج التسجيل تعليقاً على احتجاجنا على تصدير غاز مصر إلى إسرائيل، "هذه صفقة أمن قومى المفتاح فى إيدينا نقدر نعطش إسرائيل بعد أن تكون قد اعتمدت على غازنا" رحل مبارك ورجاله وبقيت صفقة الغاز لإسرائيل أكبر شاهد على فساده، من حسين سالم وملياراته التى جمعها من الصفقة إلى قصوره المهداة لمبارك وولديه، وما خفى كان أعظم.


هل كل هذه الأمور مصادفة، أم تغير فى منحى العلاقة مع إسرائيل ضد مشاعر شعب رغم اتفاقية السلام التى عقدها السادات مع العدو الإسرائيلى، قرر بكل أقباطه ومسلميه، بكل فئاته - والتى عبرت عنها نقاباته من العمال إلى الصحفيين إلى الأطباء إلى غيرها- مقاطعة إسرائيل وعدم التطبيع معها على أية صورة لأكثر من ٣٥ عاماً، ثم ماذا قدمت إسرائيل لمصر حتى تغير من سياستها تجاهها؟


على مستوى القضية الفلسطينية التى هى محور الصراع فى المنطقة، راوغت ولازالت من أجل الوصول لتسوية عادلة، وطوال السنوات الأخيرة لم تتوان عن القيام بمذابح للفلسطينيين فى غزة والضفة، وهى التى رسمت وخططت للانقسام الفلسطينى وانفراد حماس بحكم غزة والسلطة بحكم الضفة، واليوم تقوم قواتها بالقتل الميدانى ضد صبية وفتيات فلسطينيين ضاقوا من تطرف المستوطنين وحرقهم لعائلات فلسطينية بالكامل وسط حماية السلطات الإسرائيلية، فهبوا للانتفاضة الثالثة (انتفاضة السكاكين).


وعلى المستوى العربى تعبث فى سوريا والعراق ولبنان وتدعم بصورة أو أخرى الميليشيات المسلحة والمتطرفين، وعلى المستوى المصرى يكفينا تحريضها لأثيوبيا ومساهمتها فى سد النهضة وكل السدود التى يتم إقامتها لحجب مياه النيل عنا.


وعلى مستوى التنسيق الأمنى بين الأجهزة الأمنية، كانت الفضيحة التى كشفت عنها شبكة السي إن إن الأمريكية من أن مسئولا أمريكيا كبيرا أكد أن إسرائيل استطاعت أن تلتقط اتصالات بين أعضاء ينتمون لحركة داعش فى سيناء وبين قيادات لهم فى مدينة الرقة السورية تؤكد أنهم استطاعوا وضع العبوة الناسفة التى أدت لتفجير الطائرة الروسية، وأبلغوا البريطانيين والأمريكان بهذه المعلومات، ولكنهم لم يخبروا المسئولين المصريين، وبحسب مراسل القناة الثانية الإسرائيليّة للشؤون السياسيّة، أودي سيغال، فإنّ جهاز الموساد (الاستخبارات الخارجيّة) في تل أبيب نقل ملفين أمنيين للمخابرات الفرنسية، الأوّل يتعلق بربط خلايا داعش التي نفذت إسقاط الطائرة الروسية في سيناء مع المنفذين للتفجيرات في الضاحية الجنوبية ببيروت مع منفذي عمليات باريس والثانى بتركيا.


الحكاية ليست زيارة البابا تواضروس للقدس، ولكنها حكاية من سمحوا له ومن صوتوا لصالح إسرائيل ومن يسمحون باستيراد الغاز.. انتبهوا.. إسرائيل مازالت خطا أحمر لغالبية الشعب المصرى، و على رأى المثل الشعبى (أخرة خدمة الغز علقة).