أربعة خبراء كبار يؤكدون: موازنة التعليم محدودة .. وأبناء المسئولين يحصلون على دروس خصوصية

02/12/2015 - 11:12:24

  ضيوف «المصور» من كبار خبراء التعليم على مائدة الحوار   عدسة: إبراهيم بشير ضيوف «المصور» من كبار خبراء التعليم على مائدة الحوار عدسة: إبراهيم بشير

أعدت ورقة الحوار: إيمان رسلان أعدها للنشر: أحمد جمعة -فاطمة قنديل

على مدار الأربعين عاماً الأخيرة أصبحت الثانوية العمة حقل تجارب فى شكلها أو مضمونها لكل وزير تربية وتعليم تولى المسئولية وكأن الشهادة الوطنية سركى لابد أن يوقع فيه كل وزير يجلس على كرس الوزارة حتى يثبت توليه المنصب! ولكن التعديل الأخير للثانوية العامة و الذى تمثل فى اضافة عشر درجات للحضور والسلوك والذى تم تجميد العمل به كان “القشة التى قسمت ضهر البعير” كما يقول المثل لأنه تغيير يهدم آخر معاقل تكافؤ الفرص بين الطلاب ويلغى فكرة الامتحان الموحد الذى تعمل به كل دول العالم بدون درجات للسلوك، البدعة التى تحاول وضعها وزارة التعليم الآن تحت يافطة عودة الطلاب إلى المدارس. وهو ما أدى إلى مظاهرات واعتراضات من الجميع طلابا وأولياء أمور ومعلمين فالقضية ليست حضورا وغيابا وإنما لدخول درجات “سلوك” إلى مجموع درجات الطالب التى ستمثل فتح باب كبير للفساد والتلاعب .


كانت قضية الثانوية العامة هى المدخل الرئيسى للحديث عن أحوال التعليم خاصة “الحكومى” فى مصر ومن خلال مائدة حوار المصور التى استضافت خبراء «حقيقيين» للتعليم وهم د. نادية جمال الدين مدير المركز القومى للبحوث التربوية سابقاً والاستاذ د. عبدالحى عبيد أمين المجلس الأعلى للجامعات سابقاً ومدير الجامعة العربية المفتوحة بالقاهرة حالياً ، ود. كمال مغيث الخبير التربوى والاستاذ بالمركز القومى وأخيراً وليس آخراً د. سامى نصار العميد الأسبق لمعهد البحوث التربوية بجامعة القاهرة.. أفاض الجميع فى التحدث وتشريح الأحوال التى آل إليها التعليم الحكومى وكيف انحدر مستواه حتى وصلنا إلى المرتبة قبل الأخيرة عالميا تحدثوا أيضاً عن تواضع مناهجنا وعن توغل الفكر «المحافظ» وليس الداعشى فى تعليمنا ..


المصور: في البداية.. مصر أصبحت حقل تجارب لنظم التعليم، خاصة في المرحلة الثانوية طبقا لتغيير الوزراء، فلماذا هذا التغيير المستمر؟


د. نادية جمال الدين: أشكر دار الهلال على استضافة هذه الندوة لمناقشة أحوال التعليم في مصر.


تعتبر الثانوية العامة بالنسبة لنا “مربط الفرس” على اعتبار أن جزءا من طموح أي إنسان مصري أن يلتحق أولاده بالجامعة ولا يوجد أي شخص يعرض عليه استكمال التعليم الجامعي إلا وسيوافق، وبالتالي أصبح دخول الجامعة أن نعلق بنظام القبول كل المشاكل السابقة، وعلى سبيل المثال؛ يٌقال إن السبب في الدروس الخصوصية هو مكتب التنسيق، وهل هذا حقيقي؟، وهنا سؤال لابد من الإجابة عليه ومعرفة أزمات مكتب التنسيق.


دعونا نؤكد أنه من حق كل إنسان أن يلتحق بالتعليم الجامعي، ولكن لماذا يلتحق بالتعليم الجامعي من الأساس؟، والإجابة أنه يعطي كل إنسان ٣ امتيازات؛ الأولى فرصة للإنصاف، لأنه سيلتحق بكليته من منظور المساواة مع الآخرين، وثانيًا يُحقق نوعًا من العدالة الاجتماعية لأن أي إنسان من حقه أن يدخل الجامعة، وأخيرًا أن هذا يؤهله أن يرتقي السلم الاجتماعي في المجتمع، ومن ثم فالثانوية العامة لها موقعها وقيمتها.


تعودنا منذ عام ١٩٥٧ عندما بدأ العمل بمكتب التنسيق للقبول في ٣ جامعات، أن المعيار الوحيد هو مجموع الدرجات التي يحصل عليها الطالب في المرحلة الثانوية.


في عام ١٩٧٤ دخل معيار جديد أن السيدة جيهان السادات دخلت الجامعة حين كان معها الشهادة البريطانية والتحقت بكلية الأداب قسم اللغة العربية، رغم أنها لم تدرس اللغة العربية في الجامعة البريطانية، وبدأت دخول الشهادات الأجنبية منذ هذه الفترة حتى زادت واستفحلت وأصبحنا نشعر أن هناك مشكلة، وبدأ الصراع على “الدرجة” لزيادة شريحة الشباب، وبالتالي يخضع التنسيق لمسألة العرض والطلب، فكلما زادت الدرجات التحق بكلية أكبر في المجموع، ثم الأولوية للالتحاق بإحدى الكليات للحاصلين على أعلى الدرجات، وبالتالي خضعنا لهذا المعيار لا لشيء إلا أننا لم نتوسع في التعليم الجامعي ليشمل كل هذه الأعداد.


وحسب دراسة أعدتها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كنا بحاجة إلى إنشاء جامعة لكل ٢ مليون نسمة، لكننا بدلا من ذلك توسعنا في إقامة الجامعات الخاصة بدلا من الجامعات العامة.


نحن لو أقمنا مؤسسات للتعليم الجامعي تتلائم مع الشريحة العمرية من الشباب كان من الممكن ألا تحدث كل هذه الأزمات، لكن ما حدث أن الدروس الخصوصية زادت بمعدلات خطيرة، وأغلب الطبقة الوسطى تتصور أن ابنها لن يدخل الجامعة وهذا ضغط على المدرسين، ما أدى إلى حالة من الفوضى في المدارس. نعم هناك دول بالعالم تتشابه معنا في قضية الدروس الخصوصية، ومنها اليابان ولكن في إنجلترا على سبيل المثال يحصل الطالب على دروس خصوصية في الموسيقى أو الرسم أو إحدى الألعاب الرياضية.


المشكلة في مصر ليست الدروس الخصوصية ولكنها أصبحت أزمة أخلاقية؛ أن المعلمين أهملوا التدريس في المدارس وركزوا جهدهم في إعطاء أكبر قدر ممكن من الدروس الخصوصية. وأقول إن مكتب التنسيق هو أعدل المعايير الظالمة.


المصور: لماذا تظهر أزمة الثانوية العامة إلى السطح كل عام.. ألا يوجد لدينا نظام واحد يحكم سير العملية التعليمية طبقًا لخطة مُمنهجة؟


د. عبد الحي: تعدد الأنظمة والتغييرات التي تتم لا أعتقد أنها مطلوبة إطلاقا، لكن المشكلة أننا نعيش في هذا الصراع الدائم، والذي يعود لضيق ذات اليد، بمعنى أنه نشأ بسبب الطلب المجتمعي شديد الخطورة على التعليم الجامعي لم يكن مطلوبًا من قبل، وقبل ذلك كان الإقبال ضعيفا على الالتحاق بالجامعة، وكنا في مرحلة الصبا في مدرسة مشتركة تضم بنين وبنات، وكنا ٤٥ طالبا في الشهادة الإعدادية وانخفض هذا العدد في الشهادة الثانوية، ومن التحق بالجامعة ٤ فقط، والباقي إما تسرب وعمل مع والده، ولم يكن هناك إقبالا مجتمعيا على العكس الآن.


لم يواكب هذا التحدي المجتمعي زيادة في الأماكن المخصصة للتدريس، وأذكر أنني حصلت على شهادة الثانوية العامة ١٩٦٥ والتحقت بجامعة القاهرة، وكان هناك عدد محدود من السيارات داخل الحرم الجامعي، وفي آخر زيارة ليّ هناك لم أجد مكانًا خاويًا وأصبحت الجامعة مكدسة بشكل غير محتمل.


ومن هنا نشأت أزمة الثانوية العامة، علمًا بأن نسب من يدخل التعليم الثانوي العام قليلة بعدد المسجلين في المراحل الأولى للتعليم، وتقول آخر الإحصائيات أنها تبلغ نحو ٣٦٪ من عدد الناجحين في الإعدادية، ومع هذا فإن هذه النسبة لا تجد أماكن تلتحق بها، وبالتالي زادت الدروس الخصوصية في ظل حرص الأسرة على تعليم أبنائها بشكل حقيقي وخوفهم من طرق التدريس التي يقوم بها الأساتذة في الفصول المتكدسة، ومن ثم فإن المشكلة يتسبب فيها أولياء الأمور أنفسهم، وأصبح الموضوع “سمة اجتماعية” منشأها الخوف، وكي نحل هذا الأزمة لابد من زيادة عدد الأماكن المخصصة بالجامعات.


وبالنسبة لمكتب التنسيق، فهو ليس هو أفضل الطرق لتوزيع الطلاب، لكنه في هذا التوقيت هو أعدلها لأنه لا ينظر إلى الواسطة أو المحسوبية، ولكن هناك بعض الكليات التي من شروطها اجتياز اختبار القدرات وهذا نظام موجود في العالم كله، لأن بعض الطلاب قد يكونوا قد نجحوا في امتحانات الثانوية لكنهم غير مؤهلين للالتحاق بإحدى الكليات العملية، وهناك نسب تُشير إلى أن عدد الناجحين في الكليات العلمية مثل الطب والهندسة والصيدلة لا تتعدى ٧٥ ٪ على أقصى تقدير، ومعنى هذا أن مجموعه في الثانوية لم يكن المقياس الوحيد لدخوله الجامعة.


المصور: هل هناك خراب في التعليم المصري؟


د. كمال مغيث: أظن أن الوضع أصبح شديد الخطورة، وأتصور أن الدولة كانت مهددة بالانهيار في الشهرين الماضيين بسبب موضوع “صفر مريم”، وكانت الدولة على بركان مُهدد بالإنفجار كذلك إن حصلت هذه الطالبة على درجات إضافية وثبت أن هناك خطأ.


التطوير أصبح ضرورة، في ظل أن أزمة الثانوية العامة ترتبط بأزمة الطبقة الوسطى، فهذه الطبقات تُدرك أن اتجاه أبنائها إلى التعليم الفني أصبح والعدم سواء، لأنهم غير مؤهلين للعصر الراهن الذي يحتاج إلى العلم، لكني أتصور أن الوضع أخطر من ذلك. تخريب التعليم بدأ في زمن مبارك. وأول أمر في عملية التخريب الممنهج أن التعليم لم يعد جزءا من المشروع الوطني؛ فبداية من عهد محمد علي حتى نهاية عصر جمال عبدالناصر كان التعليم جزءًا من المشروع الوطني للدولة المصرية، ثم تدمير العلاقة بين التعليم والعمل وأصبح الطالب الجامعي لا يعرف وجهته القادمة في سوق العمل، وأصبح هناك طابور ممتد من البطالة.


كما أن انهيار عملية “تمويل التعليم” سبب في خرابه، وسأكتفي بالإشارة إلى أن المدرس عام ١٩٧٠ كان يحصل على ١٧.٥ جنيه أي ما يعادل ٥ آلاف جنيه بالأسعار الحالية.


المصور: ما ملامح انهيار “نظام التعليم” في مصر؟


د. سامي نصار: أزمة الثانوية العامة التي نحن بصدد الحديث عنها هيّ محصلة أزمة اجتماعية، فالتعليم جزء لا ينفصل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي نعيشه، وعندما تكون هناك نهضة ومشروع قومي عام في البلد نجد أن التعليم يحتل المرتبة الأولى دائمًا ويحظى بالدعم من الدولة.


هذه الأزمة بدأت عام ١٩٧٤ عندما بدأنا عصر الانفتاح الاقتصادي وبدأ التفكير في كل ما يخص الدولة المصرية والمشروع الوطني من آمال كبرى، وكان من بينها التعليم، وفي هذه الفترة احتلّ التعليم المرتبة الثامنة في أولويات الخطاب السياسي عند الرئيس أنور السادات، وكان هناك طفرة في عدد السكان في مصر لم يقابلها زيادة في عدد المنشأت المدرسية وبدأت حركة لإنشاء كليات التربية “على عجل” وإعداد مُعلمين غير مؤهلين، وخرجت آلاف من المعلمين وكانت تعتمد بشكل أساسي على كلية التربية جامعة عين شمس والإسكندرية وتورد هؤلاء المعلمين إلى الأقاليم.


ولم تكن هناك رؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه التلميذ أو المعلم أوشكل المناهج، وحدث أن حدثت حالة من افتقاد المعايير في التربية والتعليم وأصبحنا “نضحك على بعض”، فالحكومة من جانبها تُعد موازنة غير كافية وتعد مُعلمًا صوريًا ومناهج لا تتوافر فيها المعايير، والشعب كذلك يتصور أنه يريد أن يُعلم ابنه، وينفق عليه الدروس وأصبحا في حالة من “التمثيل المتبادل بين الحكومة والشعب” كأننا نُعلم وكأننا نتعلم. ما نعيشه الآن هو “حالة تمثيل” في أبهى صورها.


أما أزمة الثانوية العامة فتكمن خارج “الثانوية العامة” سواء في التعليم الجامعي غير المؤهل لاستقبال هؤلاء الطلاب أو عدم وجود المعايير. وعلى سبيل المثال كُنا نحدد في مجلس الجامعة عددا معينا للقبول كل عام، ونكتشف أن مكتب التنسيق أرسل أضعاف هذا العدد إلى الجامعة، وبالتالي فالجامعات تتحمل أكبر من طاقتها القصوى.


إذا أردنا أن نتوسع في التعليم الجامعي فلابد أن يكون ذلك وفق رؤية معينة وأن تكون هناك معايير محددة في عملية التوسع، ولا أظن أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا من خلال مكتب التنسيق، فهناك بدائل كثيرة يمكن أن نتخذها لتحقيق هذه العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لكننا لا نريد أن نُنفذها، وما حدث في العام الأخير خير دليل على هذا أنه ليس السياج المنيع الذي تتحطم أمامه كل محاولات الوساطة.


الأزمة أصبحت أكثر شمولا حين نكتشف أن نسبة الطلاب في القسم الأدبي بالثانوية العامة تجاوزت ٨٤٪ من عدد الطلاب، بعدما كان القسم العملي يحتل المرتبة الأولى في الثانوية، فالقاعدة العلمية في مصر مُهددة.


الإصلاح لن يتم إلا إذا كان التعليم مشروعا قوميا وفقا لرؤية، ويكون مستقلًا عن النظام السياسي، حتى لا نضطر لتغيير النظام التعليمي وفقا لتغير النظم السياسية المتعاقبة والتي غالبًا ما تـُطوع النظام التعليمي وفقا لرؤيتها، وما حدث في عصر الإخوان خير دليل على ذلك. الخطورة في ذلك أن الطالب يفقد الثقة في النظام التعليمي، كما أن هناك سيطرة على المدارس من النزعة الأصولية والتيار الديني الذي يسيطر بشكل تام على النظام التعليمي حتى طرق التدريس وتكريس لمبدأ الخضوع والطاعة والحقيقة الواحدة.


المصور: هل التوسع في التعليم الجامعي هو الحل السحري لأزمة الثانوية العامة؟


د. نادية: في التسعينيات كان الحديث على أن التعليم هو الأمن القومي لمصر، ولا أنسى هذه الفترة في عهد الوزير حسين كمال بهاء الدين، وكانت كمية أعداد المدراس التي تم إنشاؤها في هذه الفترة حتى عام ٢٠٠٤ نحو (٣ أضعاف) المدراس التي كانت موجودة في مصر قبل ذلك، وكانت هناك طفرة كبيرة وحركة ونحو مزيد من المدارس والعمل وكانت هناك جهود تبُذل من أجل تحسين التعليم.


منذ ستينيات القرن الماضي وانتقل العالم من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات إلى عصر المعرفة الذي نتحدث عنه الآن، وأصبحنا بحاجة لإعادة النظر فيما نقدمه للتلاميذ لتعريفهم بالعصر الجديد، فالعالم يتجه نحو أن يتعلم الإنسان كيف يتعلم لأن المطلوب من الإنسان أن يظل متعلمًا مدى الحياة، وبالتالي فالأزمة الحالية فيما يخص نظام التعليم لابد أن نُعيد النظر فيها بشكل جدي لإتاحة الفرصة للتعليم المفتوح وأعتقد أنه فلسفة قبل أن يكون مؤسسة، رغم الانتقادات التي تم توجييها إلى التعليم المفتوح.


وهنا أؤكد أن كل دولة تشكو من التعليم الذي تقدمه وتسعى للأفضل من أمريكا حتى أوربا واليابان؛ لأن التعليم يتطلب تغييرا دائما لمواكبة المستقبل والحاضر الجديد، وأعتقد أن العصر الحالي الذي يمثل المعرفة سينتقل قريبا إلى عالم آخر يمثل (الحكمة)، وبالتالي فمن حق أي إنسان أن يتعلم ويظل متعلمًا حتى نهاية عمره.


بالنسبة للتعليم الجامعي، فالاتحاد الأوربي يتحدث عن ضرورة أن يلتحق به قدر الطاقة، فالثروة الحقيقية لأي مجتمع هم المتعلمون، ورأس المال العقلي هو الحقيقي وليس رأس المال المادي، وبالتالي فنحن نطالب بأن تكون هناك إرادة سياسية قوية تعمل على أن تتيح التعليم لكل إنسان بغض النظر عن نوع الكلية الذي يلتحق به، ونحتاج إلى نوع من الإبداع في التفكير من أجل إعادة ترتيب البيت التعليمي المصري.


وأقول إن الدكتور أحمد فتحي سرور كان أول من ضرب بمعول من عنده في تقديم استراتيجية واضحة للتعليم، وكان يريد التغيير حقيقة، وكان من الذين فكروا في إدخال الكمبيوتر إلى المدرسة لمواكبة التطور العلمي الخارجي، ثم جاء الدكتور حسين كامل وكافح من أجل إدخال الكمبيوتر وتمت محاربته بشكل واضح.


وخلال ٤ سنوات من عام ٢٠٠٠ حتى ٢٠٠٤ دخل ٧٤ ألف جهاز كمبيوتر على حساب القرض الذي حصلت عليه الوزارة، وتم بناء ٥٥٠ مدرسة جديدة وكانت هناك حركة دائمة في التعليم، ومع زيادة التكنولوجيا فإن الإنسان قادر على الحصول على المعلومة التي يريدها في أي وقت بشكل أسهل، وبالتالي فنحن بحاجة إلى أن نعطي للإنسان البنية الجديدة ونهيئها له لكي يكون قادرًا على الوصول للعلم الذي يبحث عنه، ولابد أن تتغير طريقة التدريس الأصولية عبر إمداده بالوسائل التي تُعلمه بشكل جاد.


وهناك تجارب خاضتها الدول للتزود من المعرفة، ففي البرازيل تم تدشين مشروع كمبيوتر لكل أسرة في البرازيل، وفي أمريكا كمبيوتر لكل طفل، وتم تدشين هذا المشروع في مصر عام ٢٠٠٠ بأن يكون لكل أسرة جهاز كمبيوتر تحصل عليه بالتقسيط. أنا مثلا بكيت عندما وجدت سيدة فلاحة جميلة في منطقة حلمية الزيتون تحمل جهاز كمبيوتر على رأسها وتُمسك بطفلها الصغير. الناس كان لديها وعيّ لكننا كنا مقصرين من ناحية التمويل، وبالتالي نحتاج لرأي عام قوي يُدعم التعليم ولا نهبط عزائم الناس، فالتعليم مهما كانت درجة سوئه فكل شخص يستطيع الحصول على قسط وافر من التعليم الذي يريده، لتعليم يذهب إلى الإنسان وليس العكس خلال الفترة الأخيرة.


المصور: ما تعليقك على الأصوات التي تُطالب بالحد من مجانية التعليم؟


د. نادية: لا أريد أن أقلل من التعليم والسياق الاجتماعي، فالفلاح الذي قاسى الأمرين لتعليم ابنه وحصل على مجانية التعليم يحاربونه الآن فى مجانية التعليم، كأن هذه المجانية عطاء من الدولة، بل هو حق للإنسان وواجب على الدولة وضرورة للفقراء لا مهرب منها، فالدولة لابد أن تتيح التعليم لكل الفئات ولكل المراحل، وأذكر أن الدراسات البحثية أكدت أن الرسوب في التعليم سببه المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، وأؤكد أن الشعب المصري الذي يصر على تعليم أولاده بطل ويستحق كل احترام وتقدير أنه مُصر على استكمال تعليمه لأن مصر تحتاج للعقول الفذة، وبالتالي فبدون تعليم حقيقي فالأمن القومي في خطر حقيقي ومستقبل مصر محاط بضبابية.


المصور: كيف يمكن التوسع في التعليم الجامعي؟


د. عبد الحي: التوسع ليس الجامعة فقط، بل يبدأ من المدرسة لأننا في احتياج دائم لبناء مدارس جديدة، فمازلنا في احتياج لأكثر من ذلك، ويوم أن تتوقف عمليات التطوير في التعليم نستطيع أن نقول إن هذه الدولة أصابها الغباء والعقم. ويجب أن نشير إلى أن التعليم في المدارس ليس بالسوء الذي نتخيله، بدليل أنني أعرف عددا كبيرا من الطلاب -وقت أن كنت أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للجامعات- تلقوا تعليمهم في المدارس ووجدوا أن هناك أستاذا ذي ضمير حرص على تعليمهم بالمدرسة، وتناقشت معهم وأكدوا أنهم اكتفوا بما حصلوه في المدرسة فقط.


إذا المدرسة جيدة، وعندما اقترح وزير التعليم إعطاء ١٠ درجات للحضور اعترض أولياء الأمور على ذلك، وهذا الخطر الكبير، وأريد أن تصل إليهم الرسالة بأن المدرسة إذا خربت فشلت الدولة بأكملها.


المصور: مظاهرات الطلبة وأولياء الأمور دفاعًا عن حقهم في المساواة باعتباره آخر معقل لهدم معيار المساواة في الثانوية العامة بإعطاء درجات للسلوك؟


د. عبد الحي: يكون هناك تقنين وبأسلوب أمثل في التطبيق، حتى لا يقع الظلم على أي طالب مثلما تحدث البعض، وتخريب ذهاب الطلبة إلى المدرسة “رجس من عمل الشيطان”. نتحدث دائمًا عن التطوير وهذا فكر جديد، ولا توجد مدرسة “خربانة” وخاوية من الطلاب بهذا المنظر الذي نراه في مدارسنا، والحضور مهم جدا في كل مدارس العالم والجامعات.


المصور: لماذا لا يتم التوسع فى انشاء الجامعات؟
الدكتور عبدالحى: يجب اولا التوسع فى انشاء المدارس وهنا اريد ان اقول انه مع ما تبذله وزارة التربية والتعليم من انشاء مدارس، لايزال هناك تكدسات فى الفصول ما يؤدى إلى ان الطالب يصل إلى الصف السادس الابتدائى او المرحلة الثانوية او حتى مرحلة الجامعة، وهو لا يعرف القراءة والكتابة. وهذه ليست مشكلة المدرس بالطبع والدليل على ذلك وجود طلبة يعلمون القراءة والكتابة. والتكدس في الجامعات كما المدارس، وعندما نطلب ٢٠٠٠ طالب يتقدم الينا ٢٠ الف طالب،


المصور: وهل المشكلة في الطالب فعلا؟


الدكتور عبد الحي: لا بالطبع، فمصر لديها طلاب من أنجح الطلبة على مستوى العالم، ويتفوقون عندما يلتحقوا ببعثات للخارج وبعضهم عمل فى اماكن بحثية على مستوى العالم ومنهم على سبيل المثال الدكتور مصطفى السيد والدكتور احمد زويل وغيرهم ممن تلقوا تعليما فى نفس المدارس، التى تعلمنا فيها ونفس الجامعات.


في الصيف الماضى كان هناك مؤتمر لشباب الجامعات فى لاهاى فى هولندا عبارة عن نموذج للامم المتحدة، وكان عندى طالب وطالبة من الجامعة العربية المفتوحة موجودين فى هذا المؤتمر، والذى كان يحضره ١٥٠ جامعة على مستوى العالم منها امريكا وانجلترا والمانيا. وكانت افضل متحدثة باللغة الانجليزية هي الطالبة المصرية، وهى متعلمة فى مدارس فى اقصى صعيد مصر ربما لو ذكرنا اسم القرية يسال الناس عن مكانها فهى قرية ليست موجودة على الخريطة، إذا التعليم ليس سيئا بدليل وجود مثل هؤلاء الطلبة.
قد يقول العض ان هذه حالات نادرة اقول لهم هل انت اجريت اختبارا للجميع بالتاكيد لا ولكن هؤلاء اتيح لهم الفرصة للسفر والآخرين لا، ودعونا نسأل السؤال الاهم وهو اين حصلت هذه الطالبة على هذا العلم غير ان استاذا اعطى محاضرة واستوعبتها منه. وعلى العكس من ذلك، شاهدت مؤخرا صورة فى احدى الجرائد لطلبة فى احد المدرجات جالسين فى آخر المدرج وممسكين “بكنكة وسبرتاية وبيعملوا قهوة” هل هؤلاء طلاب، فشل هؤلاء، هل يسأل عنه المدرس؟!!
المصور: حين يحصل الطلاب على شهادات، وتكون النتيجة أنهم غير متعلمين، ولا يجيدون القراءة أو الكتابة، فهل يمكن نعيب شيء غير العملية التعليمية ؟


الدكتور عبد الحى: كما قلت نحن فى تحد .. إمكانياتنا غير كافية لأن الفصل الذى يحتوى على ١٠٠ طالب لا يمكن أن يخرج طلاب يجيدون القراءة والكتابة بنسبة ١٠٠٪ .
المصور: نحن لا نتحدث عن كيف سيتعلمون ولكن نتحدث هنا عن كيف يحصل على هذه الشهادات وهو حتى لا يعرف القراءة والكتابة.. السؤال، كيف يتم ضبط العملية التعليمية ومنع عمليات الغش الجماعى التى تجعل الفشلة يحصلون على الشهادات؟.


الدكتور عبد الحى: ذلك يحدث في حالات ولكنهم ليسوا الأغلبية، الأغلبية هم أولياء الأمور، والترهيب الذى يحدثونه وعلى سبيل المثال واقعة ضرب إحدى المدرسات “بالشبشب” الأسبوع الماضى بعد ذلك تتخيلوا المدرس ماذا سيفعل بعد ذلك، لن يقدر على فعل شيء، بل بالعكس أى طالب مشاغب سيتهاون معه خوفا منه دون أى اعتبار للعملية التعليمية، نحن نريد توجيهات للمجتمع لزيادة درجة الوعى.
المصور: لابد من ترجمة ذلك على أرض الواقع بشكل سياسى واجتماعى لأن التعليم لا يختلف عن الواقع السياسى والاجتماعى للمجتمع وما يحدث اليوم فى المجتمع من مؤشرات سواء من قمة السلطة متمثلة فى المسئولين، الذين يصدرون قرارات يومية أو فى إهانة المعلمين، لابد أن ذلك له تفسيرعلى أرض الوقع، فسر لنا ذلك من الناحية الاجتماعية؟


الدكتور كمال موريس:؟ أظن أنه حينما كان هناك مشروع وطني كان الجميع يعلم مكانه جيدا، وهذا المشروع لم يكن مجرد شيء يصيغه النظام السياسى ولكن كان يعنى أن كل شيء فى المجتمع يكون له مشروعية، وسواء كان المواطن غنيا أو فقيرا فهو يسلك طبقا للمشروعية المعترف بها، وحين انهار ذلك المشروع، انهار المجتمع. طه حسين سعى لأن يجعل “التعليم مستقبل الثقافة فى مصر”، وهذا كله انهار بسبب انهيار المشروع الوطنى وانهيار العلاقة ما بين التعليم والعمل، التعليم لم يصبح جزءا من الحراك الاجتماعى.


كما أن انهيار تمويل التعليم سبب آخر في الكارثة. الدول تستثمر في التعليم لأنها تعلم أنه حين تنفق على الطالب خلال مدة ١٦ سنة ١٢ منهم قبل الجامعى و٤ التعليم الجامعى ١٠٠ ألف جنيه مثلا، فسوف تسترد هذا المبلغ فى ٨ سنوات فقط، لأن الطالب بعد التخرج سيعمل والدولة ستحصل على مبالغ منه كضرائب دخل. هذا ما تفعله الدول المحترمة. أما نحن فلدينا نظم سياسية لا تؤمن بالشعب، ولا يؤمن الشعب بها.


ويجب أن أشير إلى أن نقابة المعلمين فيها مليون و٢٠٠ ألف معلم ومعلمة هل فكر أحد أن يسمع رأيها فى أى قضية من قضايا التعليم. بالطبع لا، هذا فضلا عن أن الدولة تحرص على أن تكون نقابة المعلمين هى النقابة الوحيدة التى يكون رئيسها هو وزير التعليم، وإذا لم يكن فيشغل المنصب أحد نوابه أو أحد الوزراء السابقين.


ثم أن هناك أمر خطير يتمثل في أننا نتحدث عن المواطنة ولدينا ٨ الآف معهد تابع لمؤسسة الأزهر فيهم مليون ونصف طالب ولا أحد يعلم ما يتم تدريسه للطلبة فى هذه المعاهد من مناهج تهدم فكرة المواطنة والإنسانية.


وبالنسبة للتمويل، فالمدرس كان يحصل على ما يعادل ٥ آلاف جنيه في عام ١٩٧٠ وفى آخر حكم مبارك كان المدرس يحصل على عقد يسمى العقد المميز يحصل منه على ٣٠٠ جنيه والعقد غير المميز ١٢٠ جنيها ويقبضهم ١٠٤ جنيهات بعد الخصومات والبعض الآخر يتم عمل لهم تعاقدات بـ٧٠ جنيها “يعنى ثمن كيلو لحمة واحد”، ثم نأتي بعد ذلك نقول للمدرس ادخل اشرح للأولاد كأنك بتقوله ادخل اقف أنت بلطجى. كيف لدولة قامت بثورتين أول شعارتهما العيش أن تقف بشريحة الضرائب عند ٢٠٠ ألف جنيه فقط.


وبخصوص الدروس الخصوصية، أنا أنفقت عليها لبناتي في الثانوية العامة ١٠ آلاف جنيه ولا مانع لدى أن تأخذهم المدرسة بدلا من المدرس الخصوصي فى مقابل تقديم تعليم جيد. كما أن تطبيق الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور، وإعادة هيكلة الأموال فى وزارة التعليم نفسها يمكن أن يحل كثير من أزمات التعليم، وأخيرًا نحن نحتاج للتفكير فى نمط الإدارة ونحن لدينا نمط إدارة ورقى ليس له معنى، نحن نحتاج للتفكير فى شكل من أشكال الإدارة بالأهداف، وعلى سبيل المثال يتم عمل للمدرس حافز تميز غذا تخطت نتائجه ٧٠٪، بالإضافة إلى عمل هيئة مستقلة للكتاب تقر بأن هذا الكتاب يصلح للتدريس أم لا.


المصور: المشكلة في أمية المتعلمين لا تقتصر فقط على طلاب الإبتدائي والإعدادي، لكن النسبة وصلت لـ٦٠٪ فى التعليم الفني؟


الدكتور سامى نصار: لا يجب أن نغفل أننا لدينا ٢٣ ألف مبنى مدرسى فيهم ٥٠ ألف مدرسة، ولا يمكن أن يخرج من هذه المدارس طلاب متفوقون بنسبة كبيرة، فمعايير الطالب المتفوق لا تكمن في حل امتحان ظل طوال العام يتدرب على نماذج شبيه به. ما تقدم الوزارة من نماذج امتحانات يعد نوع من الغش المقنن والممنهج من قبل الدولة، أين مهارات التفكير والتفاعل أين؟
وأنا قمت بزيارة مدارس في الإسكندرية وحتى الصعيد، ووجدت مدارس لا يوجد بها حتى ولو دورة مياه واحدة ومدارس يحوطها مياه الصرف الصحى ومدارس بها عقارب وثعابي،ن ومدارس الطلبة يجلسون بها على الأرض لعدم وجود أماكن للجلوس، ومدارس خاوية على عروشها من الطلبة لأنهم يذهبون إلى المراكز الخارجية، التى تعطى الدروس الخصوصية.


وبالنسبة لقضية القرائية سواء كانت نسبتها ٣٠٪ أو ٦٠٪ ليست هذه هى المشكلة، والذى يحدد سواء كانت نسبتها ٣٠ أو ٦٠٪ من يعرفون القراءة أو لا يعرفون ماذا يقرأون وحسب أى مضمون، ومن أين أتت هذه القرائية بالتحديد، مشروع القرائية هو منهج سلفى بحت والطريقة التى تقدم بها هى طريقة الكتاتيب وهذا البرنامج تم عمله فى القرن السادس الهجرى لتعليم الأولاد الأكراد القراءة والكتابة باللغة العربية، ونحن أخذناه باعتباره فتحا جديدا ونعيد تطبيقه مرة ثانية وأهدرنا كل تاريخ التربية والتعليم وكل المنجزات والتطورات فى عملية التدريس اللغة، سواء العربية أو غيرها.


لدينا أساتذة مثل الدكتور عبد العزيز القوصى، والدكتور محمد سعيد العريان، ومحمد القاضى، ومحمود رشدى خاطر، هؤلاء عملوا لنا كتبا وتركوا لنا تراثا يمكن الاعتماد عليه فى تأليف الكتب لتعليم القراءة والكتابة للطفل بشكل جيد، أما الآن فندرس أشياء عجيبة، كيف للطفل فى المرحلة الابتدائية أن يُدرس له الصرف والنحو، فى البداية أولا يجب أن يتعلم كيف يقرأ الجملة وكيفية كتابتها ومعناها، وأريد القول إن مشروع القرائية ما هو إلا وهم كبيرـ وأنا لا أعلم بالتحديد كم صُرف عليه.
نعود مرة أخرى لقضية الطالب، طالب اليوم ليس هو طالب النماذج التى يتم حلها ولن يتعلم بمجرد تواجده فى المدرسة وتعليمه بهذه الطريقة، طالب اليوم فى عصر التكنولوجيا وطيلة الوقت ممسكا بالاى باد والآى فون، ويعتمد عليه بالدرجة الأولى، وبالتالى لابد من تعليمه من هذا المدخل من خلال وسائل الاتصال وتكنولوجيا التعليم الحديثة.


لا أقول إننا نُلغى المدرسة، وإذا كنا نريد التوسع فى التعليم الجامعى الحل فى الجامعات المفتوحة والتعليم الإلكترونى، ولكن المجتمع يسير مثل “الشريك المخالف” نريد أن نتوسع ونعمل تعليما مفتوحا، ونحن الذين نؤسس له ونخرجه للمجتمع، وبعد ذلك لا نعترف بالشهادات الممنوحة منه، بل ونهاجمه، جائز جدا إننا أخطأنا فى تطبيقه، ولكن بدلا أن نشعل فيه النار نصلحه ونطبق فيه المعايير الحقيقية للتعليم المفتوح، لأن التعليم المفتوح ليس مجرد كتب أو يشتريها cd الطلبة، ولكنها فصول تفاعلية.


يجب أن نطبق التعليم المفتوح كما يجب أن يكون، فالطالب في التعليم المفتوح يجب أن يجلس بمفرده أمام الشاشة، ويتحدث مع المدرس مستخدما presentations وكل الوسائط المتعددة لتوصيل المعلومة، وفى حالة مقارنة التعليم المفتوح، الذى اعترضت عليه نقابتى الحقوق والصحفيين بالتعليم النظامى، نجد أن عدد الطلبة فى مدرج كلية الحقوق يتخطى الـ١٥٠٠ طالب كيف يستطيع الطالب التعلم، وسط هذا العدد وهو غير قادر حتى على رؤية الدكتور، بينما الطالب فى التعليم المفتوح يجلس أمام الشاشة يسأل ويُسأل ويتفاعل مع المدرس، لماذا نعتبر التعليم المفتوح تعليم من الدرجة الثانية.


وهناك على سبيل المثال الجامعة العربية المفتوحة والجامعة البريطانية المفتوحة، ويطبقون النظام جيدا فلماذا لا نفعل ذلك فى باقى الجامعات، بالإضافة إلى أن برامج التعليم المفتوح من خلال التعلم الإلكترونى أصبحت مشاعة ومتاحة، والآن يستطيع أى شخص الدخول على كافة الجامعات العالمية، وأكبرها ومنها جامعة “هارفاد” من خلال برامج تعليمية مفتوحة للجميع، وهو نظام “المقررات المفتوحة كثيفة العدد” يستطيع أى شخص التسجيل مجانا والدخول، وفى أعقد التخصصات حتى تخصص الطب، والسؤال هل نحن نعترف بشهادة أون لاين فى الطب، ونحن لا نعترف بها فى الكليات النظرية؟!!، إذا التعلم والمعرفة أصبحت متاحة، ويجب أن يكون لدينا إطار قومى للمؤهلات، هذا الإطار كان موجودا لدينا منذ زمن.


المهم أنه كى يتخرج الطالب من أحد التخصصات لابد أن يكون مؤهلا له بدرجة كافية بغض النظر عن أين تلقى هذا الطالب تعليمه فى المدرسة أو الجامعة أو حتى فى المنزل، ولكن يتم اختباره عمليًا لمعرفة إذا كان يمتلك الكفايات الأساسية فى المهنة المتقدم لها أم لا.


ويجب أن نعترف أن تطوير برامج التعليم الجامعى فيه مشكلة، فكل عميد كلية يريد إضافة مقررات أو حذفها يرسل للجنة القطاع وينتظر سنة كاملة على سبيل المثال لكى يغير عنوان أحد الكتب يخرج القرار من مجلس القسم فى شهر ومن مجلس الكلية فى شهر أيضًا ومجلس الجامعة فى الشهر الذى يليه ثم تذهب إلى لجنة القطاع وحين تنعقد لجنة القطاع تبحث إذا كان القرار فى اللائحة الاستشهادية بهذا الاسم أم لا وإذا كان غير موجود بها تعود للجنة الكلية مرة أخرى، وكانت جميع الكليات متشابهة مع بعضها البعض بدون اى تميز، ولذلك أنا أقترح وأنا عضو فى لجنتين بالمجلس الأعلى للجامعات أن يعود المجلس إلى اختصاصاته الأولى التى وضعها طه حسين في تطوير المناهج.


المصور: الدكتور عبد الحى ما رأيك فى ذلك؟


الدكتور عبد الحى: نحن فى الجامعة العربية المفتوحة على علاقة وطيدة بالجامعة البريطانية المفتوحة، ومستعدون للتعاون مع وزارة التعليم. وقد علمت أن الرئيس السيسى، وهو في زيارته لإنجلترا وقع اتفاقية للتعليم بنوع من الشراكة، وهو ما يدل على وجود اتجاه لإحداث نوع من التعاون مع إنجلترا لأن سبل ووسائل التعليم لديها متقدمة.


فى الجامعة العربية المفتوحة، أي محاضرة لا يزيد فيها عدد الطلاب عن ٣٠ طالبا، ولكى يتم عمل ذلك فى جامعة القاهرة، والتى بها ٣٠٠ ألف طالب، فهذا أمر صعب جدا. النقطة الأهم هنا أن هذه الجامعة لها ٩ فروع فى ٩ دول عربية والاختبارات فيها موحدة، والدكتور الذى يدرس ليس هو الذى يضع الاختبار، ولكن هو يستلم الكتاب من إنجلترا وموضع به خطة زمنية للشرح مستوفية الكتاب بالكامل، بينما نحن فى الجامعات نعطى الطلاب مثلا ٢٠ سؤالا، ونقول لهم إن الامتحان سيأتى منها، أو أن الفصل الأول والسابع ملغى وركز فى الفصل الرابع، أما هنا في مصر فلا يوجد مثل هذا الكلام لأن الدكتور نفسه الذى يقوم بالتدريس لا يعلم من أين يأتى الامتحان.


المصور: ولكن الطالب المصرى لا يدفع نفقات على التعليم، وإن دفع فالأرقام تكون رمزية.. ما رأيك؟
الدكتور عبد الحى: المصروفات فى الجامعة العربية المفتوحة، مصروفات بسيطة أيضا، وتكاد تكون أقل من مصروفات كُتاب فى قرية لأن الذى وضعها هو برنامج الخليج العربى المائى، وهو برنامج مدعوم يجعل المصروفات رمزية، ولكن هنا أريد توضيح أن هذه النقطة أحيانا تكون نقطة طرد للطلبة لأن الصورة الذهنية المرسخة فى أذهاننا أن التعليم المرتفع الثمن هو التعليم الجيد أما المنخفض غير جيد ولا نقتنع به.
وهل يستجيب الطالب المصري لنظم التعليم الإنجليزية؟


فى الجامعة العربية المفتوحة التعليم بالكامل باللغة الإنجليزية وفى البداية يتم عمل للطالب اختبارات لتحديد مستواه فى اللغة الانجليزية، ويتم تقويته فيها، أما نسبة المتسربين من الجامعة فمرتفعة جدا، ففي بعض الأحيان يحضر والد أحد الطلبة ويسأل كيف رسب ابنه ونحن ندفع المصروفات، هنا نوضح له أنه لا يدفع أموالا لكى ينجح الطالب فى الامتحان، ولكن لكى يتعلم. الأمر الثالث أن الجامعة لا وجود فيها لشيء اسمه قواعد الرأفة لأن الطالب الذى يحصد ٤٩ درجة والنجاح من ٥٠ يقوم بإعادة السنة فى هذه المادة لأن من يدعمون هذه الجامعة يقولون دائما أننا نريد أن نخلق فى العالم العربى فئة تعلمت بشكل جيد جدا، والدراسة بالجامعة تكون بشكل مدمج لأن بها كل أنظمة الدراسة من التعليم الإلكترونى والتعليم “face to face” والتعليم عن بعد .


المصور: كم إجمالى عدد الطلبة فى الجامعة الآن؟


د . عبد الحى: لدينا الآن ١٧٠٠ طالب فى ٣ كليات وحصلنا على موافقة بإنشاء كلية تربية وكلية إعلام، الفيصل هنا هل نحن أفضل أم التعليم النظامى فى الجامعات الحكومية، أنا هنا أؤكد أنها إمكانات وتحد كبير لأن تقريبا كل التحديات التى تعانى منها منظومة التعليم فى مصر هى تحديات مادية. وهنا نستطيع أن نناشد أهل الخير لتوفير الامكانيات، ومن الممكن أن يتبنى المرشحون لمجلس النواب بناء المدارس أو تطويرها، ويعلنون ذلك باسم، وهذه ستكون دعاية كبيرة ومجدية أكبر من الأموال التي تنفق على الدعاية الانتخابية في ورق وخلاف.


المصور: ما تعليق الدكتورة نادية؟


أريد القول إن التعليم والتعلم عملية مجتمعية بمعنى أن جميع أطراف المجتمع مسئولة عنها، ويجب أن تكون مشغولة بها إذا ليست وزارة التعليم وحدها أو الحكومة وحدها، يمكن أن تغطى هذا المجال، ومن حق كل إنسان أن يتعلم فمن الضرورة التوسع فى التعليم بكل مراحله لأن تكلفة الفرصة الضائعة أصعب بكثير، وهذا ما واجهته أوربا بعد الحرب العاليمة الثانية واتجهت للتوسع فى التعليم الجامعى لأن وجدوا أن تكلفة الطالب، الذى يتعلم فى الجامعة أرخص من تكلفة التلميذ، الذى حصل على التعليم الثانوى وظل من غير عمل، وبالتالى نحن نحتاج أن نغير مفهومنا ونعتبر أنه ليس أمامنا إلا أن نجعل ميزانية التعليم مثل ميزانية القوات المسلحة لأنه لا يقل عنها أهمية.


المصور: الدكتور كمال، لماذا هاجمت قرار السلوك الخاص بطلاب الثانوية العامة والذي ألغاه وزير التعليم مؤخرا؟


الدكتور كمال: أنا هاجمت هذا القرار لأننى أظن أن المدرسة ليست مؤسسة عقابية ولكنها مؤسسة يذهب إليها الطلبة لكى يتعلموا ويمارسوا هواياتهم ومهاراتهم ويتنافسون تنافسا حرا وشريفا ويقضون وقتا من الناحية الاجتماعية والتربوية والعلمية ممتع، وبالتالى يقبلون على الحضور والأصل فى المدرسة كان كذلك، وكانت هذه الدرجات موجودة فى شهادتنا ونحن صغار فى المرحلة الابتدائية والإعدادية، ولكن كان غير معمول بها لأن النظام كان يجبرنا على الذهاب للمدرسة لأننا كنا نعشقها، والذين كانوا لا يحضرون هم أولاد البسطاء الذين كانوا متسربين فى الأساس.


وأنا لست ضد هذه الدرجات من الناحية المبدأية، ولكن على أن تأتى هذه الدرجات فى آخر منظومة من إصلاح التعليم ويتم استرجاع الأنشطة ونظام التدريس والمدرس المحترم، وإذا كان الأصل فى العلاقة بين الأب وأولاده العطاء والحب والعطف والالتزام والحرية.. إلخ لكن لا يمنع من القليل من العقاب فى الآخر، ولا مانع من عقاب من يتكرر غيابه ولكن أن تحول العلاقة إلى علاقة عقابية، فهذا أمر مرفوض.


المصور: أنشأنا وزارة دولة للتعليم الفنى وبعد عدة أشهر حولنا هذه الوزارة إلى حقيبة، وأصبحت وزارة تعليم فنى، وبعذ ذلك تم إلغاؤها والحديث الآن أن يكون هناك نائب وزير للتعليم الفنى، كيف ترى هذا الأمر؟


الدكتور كمال :


هذه “دولة اشتغالات” ويبدو أن أحدهم نصح رئيس الوزراء أنه لكى تظهر أنك مهتم بالتعليم الفنى أن يخصص لها وزارة، وأنا دعوت إلى إنشاء وزارة تعليم فنى، لكن اتضح أنها “اشتغالة” لأنه من الواضح أنه لا نية للفصل أو لوجود ميزانية للتعليم الفنى.


الدكتورة نادية: أكبر كذبة عشنا فيها هى كذبة اسمها التعليم الفنى لأن يجب أن يتلقى الجميع تعليما مماثلا وحين تتوفر الوظيفة المتاحة يتم التدريب عليها لأن الدخول فى “مفرمة” للتخرج والعمل فى وظيفة محددة أصبح غير قائم فى أى دولة فى العالم، ولكن يجب أن يتعلم الطالب بشكل جيد جدا بالنظريات الأساسية الضرورية اللازمة، وبعد ذلك يتدرب على الوظيفة المتاحة، لكن التعليم الفنى اكذوبة.


الدكتور سامى نصار: أتفق مع الدكتور كمال ( كمال مغيث) أن وزارة التعليم الفنى ما هى الا “اشتغالة سياسية” ولكن هناك قضية أخرى مهمة جدا وهى أنه ليس هناك حل لتطوير التعليم الفنى إلا بدمجه فى التعليم العام بمعنى أن يكون التعليم الفنى هو جزء من نظام التعليم الثانوى، ويكون هناك تخصص بعد ذلك ومسار عملى.


المصور: في فترة الستينيات والسبعينيات كان التعليم الفني جيدا، ماذ حدث؟


كان ذلك موجود بالفعل فى عصر الصناعة. وهنا أريد أن أوضح أن التعليم الفنى الآن ينظر إليه على أنه تعليم الفقراء، وأن الذى يذهب إليه هو الطالب الذى لم يحصل على مجموع كبير أو الطالب الفقير. وبالتالى أصبح هناك نوع من التمييز والطبقية تنتج عن هذا النوع من التعليم، يجب أن يدرس الجميع نفس المناهج والمقررات على الأقل العام الأول والثانى من التعليم الثانوى العام، والفني لخلق ثقافة مشتركة. واعترف أنه في مدارس التعليم الفني يوجد مدربون وطلاب لا يعرفون القراءة والكتابة، وغير قادرون على التعامل مع الفنيات في مدارسهم، طلاب قسم التبريد لا يعرفون تركيب موتور ثلاجة إيديال ٨ قدم وكل ذلك لأن الدولة أهملت التعليم الفني الذي نما عندما كان لدينا مشروع قومي يستوعب خريجي هذه المدارس مثل السد العالي ومصانع الحديد والصلب ومصانع الغزل والنسيج وغيرها، بينما الآن لا وجود لذلك، ونحن نريد الطالب أن يكون مثقفا وإذا اختار مهنة محددة يتلقى تعليما مثله مثل الآخرين يتعلم اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم والتاريخ لكى يكون مواطنا مثقفا وواعيا، بينما الآن خريجون هذه المدارس لا يعلمون أى شيء فى الحياة، وأريد التأكيد أنه إذا تم عمل وزارة للتعليم الفنى فستكون وزارة الفقراء ونرسخ بذلك لقواعد الطبقية والعنصرية فى المجتمع مما يؤدى إلى تفتيته.


المصور: بالنسبة لمجانية التعليم، الدكتورة هدى عبد الناصر كتبت مقالا فى الأهرام بعنوان “فلسفة مجانية التعليم فى مصر” ذكرت فيه أن الذين استفادوا من المجانية هم من يطالبون بإلغائها الآن، ما رأيكم؟.
الدكتور عبد الحى: رأيى الشخصى وأنا تلقيت تعليما مجانيا أننى مع مجانية التعليم قلبا وقالبا.


الدكتورة نادية: “المجانية ليست فضل ولكنها حق والدولة التى لا تتيح التعليم لأبنائها بالمجان يجب أن لا تستمر بها الحكومة لحظة واحدة. المجانية ليست فكرة عبد الناصر، والقول أنها عطاء من عبد الناصر أمر خاطيء، وإنما هى فكرة مصرية أصيلة وفكرة إسلامية أصيلة. فعلى مر العصور ، كان التعليم فى المساجد بالمجان ولا وجود لمصطلح (ادفع لكى تتعلم).


الدكتور كمال موريس: نحن لن نعيد اختراع العجلة، لدينا تجارب تعليمية وتربوية تستوجب أن يشعر الطلاب بالمساواة، وأتذكر طالبا كان يقول أنه ابن أسرة غنية جدا، وحين كان يذهب للمدرسة يأخذ معه ساندوتشات كافيار أو كبدة وبسطرمة وزملائه كانوا يأخذون ساندوتشات فول، وما إن وصل الأمر لمدير المدرسة وقفة هذا المدير في الطابور ليعلن للطلاب أن الساندوتشات المسموح بدخولها المدرسة هى الفول والطعمية والجبنة البيضاء فقط، ومن يدخل بساندوتشات خلاف ذلك ستلقى في القمامة، تحقيقا لمبدأ التكافؤ.. هذا إرث عظيم، لم يعد له وجود.



آخر الأخبار