ماذا تنتظـــر مصر فى ٢٥ ينايــــــــر ٢٠١٦؟!

02/12/2015 - 12:07:00

كتب - عبدالقادر شهيب

كلما اقترب يوم ٢٥ يناير من كل عام خلال الأعوام القليلة الماضية، ترتفع أصوات، يتوقع أصحابها أن البلاد تنتظر شيئاً أو حدثاً مماثلاً لما شهدته يوم ٢٥ يناير ٢٠١١ غير أننا الآن، ونحن نقترب من يوم ٢٥ يناير ٢٠١٦ صارت هذه الأصوات أكثر ارتفاعاً، وأضحت هذه التوقعات أكبر، في ظل إصرار الإخوان علي عدم القبول بالإطاحة بهم من حكم البلاد، وادعائهم بأن ما شهدته البلاد في ٢٥ يناير ٢٠١١ هي ثورة هم أصحابها، وأن هذه الثورة يتعين ألا تتوقف بل تستمر حتى تتحقق أهدافها وأهمها من وجهة نظرهم استعادتهم للحكم الذى فقدوه ولم يستمتعوا به سوى عام واحد، رغم أنه عملوا أكثر من ثمانية عقود من أجل الوصول إليه والإمساك به، وكانوا يخططون للاحتفاظ به لعدة عقود قادمة.. وأيضاً في ظل سعي الإخوان لتحريض فئات ومجموعات للانضمام إليهم لا تنتمي إليهم تنظيميا أو أيديولوجيا.. وكذلك في ظل عدم ارتياح أمريكي للوضع الراهن في مصر الذي تمخضت عنه ما شهدته البلاد في ٣٠ يونيه ٢٠١٣، ورغبة الأمريكان في استعادة الوضع المصري الذي تشكل إبان حكم الإخوان، أو على الأقل التخلص من النظام المصري القائم، خاصة أنه ينتهج سياسات لا تروق للأمريكان، بل تزعجهم!


فهل تنتظر مصر فعلا حدثا مماثلاً أو مشابهاً لما شهدته في ٢٥ يناير ٢٠١١ قد يتمخض عن تغيير سياسي داخل البلاد يتيح لصياغة وضع سياسي جديد، يتيح للإخوان فرض هيمنتهم على بلادنا، ويمكّن الإخوان من استعادة حكمهم، أو على الأقل وقف محاكمتهم وإعفائهم من المحاسبة عن جرائم العنف التي ارتكبوها، والخروج بالتالي من السجون وإعادة إدماجهم في العملية السياسية المصرية.. أم أن ٢٥ يناير ٢٠١٦ سيمر مثلما مر غيره في الأعوام السابقة (٢٠١٥-٢٠١٢) وسوف يتعزز الوضع السياسي الحالي في البلاد، خاصة بعد أن بدأ يتشكل برلمان جديد؟!


ابتداء وقبل البحث عن إجابة لهذا السؤال، الذي يتردد الآن داخل البلاد سواء من قبل إعلاميين وسياسيين، نلاحظ أن من يطرحون هذا السؤال ويثيرون هذه التوقعات الرائجة حالياً حول يوم ٢٥ يناير ٢٠١٦ يختلفون في الدوافع والنوازع.. فإن منهم تغلب على توقعاته الأماني.. أي أنه يتمني أن تشهد البلاد أحداث يوم ٢٥ يناير القادم مشابهة لما شهدته قبل خمس سنوات مضت.. وهؤلاء ليس كلهم ينتمون للإخوان أو حلفائهم من ذات التيار السياسي الإسلامي، وإنما بعضهم منخرط في تنفيذ أجندة أجنبية وتحديدا أمريكية، مثلما فعل من قبل ومازال يفعل حتى الآن، وبعضهم لم يجد ذاته أو تتحقق مصالحه في ظل الوضع السياسي القائم في مصر الذي تمخضت عنه الانتفاضة الشعبية الثورية التي شهدتها البلاد في ٣٠ يونيه ٢٠١٣، ولذلك يراهن على تغيير يجد ذاته وتتحقق مصالحه فيه.


كذلك هناك من يثيرون هذه التوقعات الخاصة، ويتحدثون عنها من باب التحذير من حدوثها، وبهدف منعها وإحباطها.. وهكذا نحن إزاء توقعات مشوبة إما بأمانٍ وآمال تبغي حدوثها، أو مشوبة بتنبيهات وتحذيرات.. وبالتالي يمكننا رصد بعض المبالغات بخصوص يوم ٢٥ يناير ٢٠١٦، بسبب هذا الخلط بين التوقعات والأماني، أو بين التوقعات والتحذيرات!


ومع ذلك فإننا لا يتعين أن نغض البصر عن محاولات تبذل فعلا للتحضير لشيء ما يحدث في ٢٥ يناير ٢٠١٦ مشابه لما حدث يوم ٢٥ يناير ٢٠١١.


وهذه المحاولات التي لا تقتصر على الإخوان وحلفائهم داخل التيار السياسي الإسلامي، تسعى لاستثمار بعض الأخطاء وبعض المعاناة من مشاكل وأزمات تراكمت عبر سنوات، مثلما تسعى للتقليل من شأن الجهد المبذول لمواجهة هذه المشاكل وعلاج هذه الأزمات، بل وأحيانا تصوير هذا الجهد كأنه بمثابة الحرث في الماء، أو بتقديم العلاج الخاطئ الذي يزيد من حدة المشاكل والأزمات ويفضي بالتالي إلي كوارث.


إن هؤلاء يستثمرون بعض الاختيارات التي جانبها التوفيق لبعض المسئولين، وبعض التصرفات التي ابتعدت عن الصواب لمسئولين آخرين، وكذلك تجاوزات بعض رجال وضباط الشرطة للترويج بين عموم الناس على أن شيئاً لم يتغير، وأن أوضاعنا السياسية لم تختلف، وأن ذات النهج الذي كان معمولا به من الحكم قبل ٢٥ يناير ٢٠١١ مازال مستمرا، وإن كان بأشخاص ومسئولين جدد ونحن نتأهب لاستقبال ٢٥ يناير ٢٠١٦.


كما أن هؤلاء يروّجون كثيراً وبكثافة الآن أن كل مشروعاتنا القومية الكبيرة مشروعات خاطئة ولا ضرورة لها الآن، وأن هناك مشروعات أخرى كان يتعين أن تحتل هي الأولوية.. وبدأ ذلك بالتركيز علي مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ثم انتقل فيما بعد إلى كل المشروعات القومية.. مشروع قناة السويس الجديدة أو ازدواج قناة السويس، كما يحلو للبعض تسميته، ومشروع الطرق الجديدة، ومشروع زراعة مليون ونصف المليون فدان، بل وأيضاً أخيراً مشروع تنمية محور قناة السويس ومشروع المحطة النووية بالضبعة.. إنهم الآن يكررون الحديث على أن هذه المشروعات ليست مجدية الآن، وتمثل ضغطاً على مواردنا من النقد الأجنبى، ويمكن تأجليها والاهتمام بتحسين الطرق القائمة ومنع التعدى على الأراضى الزراعية الموجودة، والتوسع في الطاقة الشمسية وليست النووية وتأجيل محور قناة السويس انتظاراً لانتعاش حركة التجارة العالمية، باختصار إنهم يريدون إشاعة أن مشروعاتنا القومية الكبيرة غير مدروسة، رغم أنها مشروعات قتلت بحثا ومنذ سنوات مضت.


كذلك يتعمد تضخيم بعض التصرفات والقرارات والإجراءات الخاطئة لعدد من المسئولين، الذين لا يتوفر لهم الحس السياسى، والذي تخونهم ألسنتهم، أو الذين لا يراعون كل الظروف القائمة.


وهكذا.. إنهم يسعون إلى تكرار ذات ما فعلوه من قبل، متصورين أن ذلك سوف يتمخض في نهاية المطاف عن ذات ما حدث من قبل أيضاً فى ٢٥ يناير.. ٢٠١١ أى عن تغيير سياسى تشهده البلاد، يعيدهم إلى الساحة السياسية، ويمكنهم من حصد حصة أكبر في كعكة السلطة السياسية التى مازالت هى المبتغى والهدف.


غير أن هؤلاء يتجاهلون أمرا شديد الأهمية، وهو أن ما حدث فى ٢٥ يناير ٢٠١١ لم يكن من صنعهم وحدهم وإنما هيأت له ظروف موضوعية كانت تعيشها البلاد تختلف عن ظروفها الموضوعية حالياً.. في يناير ٢٠١١ كانت البلاد تعيش في حالة غموض سياسى لم يسبق لها أن عاشتها من قبل في عصرها الحديث.. كان هناك حديث متواتر عن توريث للحكم يتم الإعداد له على قدم وساق، وكانت شواهده ماثلة أمام الناس، رغم نفى تام من قبل من سيورث الحكم ومن سيرثه.. وهذا الغموض أثار حالة قلق عام داخل البلاد فى ظل عدم قبول بأى توريث للحكم وشكوك فى إمكانية استمرار الرئيس الأسبق مبارك في الحكم لفترة جديدة، وفى ظل تراجع حالته الصحية وسأم من ممارسة الحكم شعر بها بعد موت حفيده فى عام ٢٠٠٩.


واقترن ذلك بسياسة اقتصادية لا تراعى الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، ونهج من التجاوزات لأجهزة الأمن.. وهكذا كان الغضب الجماهيرى كامناً وموجوداً وينتظر التفجير فقط، وهذا ما عملت عليه حركات وجماعات ومجموعات مختلفة على مدى ست سنوات كاملة.


وهذا الظرف الموضوعى يختلف عما نعيشه الآن.. ليس ثمة غموض سياسى بعد أن لم يعد الحكم فى البلاد مدى الحياة، وصار كل رئيس لا ينتخب سوى لأكثر من ثمانى سنوات.. أى أصبح هناك تداول فعلى للسلطة كنا نطالب به، وهذا هو أهم ما تمخض عنه ما حدث فى ٢٥ يناير ٢٠١١.. صحيح أن الظروف الاقتصادية الصعبة الناجمة عن تراكم المشاكل والأزمات وانخراطنا فى حرب الإرهاب التى تضررت بسببها السياحة الخارجية، وتأثرت الاستثمارات الأجنبية تؤخر، وتعطل علاج هذه المشاكل والأزمات، وبالتالى تزيد أمد معاناة الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة، إلا أنه في المقابل ثمة اقتناع لم يتبدد بعد بأن الرئيس الجديد يسعى بكل جهده لتخفيف حدة هذه المعاناة والتقليل من وطأتها على الفقراء ومحدودى الدخل.


ربما الرضاء السياسى والاجتماعى انخفض بعض الشىء عما كان عليه قبل عام مضى، لكن هناك قدراً من الرضا السياسى والمجتمعى، يحول دون التحول إلى حالة غضب مثلما كان الحال قبل ٢٥ يناير ٢٠١١، باختصار مصر ليست فى حالة مخاض لثورة الآن كما كانت تعيش قبل خمس سنوات مضت لعدم توفر الظروف الموضوعية لأى ثورة.


غير أن ذلك لا يعنى أن مصر لا تتعرض لمخطط تآمرى مشابه أو مماثل لذات المخطط الذى سبق أن تعرضت له من قبل، والذى ظهر بجلاء فى حوادث اختراق الحدود من قبل عناصر حماس وحزب الله واقتحامهم السجون بمساعدة عناصر إخوانية ومسجلين خطراً، وأيضاً اقتحام أقسام الشرطة ومراكزها في أنحاء البلاد، وهو المخطط التآمرى الذى مكّن الإخوان فيما بعد من الإمساك بحكم البلاد، بعد أن خدعوا فئات ومجموعات مدنية عديدة، وغرروا أيضاً بجموع الشعب الذين تصوروا أنهم سوف يراعون الله فيهم.


ولذلك علينا أن نتسلح بأكبر قدر من اليقظة فى مواجهة من يتآمرون علينا ، وعدم تكرار حالة الغفلة التى عشنا فيها من قبل، بينما المؤامرات تحاك حولنا وتنفذ فينا، ونحن غافلون أو على الأقل غير مصدقين ومخدوعين!.


إذن..


مصر اليوم ليست مهيأة لثورة أو انتفاضة شعبية.. ولكنها تتعرض لتآمر لم يتوقف منذ سنوات.. وإذا كانت جموع الشعب التى خرجت إلى الشوارع في ٣٠ يونيه ٢٠١٣ قد عطلت هذا المخطط التآمرى وأربكت المتآمرين.. فإنهم يحاولون استرداد ما خسروه واستعادة ما فقدوه، وهو الحكم والنفوذ السياسى والاجتماعى والاقتصادى.