سمير غطاس.. ليس أول قبطى ينجح فى الانتخابات من أول جولة حقيقة تمثيل الأقباط فى البرلمانات المصرية وخطورة العزف على نغمة الطائفية..!

02/12/2015 - 12:25:23

بقلم - د. عاصم الدسوقى

عندما أعلنت لجنة فرز أصوات الناخبين بدائرة مدينة نصر- محافظة القاهرة مساء الاثنين ٢٣ نوفمبر الجارى فوز الدكتور سمير غطاس بعضوية مجلس النواب عن تلك الدائرة، أسرعت بعض الصحف ومواقع التواصل الاجتماعى تقول: إن سمير غطاس هو أول قبطى يفوز فى انتخابات برلمانية من الجولة الأولى، أى دون إعادة. وسواء جاءت هذه الإشارة من باب البرهنة على نزاهة الانتخابات وحيدتها على طريقة القول: برغم أنه قبطى إلا أنه نجح من الجولة الأولى !!!، أو جاءت من قبيل الإشادة بالتماسك الوطنى بين المصريين أقباطا ومسلمين، إلا أنه قول خاطئ فى كل الأحوال مهما كانت النيات الطيبة لقائليه، خاصة أن ثورة يناير ٢٠١١ وثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ وسائر ثورات المصريين فى التاريخ لم تصطبغ بلون دينى أو مذهبي، ولعل شعار ثورة ١٩١٩ الشهير «يحيا الصليب مع الهلال» خير برهان على ذلك.


أما القول: إن سمير غطاس هو أول قبطى يفوز بعضوية البرلمان من الجولة الأولى قول خاطئ، فأمر تؤكده قوائم المرشحين للبرلمان منذ بدأت أول انتخابات برلمانية فى مصر، وكذلك قوائم أسماء الذين فازوا من الجولة الأولى أو من جولة الإعادة، وذلك على النحو الآتى:


ففى انتخابات الجمعية التشريعية، التى تمت فى ١٣ ديسمبر ١٩١٣ نجح كل من: قلينى فهمي، ومرقس سميكة، وسينوت حنا، وكامل صدقى، ويوسف وهبة وكانت نسبة الأقباط ٥,٥٪ من مجموع أعضاء الجمعية ٩١ عضوا حسب الدوائر المحددة آنذاك.


وفى انتخابات يناير ١٩٢٤ لمجلس النواب بناء على دستور ١٩٢٣ نجح ١٥ قبطيا من الجولة الأولى فى دوائر: شبرا والأزبكية، واللبان بإسكندرية، وبنها، والمنوفية، وبنى سويف، وأسيوط، وجرجا وقنا، وأشهرهم وليم مكرم عبيد (دائرة بندر قنا)، ونجح واحد فقط من الجولة الثانية وهو زكى ميخائيل عن دائرة قوص- قنا، أى بنسبة ٧,٥٪ من إجمالى عدد أعضاء المجلس. وفى انتخابات مجلس الشيوخ لذات البرلمان (١٩٢٤) نجح ١٧ قبطيا فى دوائر مختلفة فى الوجه البحرى والقبلى والقاهرة، ونجح واحد فى الإعادة وهو لويس اخنوخ فانوس (دائرة أبنوب).


وفى انتخابات مارس ١٩٢٥ الى جرت بعد استقالة سعد زغلول من رئاسة الحكومة فى أعقاب اغتيال السير لى ستاك سردار الجيش المصرى فى السودان، نجح ١٤ قبطيا فى مختلف الدوائر من الجولة الأولى بنسبة ٦,٥٪ من إجمالى أعضاء المجلس. ونظرا لقيام الحكومة بإلغاء نتيجة هذه الانتخابات بعدما تبين لها أن حزب الوفد قادم بأغلبية وأنه لابد وأن يشكل الحكومة على غير رغبة الملك فؤاد، تقرر إجراء انتخابات جديدة فى عام ١٩٢٦ وفيها نجح ١٦ قبطيا بنسبة ٧,٥٪ من إجمالى أعضاء المجلس.


وفى انتخابات عام ١٩٣٠ التى أجرتها حكومة إسماعيل صدقى نجح ٢١ قبطيا من الجولة الأولى بنسبة ٩٪ من إجمالى أعضاء المجلس منهم ثلاثة نجحوا بالتزكية، أى دون منافس وهم: نجيب إسكندر (شبرا مصر)، ومرقص حنا (الأزبكية)، ووليم مكرم عبيد (دائرة الموسكي). وفى انتخابات مجلس شيوخ ذات العام (١٩٣٠) نجح ١٧ قبطيا من الجولة الأولى.


وفى انتخابات عام ١٩٣٦ نجح ٢٠ قبطيا من الجولة الأولى بنسبة ٨,٥٪ من إجمالى أعضاء المجلس، ونجح ٣٣ قبطيا بانتخابات مجلس الشيوخ.


وفى انتخابات مجلس نواب ١٩٣٨ نجح خمسة أقباط من الجولة الأولى بنسبة ١,٩٪ من إجمالى أعضاء المجلس.


وفى انتخابات مارس ١٩٤٢ نجح ٢٥ قبطيا من الجولة الأولى بنسبة ٩,٥٪ من إجمالى أعضاء المجلس وهى أعلى نسبة حصل عليها الأقباط، وبعدها تدهور تمثيلهم فى الانتخابات التالية حيث نجح ١٢ قبطيا فى انتخابات ١٩٤٥ أى بنسبة ٤,٥٪، وفى انتخابات برلمان ١٩٥٠ نجح ٩، بنسبة ٢,٨٪.


أما تدهور تمثيل الأقباط فى انتخابات برلمان ١٩٤٥ و١٩٥٠ على ذلك النحو فإنه يعود إلى تراجع مبدأ الوحدة الوطنية أمام مناخ التعصب والتشدد الدينى، الذى عمل أصحابه على شق صفوف الأمة على أساس اختلاف المذاهب، فقد تشكلت جمعية الشبان المسلمين فى عام ١٩٢٧ ثم جماعة الإخوان المسلمين فى ١٩٢٨ وجماعة أنصار السنة المحمدية، وتكونت من قبل جمعية الشبان المسيحية وإن اختلفت عن نظيرتها الإسلامية لأن عضويتها من الاسم لم تكن تقتصر على الأقباط، بينما جمعية الشبان المسلمين تقتصر على المسلمين، وأخذت جماعة الإخوان المسلمين تدعو صراحة لإقامة الحكومة الإسلامية، وتركز خطاب حسن البنا على القول: لا تجعل أموالك تذهب لغير المسلم.. لا تشتر من غير المسلم. وأكثر من هذا أنه فى ثلاثينيات القرن العشرين كان المعلمون الأقباط فى مدارس الحكومة لا يرقون إلى وظائف نظار مدارس امتثالا لقاعدة «لا ولاية لغير المسلم على المسلم».. وفى ١٩٣١ أصدرت وزارة العدل منشورا يقضى بأن تكون الشهادات الطبية المقبولة فى القضايا الشرعية من طبيب مسلم ولا تقبل من طبيب قبطي، طبقا لمبدأ «لا شهادة لغير المسلم على المسلم». وأمام انخفاض نسبة تمثيل الأقباط فى انتخابات برلمان ١٩٥٠ كما سبقت الإشارة، انزعج الدكتور زغيب ميخائيل مدير المستشفى الأهلى بأبو قرقاص، وهو مستشفى خاص (أهلي) وليس حكومى عام، فوضع كتابا فى ديسمبر ١٩٥٠ عنوانه «فرق تسد-الوحدة الوطنية والأخلاق القومية» قال فيه: «إن الوحدة الوطنية التى ظهرت فى ١٩١٩ نكصت على عقبيها لأننا لم نعد نهتف «يحيا الصليب مع الهلال».


على أن هذه النغمة اختفت مع ثورة يوليو ١٩٥٢ واهتمام جمال عبد الناصر بالتماسك الوطنى ولعل أبرز اهتماماته فى ذلك السبيل إلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم الملية (سبتمبر ١٩٥٥) وعرض القضايا المنظورة أمام كل منهما على المحاكم العامة اعتبارا من يناير ١٩٥٦، فلما صدر دستور ١٩٥٦ بدأت الانتخابات لمجلس الأمة وواضح أن اختيار اسم مجلس الأمة بديلا عن مجلس النواب والشيوخ، ما يؤكد حرص عبد الناصر أن هذا المجلس يمثل أمة المصريين جميعا، ودخل الأقباط هذا المجلس فى انتخابات عامة وفاز من فاز حسب شعبيته فى دائرته وتوالت الانتخابات عام ١٩٥٨ مع إعلان الجمهورية العربية المتحدة (وحدة مصر وسوريا)، ثم انتخابات ١٩٦٤ ولم نسمع فى تلك الانتخابات عن أية انحيازات طائفية، بل لقد استخدم عبد الناصر حقه الدستورى فى تعيين عشرة أعضاء للمجلس فى اختيار شخصيات قبطية لها وزنها. وكان الأقباط قد عزفوا عن ممارسة هذا الحق الدستورى تخوفا من المصير، وهذا ما لمسته من خلال أحاديث شخصية بينى وبين أصدقاء أقباط.


فلما انفرد الرئيس انور السادات بالحكم فى ١٥ مايو١٩٧١ أقدم على إصدار دستور جديد أطلق عليه «الدستور الدائم» على أساس أن الدساتير السابقة كانت تصدر باسم الدستور المؤقت. وقد اشتمل هذا الدستور الدائم على نص يقول:.. ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع (مادة ٢)، ثم تعدل النص بمقتضى استفتاء فى ٢٢ مايو ١٩٨٠ إلى «المصدر الرئيسى للتشريع» بإضافة الألف واللام، بدأ الأقباط يتخوفون من المصير القادم، وقد زاد من هذا التخوف تصريحات السادات بأنه حاكم مسلم لدولة مسلمة..إلخ


والحال كذلك استعاد الأقباط مناخ الفتنة الطائفية، الذى صنعته سلطات الاحتلال البريطانى فى مصر منذ عام ١٨٨٢، فأخذت الفرقة تدب فى الصفوف، وأخذ كل فريق يتنبه إلى ذاته الدينية أكثر وأكثر، وأخذ الانتماء إلى الأرض والوطن يتهاوى ويعلو عليه الانتماء إلى العقيدة. وكان نابوليون بونابرت قد زرع بذرة هذه الذات الدينية بين المصريين حين شكل دواوين الأقاليم والديوان العام فى القاهرة (أكتوبر ١٧٩٨) عقب إحتلاله مصر، وخصص نسبة للأقباط فى كل مجلس مقابل نسبة للعلماء (العلماء آنذاك وإلى زمن طويل هم علماء الإسلام). وفى مطلع القرن العشرين ومع جهود مصطفى كامل لإجلاء الإنجليز وفى إطار بحثه عن إطار فكرى لجهوده أخذ يؤكد على الرابطة الإسلامية-العثمانية وخاصة بعد أن فقد تأييد الخديو عباس حلمى الثانى وتأييد فرنسا بعد توفيق مشكلاتها مع إنجلترا بمقتضى الوفاق الودى (أبريل ١٩٠٤). وعلى هذا أخذ بعض كتاب جريدة اللواء وخاصة الشيخ عبد العزيز جاويش فى طعن الأقباط فى عقيدتهم فتعمقت الطائفية، رغم أن مصطفى كامل فى خطاب تشكيل الحزب الوطنى (ديسمبر ١٩٠٧) قال «.. وما المسلمون المصريون إلا أقباط غيروا عقيدتهم وهل تغيير العقيدة يغير الدماء..». ومن باب رد الفعل قامت صحيفة «مصر» التى كان يصدرها تادرس المنقبادى بحملة عنيفة لإثارة التفرقة سنوات ١٩٠٨-١٩١١ وكانت الصحيفة مشهورة بأنها تظاهر الاحتلال البريطاني. وكتب قرياقص ميخائيل مراسل صحيفة الوطن بالإسكندرية كتابه عن مطالب الأقباط عام ١٩١٠ فى أعقاب اغتيال بطرس غالى رئيس وزراء مصر ناهيك عن المؤتمرين القبطى فى مارس ١٩١١ والإسلامى فى مايو ١٩١١ فى أعقاب حادثة الاغتيال.


وفى أواسط نوفمبر ١٩١٨ قدم برونييت المستشار الإنجليزى بالمحاكم المختلطة مشروعه للإصلاح السياسى فى مصر على أساس التمثيل الطائفي.. وبلغت هذه الأفكار قمتها فى تصريح ٢٨ فبراير عام ١٩٢٢ بشأن استقلال مصر حين احتفظت إنجلترا لنفسها بحق حماية الأقليات رغم وحدة الأمة فى ثورة ١٩١٩ خلف سعد زغلول فى مواجهة الإنجليز.


ومع بداية عمل اللجنة العامة لوضع مبادئ الدستور فى أبريل ١٩٢٢ (دستور ١٩٢٣) ترددت شائعات، وخاصة فى الأقاليم مفادها أن الحكومة وزعت أمرا سريا على المصالح الحكومية يقضى بمراعاة أن تكون نسبة الموظفين الأقباط إلى المسلمين عند التعيين ١٢:١ وقيل إن ذلك من اقتراح الإنجليز.. وخلال عمل اللجنة قدم الشيخ محمد بخيت مفتى الديار المصرية، وعضو اللجنة اقتراحا بأن يتضمن الدستور مادة تنص على أن دين الدولة هو الإسلام، فاحتجت صحيفة «الوطن» وقالت «.. إن هذا النص عامل من عوامل التفريق كنا فى غنى عنه لأنه إذا كانت أغلبية البلاد من المسلمين ففيها عدد وافر من غير المسلمين..». ونوقشت مسألة تمثيل الأقليات الدينية فى البرلمان، ولكن رفضت الاقتراحات المقدمة فى هذا الشأن رغم ما قيل على لسان توفيق دوس باشا من أن النص على تمثيل الأقباط يبطل تحفظ حماية الأقليات الوارد بتصريح فبراير ١٩٢٢. ورفض عقلاء الأقباط وعلى رأسهم ويصا واصف وسينوت حنا وسلامة موسي، التمثيل الطائفى (المحاصصة بلغة هذه الأيام) من منظور أن أسلوب العمل البرلمانى يقوم على مناقشة أية قضية أو مسألة فى حرية تامة قبل أن تعرض على التصويت، فإذا ما كانت القضية المطروحة خاصة بمصالح طائفية سوف تضيع لأن الأغلبية سوف تكون فى يد المسلمين الأعضاء. وصدر الدستور فى أبريل ١٩٢٣ خاليا من أى مادة تتعلق بالتمثيل النسبى للأقليات ومتضمنا كفالة المساواة فى الحقوق للمصريين جميعا بصرف النظر عن الدين أو الجنس.


غير أن ذلك التراث البغيض لم يمنع من فوز أقباط فى الانتخابات النيابية منذ بدأت كما رأينا، وزوال هذه الحساسيات مع ثورة يوليو ١٩٥٢ حتى أطلت برأسها مع رئاسة السادات كما رأينا واستمرت مع مبارك، وزادت أكثر وأكثر مع سيطرة خصوم وحدة الوطن لحساب تيار الأمة الإسلامية، والذى بدا واضحا فى انتخابات مجلس الشعب فى نوفمبر ٢٠١١، والذى انتهى برئاسة الإخوان المسلمين للجمهورية (٣٠ يونيه ٢٠١٢- ٣ يوليو ٢٠١٣)..


ويبدو واضحا أن هذا التطور المقيت هو الذى دفع البعض للقول بأن سمير غطاس أول قبطى ينجح من الجولة الأولى ودون إعادة.. لكن ينبغى عدم الاسترسال فى مثل هذه الأقوال، وأن يحاسب بعضنا البعض على ما يقدمه لخير الوطن ورفعته وتقدمه، دون نظر لعقيدته أو مذهبه أو ملته، وليكن شعارنا جميعا هتاف ثورة ١٩١٩ «الدين لله والوطن للجميع»، وقول أمير الشعراء أحمد شوقي:


الدين للديان جل جلاله لو شاء ربك وحد الأقواما