قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (٤-٧) بن جوريون يهدد بشن الحرب على مصر

02/12/2015 - 11:19:47

بقلم - د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

ربما تجدر الإشارة إلى أن بن جوريون كان بين الحين والآخر يتهم مصر بأنها تشن حرباً من طرف واحد، ففي حديثه أمام الكنيست الإسرائيلي، في الثاني من نوفمبر ١٩٥٥، ذكر أن الغارات التي شُنت من قطاع غزة فقط، سببت في الشهور التسعة الأولى من هذا العام خسارة مائة وثلاثة وخمسين من القتلى والجرحى. وفي صيغة تهديد لا تخطؤها الأذن، أوضح بن جوريون شروعه في شن الحرب على مصر حين قال: “إن مصر هذه، تحاول الآن أن تسد الطريق على السفن الإسرائيلية في خليج البحر الأحمر، بما يتعارض مع القانون الدولي.. وهذه الحرب التي تقوم من جانب واحد لابد وأن تتوقف..”.


وفي الأول من ديسمبر، استدعى رئيس الوزراء الإسرائيلي: “الجنرال بيرنز” واتهم مصر بأنها وراء عمليات الفدائيين، وطلب منه أن يطلب من عبد الناصر، تنفيذ اتفاقيات الهدنة، تنفيذاً كاملاً، خاصة تنفيذ المادة الخاصة بوقف إطلاق النيران وفي نفس الوقت كانت إسرائيل قد تمكنت من عقد صفقة سلاح سرية مع فرنسا لشراء عشرين دبابة من طراز (A.M.X) وستين دبابة من طراز (شيرمان) وأربع وعشرين طائرة من طراز (مستير٤) فضلاً عن كمية من المدافع والمعدات الحربية الأخرى. والأهم أن إسرائيل تمكنت من توثيق وتطوير علاقاتها مع فرنسا حيث استغلت حق الحكومة الفرنسية على عبد الناصر نتيجة لتأييده ودعمه لثورة الجزائر، وأخذت الدبلوماسية الإسرائيلية تضرب على هذا الوتر الحساس، وتذكر الفرنسيين باستمرار بان، الديكتاتور المصري بات عدواً لباريس وتل أبيب معاً.


لقد كشف “موشي ديان” في يومياته، إن “بن جوريون” كان قد حسم أمره - قبل عودته إلى رئاسة الوزراء - على ضرورة الهجوم على مصر، وأنه حدد أهدافه الأساسية من وراء هذا الهجوم فيما يلي:


١. ضرب قواعد الفدائيين المصريين في سيناء.


٢. الاستيلاء على مضايق إيلات (شرم الشيخ – رأس نصراني – جزر تيران وصنافير).


٣. الاستيلاء على قطاع غزة إذا لزم الأمر.


٤. إسقاط عبد الناصر بعد كسره هيبته.


ومع أن مجلس الوزراء الإسرائيلي الذي انعقد في الخامس من ديسمبر ١٩٥٥، رفض الخطط التي عرضها بن جوريون حيث كانت الأغلبية ترى أن الوقت غير مناسب للهجوم على مصر، ورئى أن تعمل إسرائيل في المكان والزمان اللذين يبدوان مناسبين لها.. فإن “بن جوريون” كلف “موشي ديان” بأن يستعد للهجوم.. وكان “ديان” هو الآخر يرى أن استمرار اعتراف إسرائيل باتفاقية الهدنة المصرية – الإسرائيلية - بعد تشديد مصر للمقاطعة وعقدها لصفقة الأسلحة السوفيتية – بمثابة تنازل فعلي من جانبها عن حرية الملاحة والطيران في مجال المضايق.


هكذا انفجر الموقف وازداد حدة وعنفاً بين مصر وإسرائيل ما بين سبتمبر والنصف الأول من ديسمبر١٩٥٥، ولقد لاحظ فريق المراقبين الدوليين التابع للأمم المتحدة، أن الحرب واقعة لا محالة، وأن الأمر يتوقف فقط على من سيبدأ بالهجوم من الطرفين لكن هذا الموقف المتفجر ذاته، كان السبب في إرجاء الصدام المسلح بين الطرفين لعدة شهور، حيث يبدو من ظاهر الحوادث أن صفقة الأسلحة التشيكية وإن كانت قد خلقت موجة غضب عنيفة في الغرب وداخل إسرائيل - كما رأينا - “ضد عبد الناصر”، إلا أنها أتاحت الفرصة أمام مبادرات السلام الغربية خاصة الأمريكية.


محاولات الولايات المتحدة لعلاج مشكلة الشرق الأوسط


ربما تجدر الإشارة إلى أن عام ١٩٥٥، شهد أكبر عدد من المحاولات لعلاج مشكلة الشرق الأوسط، وكانت الولايات المتحدة جادة بالفعل لإيجاد حالة من الاستقرار فى هذه المنطقة الساخنة من العالم، كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الرئيس الأمريكي “إيزنهاور” كان يمثل أخر جيل الرؤساء الأقوياء في الولايات المتحدة، وأن الإدارة الأمريكية لم تكن في عهده قد وقعت بعد تحت السيطرة الصهيونية ولقد أجرت الولايات المتحدة في هذا العام اتصالات عديدة في معظم العواصم العربية، خاصة مع الدول المحيطة بإسرائيل، وكان التركيز - كما رأينا - دائماً على مصر.


على أية حال ففي الوقت الذي كانت فيه جهود “أريك جونسون”، المندوب الشخصي لايزنهاور، تتعثر عند محاولة التوفيق بين المخطط العربي والمخططات الإسرائيلية والأمريكية لاستغلال مياه نهر الأردن، نتيجة لتعسف إسرائيل ومحاولتها الحصول على نصيب الأسد جاء إلى مصر: “المور جاكسون” مندوب جماعة الكويكرز في الأمم المتحدة، وحاول أن يبحث عن نقاط التقاء بين “عبد الناصر” و “بن جوريون” لكن محاولته باءت بالفشل أيضاً وكانت الإدارة الأمريكية ترى ضرورة علاج المشاكل الثلاث التي مازالت معلقة بعد توقيع اتفاقيات الهدنة وهي:


الأولى: مشكلة اللاجئين، وكان دالاس قد أعلن في أغسطس١٩٥٥ ضرورة إعادة اللاجئين إلى الحدود الممكنة عملياً. وتعويضهم، ووعد بأن الولايات المتحدة ستساعد إسرائيل في دفع التعويضات.


الثانية: مشكلة الحدود، وكان يرى ضرورة تحويل خطوط الهدنة إلى حدود دائمة، وضرورة وقف القتال ومنع العدوان.


الثالثة: مشكلة القدس، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد أن تقوم الأمم المتحدة ببحث مستقبلها.


ولقد اعترضت إسرائيل على الخطوط العريضة التي ظل دالاس يكررها طوال النصف الثاني من عام ١٩٥٥، وفي نفس الوقت لم تكن هناك دولة عربية يمكنها أن تتحدث باسم الفلسطينيين، وتقبل بالتنازلات التي أعلنها “دالاس” والتي جاءت مخالفة على الأقل لقرارات الأمم المتحدة.


وعلى ذلك قرر ايزنهاور القيام بمحاولة جديدة وهي المبادرة التي أطلق عليها، “ألفا” حيث كلف الرئيس الأمريكي مبعوثه الرسمي “روبرت أندرسون” بحمل أفكار هذه المبادرة البريطانية –الأمريكية- إلى كل من “عبد الناصر” و “بن جوريون” وكانت “ألفا” نتيجة لاقتراح من رئيس الوزراء البريطاني “أنتوني إيدن” قدمه إلى وزير الخارجية الأمريكي حيث اتفقا على أن يعملا سوياً لتحقيق تسوية نهائية للنزاع العربي الإسرائيلي، وللقضية الفلسطينية، وشكل لهذه الغاية فريق بريطاني أمريكي مشترك، كان الفريق البريطاني ممثلاً في السير “أيفلين شاكبور” الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية، ومعه “روبرت سكوت” القائم بأعمال السفارة البريطانية في واشنطن، وكان الفريق الأمريكي ممثلاً في “هربرت هوفر” المساعد الأول لوزارة الخارجية، و “فرنسيس راسل” المساعد الخاص لوزير الخارجية والمسئول الأول عن المبادرة، والسفير “ريموند هير” ونظراً لخطورة وسرية هذه المبادرة، تقرر وضعها تحت الاختصاص المباشر لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، كانت جماعة “ألفا” هذه تعمل بمعزل عن وزارتي الخارجية الأمريكية والبريطانية.


كانت الفكرة المحورية “لألفا” أن يتم تناول مشكلة النزاع العربي الإسرائيلي على غرار الطريقة وبنفس الأسلوب الذي عولجت به قضية “تريستا” فكان على فريق “ألفا” أن يساوم أحد أطراف الصراع على مطالبه، حتى يصل إلى أقصى حد أدنى لها، ثم ينتقل إلى الطرف الثاني لكي يصل معه هو الأخر إلى الحد الأدنى لمطالبه، على أن تتم الاتصالات بحذر شديد وتحت أقصى درجات السرية المطلقة.


وكانت الولايات المتحدة وانجلترا قد اقتنعتا - كما رأينا - بأن “عبد الناصر” هو الشخص الوحيد بين الحكام العرب الذي يستطيع توقيع اتفاقية سلام دائم مع إسرائيل، كما يستطيع أن يضمن لهذه الاتفاقية أن تبقى، ومن ناحية أخرى كان عبد الناصر قد نجح في امتصاص وتهدئة غضب الولايات المتحدة الأمريكية، بعد عقده لصفقة الأسلحة التشيكية، ولم يعرض نفسه لانقلاب شبيه بالانقلاب الذي نفذته المخابرات الأمريكية ضد “أربينز” في “جوانتيمالا”، على أثر تعاقده على صفقة سلاح صغيرة مع السوفيت حيث بادر بتحمل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مسئولية تحوله نحو الاتحاد السوفيتي ليحصل منه على السلاح وأنه اضطر إلى ذلك بسبب تصاعد الهجوم الإسرائيلي على الحدود المصرية بعد غارة غزة في فبراير ١٩٥٥ .. حتى يدافع عن حدوده ويضمن بقاءه في الحكم ويتقي تذمر جنوده وضباطه.. وكانت مبررات “عبد الناصر” هذه تلقى قبولاً وترحيباً في الكثير من دوائر صنع القرار الأمريكي، التي كانت مقتنعة بأن “عبد الناصر” ليس شيوعياً وأن إسرائيل مسئولة بالفعل بعدوانها المتكرر على الحدود المصرية، عن اندفاع “عبد الناصر” شرقاً.


هكذا فإنه في الوقت الذي كان فيه “عبد الناصر” يسعى لتهدئة مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية، كانت الدبلوماسية الأمريكية والبريطانية، تخطط سراً لتمنع وقوع الحرب بين مصر وإسرائيل، وتحاول جاهدة استرداد نفوذ الغرب في الشرق الأوسط، الذي بدأ يتقلص على نحو خطير، خاصة في مصر وسوريا، نتيجة لتغلغل النفوذ السوفيتي، ولعل هذا يفسر التناقض الذي بدا واضحاً في ذلك الوقت، بين غضب انجلترا وحنقها الشديد على “عبد الناصر” وهرولتها للمشاركة في المناقشات الدائرة حول مشروع بناء السد العالي ويفسر أيضاً، موافقة وزير الخارجية الأمريكية “جون فوستر دالاس” رغم كراهيته الشديدة لـ “عبد الناصر” على الانضمام للبريطانيين والبنك الدولي في تمويل المشروع الكبير حيث بنيت المبادرة أساساً على الربط بين تحقيق تسوية ما بين مصر وإسرائيل، وتمويل مشروع السد العالي وعلى مصر بعد ذلك أن تجر الدول العربية للاعتراف بإسرائيل. ومما له دلالة أن “أنتوني إيدن” رئيس الوزراء البريطاني كان يردد وقتئذ – وذكر أيضاً في مذكراته– أنه يجب علينا ألا نسمح للسوفيت بالوصول إلى وادي النيل، مهما كان الثمن”.


وعن طريق “ألفا” كانت الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد لتقديم إغراءات أخرى كثيرة لـ “عبد الناصر” بجانب تمويل مشروع السد العالي من ذلك منحه صفقات الأسلحة التي كان يلح في طلبها، ودعم برامج التنمية، وبناء معمل للنظائر المشعة، ومن ذلك أيضاً تزويد مصر بفوائض القمح الأمريكي، ومساعدات في تسويق محصولها من القطن فضلاً عن تسليط الأضواء عليها وذلك بعقد بعض المؤتمرات الدولية في القاهرة.