لست بــ «عورة»..!

02/12/2015 - 11:20:47

بقلم - د. أمانى فؤاد

كثيرا ما تساءلت بعيدا عن الضباب الأسود العنصرى المتصاعد من التفسيرات المقدّمة لبعض النصوص الدينية ــ والتى قدمها فى الأغلب الأعم ذكور ــ كيف يمكن لوجه الإنسان أن يكون عورة، كيف يمكن للدال الرئيسى الذى يميزنا أفرادا فى جنس البشر أن يحجب ويتم التعتيم عليه، وهل يمكن ــ فى أيسر التفاسير ــ أن يكون جزءا من هذا الوجه محرما، أعنى شعر المرأة ؟ ولماذا يكون وجه المرأة وشعرها عورة ــ بحسب معظم التيارات السلفية ــ وفيهما مواطن الفتنة والإغواء دون الرجل؟ وإن كان هذا المنطق صحيحا لماذا لا يكون الرجل جميل الخلقة والشعر هو الآخر عورة؟ لأنه بذات المنطق جالب للفتنة؟


وهل ينتفي التحريم لو أن المرأة لا تتمتع بقدر من الجمال فامتنعت الفتنة؟


هل يفتن الرجل بالمرأة لضعف في نفسه، وتهاوي قوة تحكمه في غرائزه، ويفترضون في المرأة أنها من القوة والزهد فلا تتعرض للفتنة لو رأت رجلا جميلا؟ أو بالأحرى إن هي فُتنت هل لها أن تأتي مبادرة أو فعلا ؟ يربونها بالطبع أجبن من الفعل، وإن حدث فحتما ستوصف بالفجور . ثم لماذا تربي الثقافة الذكورية الرجل قناصا غرائزيا؟


إذا أردت أن تخفي وجهي أو جزءا منه فأنت بلا شك تَعدُني شيئا أو أداة، مجرد جسد، ذلك رغم سقوط الثنائيات في الفلسفة والعلم الحديث، والشيء ليس له عقل ، وإن كان فهو بالطبع قاصر، ولذا فرضت عليه وصاية في الأديان والأعراف والتقاليد المجتمعية، وإذا كان الشيء يحمل في خلقته غواية، وفي صوته، وفي جسده، فبلا شك هناك خلل ما في عقله، ذلك إن كان لديه عقل بالأساس في أعرافهم، عكس ما أثبته العلم الحديث بعدم اختلاف القدرات العقلية بين الجنسين في مجملها، ربما ينحو شخص المرأة للشر أو الغواية أو التحريض على الرذيلة، أو عدم القدرة على التفكير الصحيح، أو قصور الاختيار والتقييم الملائم لما يناسبه من عدمه، أو عدم فهم مقاصد الآخر، ومن ثم التعامل معها وفق إرادته ورؤيته، ويعد الاختيار والتقييم والعقل ميزة الرجل دون سواه، والشيء الذي هوالمرأة لا يمتلك تلك المقومات ولا هذه الاستحقاقات !!!.


أم أن المجتمع بثقافته الخاصة ربى الرجل بحيث لاتقمع رغباته، فأطلقه ثورا كلما رأى ما يستثير حواسه برز وحشا، يريد نيل ما تهفو غرائزه له، وربى المرأة فريسة خانعة مقادة لإرادة أخرى تتجاوزها، إرادة الأقوي وصاحب القوامة؟


ألا يمكن أن نطرح الأمر بطريقة أخرى، نتفق أن مثيرات الفتنة تعد ثقافة، ثقافة تعارفت واتفقت عليها المجتمعات، ولذا تتغير من مجتمع لآخر وإن ظل هناك مشتركات وثوابت، كما أنها تتغير في المجتمع ذاته من عصر لآخر.


بذات المنطق، الإباحة والتحريم أيضا تعد ثقافة، ثقافة اتفقت عليها المجموعات البشرية، وفرض قواعدها الطرف الأقوى فيها «الرجل» ، وبالطبع تأتي القواعد لتتناسب مع أطماع الطرف الأقوى، أطماعه من قبيل فرض الهيمنة، التفوق الاقتصادي، الاستئثار بذات بشرية «المرأة» تحت دعاوى متغيرة، ووضعها في سياق يشبه ملكيتها بصورة مقنعة، أو ملكيتها بالفعل، رغبة التعدد في النساء، وأن يشعر هذا الطرف بمتعة التفوق والطاعة، كل هذه الرغبات وأكثر تتطلب أن يتم التعتيم والهيمنة والحجب النسبي لهذا الكيان والسيطرة عليه، ولذا جاءت الأديان تحمل مايحقق للثقافة الذكورية تلك المطامع، وإن نحت إلي بعض العدل النسبي ، فكل دين قدَّم ثورة في تاريخ البشرية بصورة ما.


هل اهتم الدين ــ الذي هو الضمير الخارجي الذي أُنزل علي البشرــ بالتدين الشكلي الظاهري فقط، الذي هو العناية بالمنظر دون الجوهر الداخلي، فكانت عنايته الفائقة بلبس المرأة وحجابها، وتربية لحية الرجل وتشذيبها من عدمه، وطول بنطاله؟ وترك جوهر الإنسان، أغفل عقله ووجدانه علي مستوى الغرائز؟ بالطبع لا أقصد علي كل المستويات.


القمع والحجب الذي تعرضت له المرأة على مر تاريخها لم يكن يقصد به حجبا علي مستوي الشكل الخارجي فقط، بل كان جسرا وبابا للحجب والتعتيم على الكيان والعقل والوجود، لصالح الطرف الأقوى.


لماذا لم يتطور هذا الضمير الخارجي المفروض علي الإنسان، بواسطة الإنسان أيضا؛ ليربي ضميرا داخليا لدى البشر امرأة ورجل ؟ أقصد ضميرا معنيا بالعدل والمساواة بين الجنسين، أعني تربية العقل الناقد، المحلل للظواهر، والذي يخضعها لمنظومة فكرية فلسفية ، تربي ضميرا داخليا، تجعله أكثر إدراكا لنفسه وللآخرين، وتهذيبا لغرائز كل الأطراف، يستوي في هذا المرأة والرجل.


كأننا بحاجة إلى أن نعد بشرا يدركون، قادرين على التقييم، يمتلكون إرادة، ضبط الغرائز بما يتناسب مع إنسانيتهم التي ارتقى بها الإنسان على مر تاريخ تطوره، لا التعتيم علي أحد طرفي الخلق البشري.


هل اختصت المرأة بالغبن في الواقع، والديانات، والثقافات، لأنها تنطلق من تحكم ثقافة ذكورية؟ أرادت أن تكرس باسم الدين، وذكورية المجتمعات التي ظهرت فيها الأديان ، وتفسيرات الرجال لنصوصه وأحاديثه ، ترسخ لكل مكتسبات الرجل وقوامته ؟ هل هذا التدين الشكلي ومن يقف وراء تدعيمه يحجب وراء هذه الدعاوي أرواحا شريرة ، تريد أن تظل المرأة هذا الكائن الهامشي الجالب للفتن، المحرض على الغواية، الناقص عقلا ودينا؛ ذلك لتثبيت امتيازات الرجال في مجتمع ذكوري بموروثاته، مجتمع لم يستجد شيء في حاضره، لأنه لم يفارق ثقافة الجلد.


أما فقد آن الأوان أن تقف النساء واثقات ليقولن: لا يوجد أي شيء بذواتنا عورة، وجهي تكريم وتمييز لشخصي، شعري تاج لرأسي لا غواية فيه، وعقلي لا ينبغي أن يُفرَض عليه حجاب أو وصاية، أو أن يمارس نحوه نوعا من الكفِّ وتعطيل التفكير والتعتيم عليه؟


متى تكف النساء عن تعطيل عقولهن، عن اتباع ما يقال لهن تحت مسميات القداسة وهي مجرد تفسيرات اجتهد بها سلف المفسرين فكان منهم من اعتدل ومنهم من غالى في تشدده، ونظر للقضية في حدود معطيات وسياق ثقافة عصره عن المرأة، اختلفت المرأة وتطور إعدادها العقلي والنفسي صارت أكثر خوضا للمجال العام وهو ما تنظمه مجموعة من القوانين والاعتبارات التي تتطلب أن تكف هي ذاتها أن تكون حارسة لثقافة الذكر المهيمنة على طاقات المرأة وتحجيمها وحصرها في أدوار محددة.


وبعيدا عن مناقشة الأمر على أرضية دينية فهناك منطق آخر عقلي، هذا العقل الذي لا ينبغي أن يكف عن العمل وتقليب كل فكرة أو ظاهرة على عدد من المستويات التي تتلاءم مع قدراته وتطورات وعيه وإنجازاته الفكرية الفلسفية والعلمية التي ينبغي في ضوئها أن يعاد النظر في النص فيؤول، أو يكف عن التأثير.


في ظني أن هناك قضايا كثيرة نحجم عن الحديث فيها وبحثها والبت فيها، خشية ما يقع من ابتزاز ديني يمارسه بعض رجال الدين أو بعض حراس التدين الشكلي من الجموع، فمن حق كل امرأة أن تعتقد فيما تريد وتمارس طقسه لكن من حق الفرد في المجتمع أن تتسم المعاملات معه بالوضوح واليقين فيمن يتعامل معهم، فهناك ما يسمى مجال الحياة العام، أي هذا التواجد البشري الذي يصبح فيه الفرد رجل وامرأة موجودا ومؤثرا بحكم وظيفته والعمل الذي يقوم به، بقدرته على القيام بالدور المنوط به، وهذا المجال العام يقتضي نوعا من الوضوح والتعرف، نوعا من المكاشفة للكيانات البشرية والتيقن منها، تبين الشخوص التي نتعامل معهم وينبغي أن نعرفهم ونرى وجوههم والانطباعات التي تنقلها طبيعة أدوارهم وأهدافهم بالحياة مثل: الموظفة التي تتسلم أوراق تخص المواطنين من أجل إنجازها من مؤسسة ما، أو من تقوم بمهنة التدريس وتتضمن رسالتها منظومة من القدرة على التواصل، وأدوات وطرق الإقناع، وشعور الطالب باليقين من طبيعة المادة وشارحها، أو المكانة والدور الذي يقتضي مخاطبة الجماهير أو تقديم خدمات لهم، كل هذه الشئون تستلزم درجة من التعرف على الكيان البشري الذي تتعامل معه لدرجة تمكن من الثقة في تحديد ملمح محددة له وهنا لا فرق بين امرأة ورجل.


ألا يجب أن تلتفت الثقافة التي تحكم مجتمعاتنا إلى عقولنا نحن النساء، ألا يستوجب التطور عدلا يجعل الرجل يلفظ فكرة النظر للمرأة على خلفية أنها مجرد جسد، وأداة للاستخدام، أداة يمكن أن يفرض عليها الحجاب، أو يمارس ضدها تمييزا سلبيا في القوانين المنظمة للعمل والمواريث، وغيرها من القضايا التي تضمن له تفوقا اقتصاديا، ومن ثم تحكم في محاور كثيرة من حياة المرأة.


لا شيء في كياناتنا عورة، عقولنا ووجداننا أدوات كياناتنا الفاعلة، نملك إرادتنا، وضوح مظهرنا دون تعتيم وحجاب، دون ابتذال وترخص، نحن نصف وجه هذه الكرة الأرضية.