الأزمة الروسية ـ التركية اختبار جدى لمتانة العلاقات بين البلدين

02/12/2015 - 10:12:57

بقلم - د. نبيل رشوان متخصص فى الشئون الروسية

ربما لم تتوقع روسيا أن تقدم تركيا على إسقاط طائرتها السوخوى ٢٤، فى وقت بدأت فيه روسيا تحقق نجاحا ملحوظا فى حربها على الجماعات الإرهابية فى سوريا، فقد سبق للطيران الروسى أن اخترق، فى إطار حربه على الجماعات الإرهابية فى سوريا، المجال الجوى التركى، واستطاعت روسيا وتركيا احتواء الأزمة من خلال اتصالات البلدين وتبادل زيارات الوفود العسكرية واتفق الجانبان على التنسيق ونفس الشئ قامت به روسيا مع التحالف الدولى الذى تتزعمه الولايات المتحدة، الذى تعتبر تركيا جزءا منه.


وفى نفس الوقت لم تتوقع تركيا الرد الروسى العنيف على فعلتها، خاصة وأن إنقاذ ملاح الطائرة الروسية الذى بقى على قيد الحياة تطلب عملية عسكرية كاملة، فى الوقت الذى بقيت فيه جثة قائد الطائرة مجهولة المكان . كانت روسيا تتوقع من الجانب التركى تعويضا واعتذارا، خاصة وأن الطائرة أسقطت بفعل كمين جوى نصب لها كما يقول الجانب الروسى، ولم تستخدم تركيا الوسائل المتبعة فى مثل هذه الحالات من التحذير الضوئى أو الصوتى أو غير ذلك، كما أن الطائرة ضربت وهى عائدة من مهمة عسكرية وكانت قد أفرغت حمولتها.


كان الرد الروسى عنيفاً مع تركيا لأن تركيا كما قال الرئيس الروسى وجهت طعنة فى الظهر لروسيا، وتفسير هذه الكلمة يحتاج للكثير، وسنكتفى بالجانب الاقتصادى فقط وما تستفيده تركيا من علاقتها بروسيا. تركيا دخلت الاتحاد الجمركى الذى يضم بيلوروسيا وروسيا وكازاخستان وأرمينيا وفتحت لها الأسواق فى كل هذه الدول، حجم التبادل التجارى بين روسيا وتركيا بلغ فى العام الماضى ٣١ مليار دولار، ٤٪ من الخضراوات والفواكه الموجودة فى الأسواق الروسية هى إنتاج تركى ، هذا بخلاف أن تركيا تستورد ٥٠ مليار متر مكعب غازا من روسيا، كما أن روسيا كانت عازمة على إنشاء خط أنابيب غاز “تركى ستريم”، وكان سيجعل لتركيا مكانة كبيرة فى أوربا من خلال وجودها كوسيط لبيع الغاز الروسى، نحن لا نتحدث عن محطة نووية ضخمة هى الأولى على الأراضى التركية وقد شرعت روسيا فى بنائها بالفعل، وربما كما أعلن بعض المسئولين سوف يتوقف العمل بها. كما قال الرئيس بوتين كنا نعتبر تركيا دولة صديقة، لكن على ما يبدو لم يقدر الأتراك المواقف الروسية حيث يعمل أكثر من ٩٠ ألف تركى فى روسيا وإذا حسبنا أسر هؤلاء الاتراك يعنى نتحدث عن ٢٠٠ ألف مواطن تركى، وإذا تحدثنا عن الشركات التركية العاملة فى مجال البناء وخلافه والملابس نجد أن عددها تجاوز ١٣٠٠ شركة، روسيا فى تقديرى لن تكتفى بالإجراءات الاقتصادية، وأتوقع دعما روسيا عسكريا للأكراد وللأرمن الذين لهم ثأر قديم مع تركيا منذ مذابح الأرمن التى راح ضحيتها مئات الآلاف، كما أوقفت روسيا التنسيق والاتصالات فى المجال العسكرى.


كان الجميع يتوقع أن تقوم روسيا بضربة عسكرية موجعة، لكن الرئيس بوتين تصرف كرجل دولة وتحلى بالحكمة رغم غضبه الشديد، وتجنب أى مواجهات عسكرية، حتى ولو على الأقل إسقاط طائرة تركية، وفضل الضربات الاقتصادية الموجعة، وكان أول قرار وقف الرحلات السياحية إلى تركيا وهذا على الأقل خسارة ٣,٥ مليار دولار سنويا، فالسياحة الروسية تحتل المركز الثانى بعد الألمانية فى تركيا، أوقف استيراد جميع السلع التركية وهى بما لا يقل عن ٧ مليارات سنوياً أوقف رحلات الشارتر لتركيا، فرض تأشيرات دخول على المواطنين الأتراك سينفذ القرار مع حلول يناير القادم، والأهم على الجانب السياسى المعنوى والإنسانى هو رفض الرئيس بوتين الرد على مكالمات الرئيس التركى أردوغان بل واحتمال رفض لقائه أثناء حضور قمة الأرض التى ستعقد خلال الأيام القادمة فى باريس. لكن قبل كل ذلك دعم الرئيس بوتين من دفاعاته بالمفهوم العسكرى فى سوريا، فقد كانت روسيا تستحى من فعل هذا على اعتبار أن الجيش السورى هو من يملك طائرات وهو حليف وتركيا دولة (صديقة)، إلا أن الطعنة والخيانة التركية جعلت الرئيس بوتين ينشر أحدث ما عنده من وسائل دفاع جوى صواريخ إس ـ ٤٠٠ وكل قاذفة عين لها طائرتين مقاتلتين لحمايتها، وكما يقول المراقبون بعد ذلك اختفت الطائرات التركية من على الحدود التركية ـ السورية، كما أن طائرات التحالف الدولى توقفت عن الطلعات الجوية، وانفرد الدب الروسى بالساحة.


فعلاً إنها طعنة فى الظهر، لن يسامح فيها الدب الروسى لفترة. فمنذ دخول روسيا عسكرياً إلى سوريا لمكافحة الإرهاب، بدأت تركيا تشعر بعدم الارتياح فقد كان أردوغان يطمح فى إسقاط نظام بشار الأسد ويأتى بالمنظمات الإرهابية لحكم سوريا، وحينها سيسيطر على سوريا ويضع أول لبنة فى دولة الخلافة، كما أنه كان يطمع فى إنشاء منطقة عازلة بطول الحدود السورية ـ التركية ، تهيئ له ظروفا مناسبة لمواجهة الأكراد المسلحين فى شمال سوريا والذين من الممكن أن يكونوا ظهيرا قويا لحزب العمال الكردستانى الذى يقاتل الجيش التركى منذ عشرات السنين، وتمنع خطرهم مستقبلاً بعد أن تلقوا دعماً عسكرياً فى مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، مما يجعل منهم رصيدا واحتياطيا لحزب العمال الكردستانى الذى يسعى للانفصال عن تركيا أو على الأقل تحويلها لفيدرالية، تركيا لم تتقبل بسهولة استرجاع الدب الروسى لشبه جزيرة القرم فى عملية خاطفة منذ عامين تقريباً وهى التى كان لديها الطموح، للعب دور مهم فى ضم أوكرانيا للناتو اعتماداً على تتار القرم ذوى الأصول التركية والذين كانت تركيا تلعب على دغدغة حواسهم الدينية، والظلم الذى تعرضوا له أثناء الحرب العالمية الثانية وتعرضهم للتهجير القسرى والتشريد.


تركيا كانت تطمح لأن تكون اللاعب الأساسى فى سوريا، إلا أن دخول روسيا على الخط خلط الأوراق خاصة بعد تمركز المقاتلين الروس القادمين من القوقاز فى المنطقة الشمالية لسوريا وخاصة فى المنطقة التى أسقطت فيها الطائرة الروسية وربما هذا ما جعل روسيا تركز فى هذه المنطقة للقضاء عليهم كما قال الرئيس بوتين ووقف الدعم التركى عنهم، خاصة وأن مقاتلين من المجموعة القومية التركية المسماة “بالذئاب الرمادية” وهى مجموعة قومية مسلحة تدعمها المخابرات التركية، هى التى قتلت قائد الطائرة الروسية أثناء هبوطه بالمظلة وأطلقت قذيفة على الطائرة المروحية التى ذهبت للإنقاذ.


فى محاولة من تركيا لتهدئة الغضب الروسى قامت تركيا اليوم الأحد ٢٩ / ١١ بإرسال جثة قائد الطائرة الروسية التى أسقطت إلى موسكو اليوم على متن طائرة نقل عسكرية، لكن الرأى العام الروسى ربما لم يغضب كما غضب لإسقاط الطائرة العسكرية، وبدأ الرأى العام الروسى والقيادة الروسية يتحدثون عن العداء التاريخى بين روسيا وتركيا منذ القرن السابع عشر، وتحدث الروس عن أن نظام أردوغان صار يجنح بشدة نحو الأسلمة، ويبتعد عن العلمانية التى كانت تقرب تركيا من الاتحاد الأوربى والقيم الأوربية، وإن كان الروس لم ينسوا موقف تركيا إبان الحرب الشيشانية واستضافة تركيا للمقاتلين الشيشان ودعمهم، وكانت فى ذلك الوقت دولة يحكمها علمانيون، فما بالك الآن حيث يحكمها نظام محسوب على الإرهابيين، وما موقف هذه الدولة فى حالة عودة مقاتلين من سوريا وبدء حرب جديدة معادية لروسيا.


من الأشياء التى ربما جعلت تركيا تقوم بفعلتها بإسقاط الطائرة هى مجموعات الضغط حول الرئيس أردوغان، والتى اغتنت من تجارة النفط السورى والعراقى الذى يصدر لتركيا عن طريق تنظيم داعش الإرهابى ويشتريه بعض المقربين من نظام العدالة والتنمية، ويباع لهم بثمن بخس. وكان قيام روسيا بضرب القوافل المحملة بالنفط فى الغارات الأخيرة جعل النظام التركى يفقد أعصابه، لخسارته مصدر طاقة رخيصا يأتيه من داعش وفى نفس الوقت فيه دعم لحلفائه الإرهابيين فى سوريا.


والأهم أن حلف الناتو لم يعد موحداً، بسبب لجوء فرنسا بعد الهجمة الشرسة التى تعرضت لها من قبل الإرهابيين إلى روسيا حيث استقبلها الرئيس الروسى بوتين بحضن دافئ عندما قال لقواته البحرية العاملة فى البحر المتوسط «ستأتى إليكم حاملة الطائرات شارل ديجول اتصلوا بها ونسقوا معها» وهاهو التنسيق مع قطب كبير فى حلف الناتو، أى أن تركيا حتى الناتو لم يعد يرغب كثيراً فى دولة عضو ستجلب له المتاعب ومع دولة الحرب معها فيه دمار للعالم. الولايات المتحدة كذلك طلبت من تركيا إغلاق الحدود مع سوريا لمنع تسرب الأسلحة والأفراد إلى داعش، حتى لا يتسبب ذلك فى صدام جديد مع الدب الروسى قد يؤدى لما لا تحمد عقباه.


روسيا تدرجت فى العقوبات الاقتصادية على تركيا، بهدف ممارسة أكبر قدر من الضغوط، مما سيعرضها لخسائر كبيرة سيكون لها تاثير كبير بلا شك على الاقتصاد التركى مع بداية عام ٢٠١٦ ، وحتى قيام أردوعان بزيارات لبعض الدول العربية فى الخليج لتعويض بلاده عن العقوبات الاقتصادية التى فرضتها روسيا على بلاده لن ينقذ الاقتصاد التركى، ذلك لأن دول الخليج ليس لديها الكثير لتقدمه وبعضها لديه عجز فى الموازنة لأول مرة بسبب انخفاض أسعار النفط.


فى نفس الوقت بدأت بعض الأصوات فى روسيا تطالب بعدم المبالغة فى فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، لأنها فى النهاية قد تطال الاقتصاد الروسى أيضاً، روسيا التى تعتمد على تصدير النفط والغاز بدرجة كبيرة اقتصادها منهك بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية، وهى لا تستطيع تحمل ترف قطع الغاز مثلا عن تركيا، لأنها تعلم أن هناك توجها عاما فى أوربا للاستغناء عن الغاز الروسى وروسيا لديها فائض فى إنتاج الغاز، كما أن روسيا تحاول فك معادلة الاعتماد على تصدير المواد الخام على حساب صناعات ثقيلة مثل المحطات النووية، وهو ما تقوم به فى تركيا الآن وهى ليست على استعداد للتخلى عن هذا، مشروعات الغاز القادمة وتوكيل تركيا فى تصدير الغاز الروسى عبر أراضيها لقطع الطريق على الغاز الإيرانى القادم بعد رفع العقوبات والذى من الممكن أن يؤدى إلى تدهور العلاقات بين حلفاء الأزمة السورية، موسكو وطهران. كل هذه العوامل كفيلة بألا تتمادى روسيا فى فرض عقوبات تجعل الأمور تخرج عن السيطرة. كما أن العلاقات الثقافية بين أنقرة وموسكو كانت من الأهمية بمكان، بحيث كانت تعتمد عليها موسكو فى ترويض المسلمين الروس وإبعادهم عن التطرف.


من المتوقع أثناء قمة الأرض فى باريس أن يحدث لقاء بين الرئيس الروسى بوتين والتركى أردوغان، ربما يلعب دور الوساطة فيه الرئيس الفرنسى أولاند حليف روسيا الجديد، وقد لا تعود العلاقات مع تركيا لسابق عهدها، لكنها على أى حال ستعود، وسيكون هناك حرص من الجانب التركى على عدم تكرار نفس الخطأ، وستنتهى بذلك أكبر أزمة شهدتها العلاقات بين تركيا وروسيا، وقد تحدث بعض الخبراء الروس عن أن أنقرة هى الدولة الوحيدة فى الناتو التى لم تفرض عقوبات على روسيا عقب الأزمة الأوكرانية، رغم أن فرنسا حليف روسيا الجديد من حلف الناتو، خضعت للعقوبات التى فرضت على روسيا ولم تسلمها حاملتى طائرات مروحية كانت فرنسا تبنيهما بطلب من روسيا.. السياسة لا تتوقف عند أزمة، ومصالح الشعوب والدول هى الأبقى، ولا توجد أزمة تستمر للأبد، خاصة إذا عرفنا بأن الاقتصاد الروسى يعانى كثيراً بسبب العقوبات وانخفاض أسعار النفط، وانخراطه فى الحرب على الإرهاب، والاقتصاد التركى أيضاً متدهور منذ فترة ولا يستطيع تحمل العقوبات الروسية لفترة طويلة، وعلى تركيا إذا أرادت التعايش مع الدب الروسى أن تنسى طموحاتها فيما وراء القوقاز وفى جمهوريات وسط آسيا، لأن روسيا فى المرحلة الحالية ليست على استعداد لأى خسارة فى مناطق نفوذها.


أود أن أطرح سؤالا للمسئولين المصريين هل نستطيع ملء الفراغ التركى، الذى حتى لو عادت العلاقات فلن تكون كما كانت فى السابق، أم سنقف متفرجين؟! الفرصة سانحة والسوق الروسى متسع للكثير من السلع خاصة وأن نمط إنتاجنا يشبه التركى وما كانت تصدره تركيا يمكن أن تصدره مصر، وعلينا التعجيل بالانضمام للاتحاد الجمركى. أمامنا فرصة كبيرة.