موسكو وأنقرة ميراث إمبراطورى من الحروب والصراعات وتحديات معاصرة من السباق والتنافس الإقليمى

02/12/2015 - 10:09:47

  منظومة صواريخ اس ٤٠٠ الأقوى فى العالم تصل سوريا منظومة صواريخ اس ٤٠٠ الأقوى فى العالم تصل سوريا

بقلم - سفير د. رضا شحاتة مساعد وزير الخارجية للشئون الأمريكية والسفير الأسبق فى موسكو

لقرون عديدة، طغت على العلاقات الروسية التركية سنوات من الصدام العسكرى والسياسى والدبلوماسى التى لم تتمخض فقط عن الأطماع التوسعية لسلاطين الدولة العثمانية، بل تعود فى نفس الوقت إلى المساعى التى لم تتوقف للإمبراطورية الروسية القيصرية لضمان أمن طرقها التجارية عبر مضايق البوسفورد والدردنيل (مضايق البحر الأسود) التى كانت تمثل ضرورة حيوية لعلاقات روسيا مع دول البحر المتوسط وجنوب أوربا والمياة الدافئة عموماً.


وفى نهاية القرن التاسع عشر، وفى ظل ظروف استراتيجية بلغت خلالها الإمبراطورية العثمانية أدنى مراتب الضعف والعجز، حتى إن أوربا لم تعد ترى فيها إلا رجلاً مريضاً، كما وصفت فى كتب التاريخ، حانت لحظة وفاته.


ولم يكن سقوط الإمبراطورية العثمانية إلا مسألة وقت فحسب تحقق بعد الحرب العالمية الأولى التى تحالفت فيها مع ألمانيا الخاسر الأكبر فى هذه الحرب، وبرغم ذلك لم تكن أطماع السلاطين قد تبدلت أو تراجعت، لم يكن «السلطان المريض» يرى نفسه إلا قائداً للمسلمين فى العالم متغافلاً عن روسيا القيصرية التى تضم على أراضيها الملايين من المسلمين المنتمين لفروع من الثقافة التركية فى القوقاز وآسيا الوسطى.


ـ ظلت هذه السمات الطاغية على العلاقات الروسية التركية، كما كانت منذ قرون إلى اليوم تنعكس فى كافة الجوانب الجيوبولتيكية، والاقتصادية والسياسية، بل والأيديولوجية، بل إنه فى المستجدات الإقليمية فى أعتاب ربيعنا العربى «أو فجرنا الكاذب»، ظل الصراع والسباق على النفوذ والتأثير فى تشكيل النظام الإقليمى فى الشرق الأوسط.


وعموماً فمنذ إنشاء تركيا الحديثة، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، كانت تحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا (الاتحاد السوفيتى) والسؤال المطروح بعد الحادث المأساوى بإسقاط طائرة السوخوى ـ ٢٤ الروسية والمشحون بدلالات شتى، هل تظل ديناميكيات العلاقة بين دولة كبرى مثل روسيا، عادت للساحة الدولية تؤكد ذاتها وتدافع عن مصالحها وتدعم حلفاءها، وبين دولة تحاول بإصرار أن تكون اللاعب الإقليمى الأول فى الشرق الأوسط بل وتحاول اقتحام مناطق تسميها روسيا، الجوار القريب، مثل القوقاز وآسيا الوسطى وشرقى البحر المتوسط.


والظاهرة الجيوسياسية التى تفرض نفسها عند تحليل ديناميكية العلاقات بين الدولتين روسيا وتركيا هى أن تركيا ليست إلا الامتداد المحلى والإقليمى لحلف الناتو، وللمصالح الغربية، والنفوذ الأمريكى، وهو ما يؤثر بالضرورة وينعكس على علاقاتها مع روسيا وعلى مستقبل وآفاق هذه العلاقات فى ظل حرب باردة جديدة، وفى الوقت نفسه فتركيا تنظر إلى نفسها دائماً على أنها لاعب إقليمى لابد أن يؤخذ بكل الجدية والاعتبار لاسيما فى الأزمات والصراعات الجديدة مثل الحرب والأزمة فى سوريا والحرب فى العراق، ومن ثم تفتح كل احتمالات الصدام والمواجهة مع الأجندات والمصالح الروسية وتجد نفسها بالضرورة فى معسكر الخصوم والأعداء ضد روسيا ومسارح حركتها الاستراتيجية فى عدة مناطق، فى البلقان، والقوقاز، والبحرالأسود، والبحر المتوسط، وبالطبع فى الشرق الأوسط والعالم العربى.


ولا ينحصر الصراع والاحتكاك بين روسيا وتركيا على الشرق الأوسط تحديداً فى الوقت الحاضر بل يمتد إلى قلب آسيا الوسطى، وإلى دول القوقاز التى كانت فيما مضى قبل عام ١٩٩٢م جزءاً من الاتحاد السوفيتى، ثم يمتد الصراع إلى منطقة من أكثر مناطق العالم سخونة وقابلية للانفجار، شرقى المتوسط الذى تطل عليه سوريا ولبنان، وفلسطين المحتلة، وفوق مياهه جزيرة قبرص (التى احتلت تركيا جزءاً منها منذ عام ١٩٧٤م) . ثم اليونان، وكلاهما مرتبطتان رباطاً وثيقاً سواء بالاتحاد السوفيتى السابق، أو بروسيا اليوم بحكم العلاقات الكنسية والأرثوذكسية والخلفية الثقافية واللغة المتقاربة، فضلاً عن عضوية اليونان فى الناتو وخلافها التاريخى الموروث مع تركيا.


على أن هذه العلاقات الصراعية التنافسية ليست بالظاهرة الجديدة؛ حيث خاضت الدولتان حروباً لا حصر لها فيما بين القرنين السادس عشر والقرن العشرين، وإن كانت علاقات التعاون القائمة على شبكة من المصالح المتبادلة قد حلتّ محل ظاهرة العداء بين الإمبراطوريتين القيصرية والعثمانية، بعد الحرب العالمية الأولى، لكن بانضمام تركيا عام ١٩٥٢ إلى منظمة حلف الأطلنطى هبت على الدولتين رياح الحرب الباردة.


لكن انهيار الاتحاد السوفيتى ترك لتركيا باب التدخل السياسى فى مناطق القوقاز؛ حيث ساندت روسيا أرمينيا (الأرثوذكسية) فى حربها ضد «أذربيحان» (الإسلامية) حول إقليم «ناجورنو كارباخ» كذلك دعمت تركيا أذربيحان، بل ودعمت « جورجيا» فى حربها ضد روسيا عام ٢٠٠٨م، ذلك كله بالتوازى مع دعم لروسيا ـ فى المقابل ـ لإيران ضد المصالح التركية فيما أطلق عليه استراتيجياً « باللعبة الكبرى «الدائرة فى آسيا الوسطى (تشير إلى تاريخ الصراع والحروب بين الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الفارسية الصفوية فى القرن التاسع عشر).


لكن المفارقة رغم كل ذلك التى تستحق التوقف أن العلاقات الاقتصادية بين تركيا وروسيا ما بعد عام ١٩٩٢م، وخلال سنوات الألفية الثالثة (٢٠٠٠ ـ ٢٠١٥م) مع قليل من الاستثناءات ظلت مزدهرة رغم التوترات السياسية والسباق على اقتسام مناطق النفوذ. فروسيا لم تزل أهم شريك تجارى لتركيا بل وتجازوت شراكتها لألمانيا عام (٢٠٠٨)، ومعظم هذه التجارة التى تبلغ ٢٤ بليونا من جملة ٣٢ بليون دولار تتكون من صادرات الطاقة الروسية إلى تركيا، حتى أصبحت تركيا ثانى أكبر سوق تصديرى لموارد الطاقة الروسية .


وفى الاتجاه المعاكس تعتبر روسيا ثالث أكبر سوق تصديرى لتركيا، وكلاهما يسعى لزيادة حجم التجارة بينهما ليصل إلى مائة بليون هذا العام (٢٠١٥).


كذلك وفى نفس السياق، أصبحت تركيا المقصد الأول للسياح الروس (٣.٥ – ٤ ملايين سائح) من جملة ٣١ مليونا سائح يزورون تركيا سنوياً مع استثمارات ضخمة لشركات الأعمال الخاصة بين البلدين، والمعروف أنهما قد توصلا لاتفاق حول إنشاء طرق لنقل الطاقة عبر الأراضى التركية (مروراً بقاع البحر الأسود) واندلعت حرب السباق حول نقل مصادر الطاقة ومرورها عبر تركيا أم عبر جورجيا من بحر قزوين إلى أوربا (مع الالتفاف حول الأراضى الروسية).


لكن روسيا كانت أسرع فى المبادرة بالرد بإنشاء مشروع «التيار الأزرق» أو تيار الجنوب لنقل الغاز إلى أوربا الذى أصبح يعتمد اعتماداً شبه مطلق على مصادر الطاقة الروسية.


وعلى الصعيد السياسى الخارجى، حاولت تركيا انتهاج سبيل العالم وتعدد الأقطاب فى علاقاتها الخارجية، حتى إنها أصبحت (شريكاً فى الحوار) فى منظمة شنغهاى الآسيوية للأمن (وهى منظمة تعاون أمنى روسى صينى مع دول آسيا الوسطى، لتكون فى الحقيقة على مقربة من الحركة السياسة الروسية الآسيوية.


ـ ولكن الواقع يقول إنه لاشك أن جهود تركيا المتواصلة لاستعادة مكانتها التاريخية القديمة فى أقاليم ومناطق كانت يوماً ما خاضعة للإمبراطورية العثمانية (الشرق الأوسط مثلاً) أصبحت تمثل تحدياً سافراً للمصالح الاستراتيجية الروسية حتى هبطت على الشرق الأوسط أحداث ما عرفنا باسم الربيع العربى لتضع المصالح الروسية والتركية فى مفترق الطرق نحو الصدام والصراع.


قصارى القول إنه ثمة ثلاث دوائر أو مسارح رئيسية للصراع بين تركيا وروسيا أولها: المسرح المتمثل فى الجزء الجنوبى من الاتحاد السوفيتى السابق، وهو غنى بموارد الطاقة(بحر قزوين)، فضلاً عن القيمة الاستراتيجية العظمى من حيث إنه يمثل الجزء الجنوبى من روسيا وهو حلقة الوصل بين روسيا والشرق الأوسط والعالم العربى، لكنه فى الواقع هو الجزء المكشوف والرخو فى الأمن القومى الروسى.


والشرق الأوسط كما نرى اليوم قد تحول إلى مسرح للمواجهة والصدام غير المباشر بل وأحياناً الصدام المباشر بين روسيا، ومصالح الغرب، وظاهرة «الإسلام المتطرف» الذى تستشعر روسيا بتهديداته للسلامة الإقليمية للأراضى الروسية ذاتها، وإن كانت روسيا فى قراءتنا لسلوكها الخارجى اليوم تستشعر فى قرارة نفسها أن التحدى الحقيقى لأمنها القومى يأتى من المصالح الغربية، وفى هذا السياق تبذل روسيا قصارى جهدها لتشديد قبضتها على عدد من الدول، التى كانت يوماً تدور فى فلكها (أوكرانيا) للحيلولة دون انضمامها للناتو، فكانت حرب عام ٢٠٠٨ مثلا ضد جورجيا جزءاً من هذه الاستراتيجية باللجوء لاستخدام القوة.


ويلاحظ المراقب أن تركيا فى السنوات الأخيرة تسعى للاطلاع بدور إقليمى ريادى فى منطقة تعتبر تنتمى لفضاء (الجوار القريب) لروسيا وذلك بحكم صلات تركيا الثقافية والعرقية والدينية مع شعوب تلك المنطقة (فى القوقاز ـ الشيشان ـ داغستان ـ بدعم مباشر وغير مباشر لحركة الانفصاليين الشيشان فى التسعينات، والجمعيات الإسلامية والصوفية فى داغستان).


وقد تفاقم هذا الدور التركى مع ضعف الدولة الروسية قبل عصر بوتين الذى جاء لإحياء (التيار القومى) الروسى والدفاع عن روسيا ومناطق نفوذها الحيوية السابقة وتوسيع فضاءاتها.


والتصدى لمحاولات تركيا اختراقها من جديد لمكان الصدام بين تركيا وروسيا حتمياً فى إقليم القوقاز (حرب أذربيجان وأرمينيا) حرب جورجيا، فتحالفت روسيا مع أرمينيا ومع إيران وأجرت المناورات العسكرية فى القوقاز والبحر الأسود.


الدائرة الثانية أو المسرح الثانى للصراع هو بالضرورة الشرق الأوسط بعد أن تحولت السياسة التركية فى عهد أردوغان لتركز بقوة على هذا المحور، تعويضاً عن إخفاق محاولاتها فى الانضمام ولو تدريجيا للاتحاد الأوربى.


وفى السنوات السابقة على الانتفاضات العربية كانت روسيا قد طورت علاقاتها مع عدد من الدول المناهضة لسياسة الغرب وفى صدارتها إيران وسوريا والدفاع عن مصالحها الأمنية والاقتصادية، لكن ظاهرة الإسلام السياسى الذى اتسم بالعنف والتطرف الذى يهدد بالانتشار إلى روسيا، انعكس على الموازين الإقليمية بين تركيا وروسيا بعد أن انحازت تركيا بوضوح إلى تيار الإسلام السياسى (بحكم علاقاتها الحزبية والتنظيمية مع التنظيم العالمى للإخوان المسلمين).


انطلقت ظاهرة التنافس المحموم لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط والهيمنة على مقدرات المنطقة، وترجمت روسيا هذه المعادلة الجديدة بالمزيد من الدعم لنظام الأسد، وللنظام الإيرانى ورفض التدخلات الأجنبية (الغربية) لتغيير نظم الحكم، لكن تركيا اختارت تحدى السياسة الروسية فى الاتجاهين خاصة الاتجاه السورى ( لتركيا ثانى أكبر الجيوش فى حلف الناتو) بل والاستعداد للتدخل العسكرى المباشر فى سوريا، ومن ثم اقتبست سياسة تركيا الخارجية الحالية صفحات بالية من قاموس الإمبراطورية العثمانية الزائلة، ولعل هذا هو التفسير التاريخى لتجدد قرونا من الصراع والمواجهة والترصد بين الدولتين حتى اليوم.


وبرغم فترات محدودة من سنوات توافق المصالح الاقتصادية والتجارية، فقد بدأ منحنى التدهور منذ أكتوبر عام ٢٠١٢ بإرغام طائرة سورية مدنية قادمة من موسكو للهبوط وهى تقل ركاباً سوريين وروس بدعوى حمولتها لأسلحة وذخائر محظورة، ثم تفاعلت وتداعت الصراعات السياسية والعسكرية بين روسيا وتركيا حول الأزمة السورية حتى بلغت ذروتها فى مأساة إسقاط الطائرة الروسية سوخوى ٢٤ منذ أيام قليلة وما لها من تداعيات لم تزل تتكشف بخطط وعقوبات روسية مؤلمة للاقتصاد التركى.


أما المسرح الثالث أو الدائرة الثالثة للصراع فهو حوض شرقى المتوسط حيث المدخل البحرى لتركيا نحو دول المشرق العربى ثم لرصد سياسات قبرص واليونان العدوين اللدودين لتركيا ومراقبة الأسطول الروسى من قاعدته فى طرطوس السورية، وطمعاً فى اكتشافات الغاز الهائلة فى حوض شرقى المتوسط وتحديد حدوده البحرية.


الخيارات الروسية الاستراتيجية الآن باتت شبه واضحة بانحيازها الواضح لنظم الحكم الجديدة فى مصر بعد ثورة ٣٠/٦/٢٠١٣ إحدى أهم دول حوض شرقى المتوسط والشرق الأوسط، والنظام السورى وحكم الأسد، والتصدى لمحاولات تغيير النظام بالقوة وانحيازها لدولتى قبرص واليونان، والوقوف بجانب النظام الإيرانى، ولعل معظم هذه الخيارات الاستراتيجية تنطلق من استراتيجية مواجهة الأطماع التركية أو بالأحرى التدخلات التركية لفرض هيمنتها ودورها الإقليمى بدعم من الناتو والولايات المتحدة.


إن العصر الذهبى إذا شئنا التبسيط فى التعبير الذى تلاقت فيه المصالح الاقتصادية بين روسيا وتركيا قد بدأ ينحسر حتى إشعار آخر، بل وقد أطلت ـ من جديد ـ المشكلة الكردية، الصراع المزمن للسياسة التركية تطل برأسها لتضاعف مساحة التناقض بين السياسة الروسية ـ المتعاطفة مع الأكراد، وبين تركيا التى تخوض منذ عشرات السنين حرباً ضد أى دعاوى لانفصال الأكراد عن تركيا.