بين استفزازات إردوغان وغضب بوتين سيناريوهات واحتمالات الصدام

02/12/2015 - 10:07:09

بقلم - السيد عبد الفتاح رئيس مركز القاهرة للدراسات

منذ أن أسقطت تركيا الطائرة الحربية الروسية «سوخوي ٢٤» قبل أكثر من أسبوع ، ولايزال العالم يحبس أنفاسه انتظاراً للرد الروسي على هذه الصفعة التي أصابت كبرياء روسيا ، وبعيداً عن مناقشة مسألة هل إسقاط الطائرة العسكرية الروسية تم فوق الأراضي التركية أم السورية ؟ فإن المحصلة واحدة وهي أن الحادثة خطيرة وخطيرة للغاية فلأول مرة منذ أكثر من ٦٠ عاماً هي عمر حلف ناتو يتم إسقاط طائرة عسكرية روسية ، فطوال هذه العقود لم تجرؤ أي دولة في الحلف على هذه الخطوة الخطيرة ، إلا أن تركيا أردوغان فعلتها قبل أيام وفي وقت لم تكن الأحوال تحتاج إلى تسخين فهي ساخنة وملتهبة بفعل تعقيد المشهد السياسي والعسكري وتصاعد حدة العمليات الإرهابية التي تجاوزت الحدود الجغرافية لمنطقة الشرق الأوسط وذهبت بعيداً لتضرب العمق الأوربي في باريس ، وتهدد مختلف العواصم الأوربية.


إن التصريحات الرسمية والإعلامية المتبادلة بين طرفي الأزمة روسيا وتركيا ، التي أعقبت إسقاط الطائرة ، قد تعطي مؤشرات حول ما سوف يجري الأيام المقبلة سواء بين الطرفين المباشرين للأزمة أو الأطراف غير المباشرة ، أو تلك الأطراف التي إما استفادت وتستفيد من الأزمة ، أو التي كُتب عليها أن تتحمل نفقات الأزمة وتتحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الضربات بين طرفي الأزمة . إلا أنه لا يمكن التعويل تماماً على تلك التصريحات التي تميزت بأنها نارية ، في توقع سيناريوهات محددة لمستقبل الأزمة أو تداعياتها الخطيرة على المنطقة والعالم قبل أن تكون على طرفي الأزمة روسيا وتركيا ، وذلك لأن هذه التصريحات جاءت في أغلبها طبيعية ومنطقية لأنها أعقبت مباشرة إسقاط الطائرة ، أي أنها جاءت ومازالت الأطراف كلها تحت وقع الصدمة والمفاجأة ، وبالتالي غلبت عليها الانفعالية والتشدد وكذلك الرغبة الشديدة في تهدئة مواطني الدولتين وحفظ ماء الوجه وعدم الظهور بمظهر الضعيف والحفاظ على الهيبة والكبرياء، علاوة على توجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة للأطراف الأخرى ، لكنها وبصفتها الانفعالية لم تخضع للتعمق والدراسة المتأنية لتقدير المواقف المختلفة والتداعيات المتبادلة للأزمة وتوصيفها توصيفاً دقيقاً وشاملاً. لذا فإنه مع الوقت فإن نبرة التصريحات النارية ستخبو وتحل محلها لغة العقل والهدوء والحرص على التهدئة ـ ظاهرياً على الأقل ـ في محاولة للتغطية والتعمية على المواقف الحقيقية سعياً لتحقيق مزيد من التضليل للطرف الآخر .


بعيداً عن البحث في حقيقة انتهاك الطائرة الحربية الروسية للأجواء التركية أم لا ؟ وهل تم تحذيرها أكثر من مرة أو لم يحدث ذلك ؟ وهل تم إسقاطها في الأراضي السورية أم التركية ؟ فإن الثابت الوحيد هو أن طائرات «إف ١٦» التركية قد أسقطت «سوخوي ٢٤» الروسية ، فهل كان إسقاط الطائرة الروسية ضرورياً أم لا ؟ وما هي الرسائل التي حملتها عملية إسقاط الطائرة سواء من جانب تركيا أو من ورائها وبالأخص الولايات المتحدة ؟


وفي هذا المجال لابد من الإشارة إلى أن اختراق الطيران العسكري الروسي للأجواء التركية عقب العملية العسكرية التي أعلنتها موسكو ضد التنظيمات الإرهابية في سوريا ، تكرر أكثر من مرة ولمدد أطول من الـ١٧ ثانية التي قيل إن الطائرة الضحية استغرقتها في الأجواء التركية . وبالتالي فهذه ليست المرة الأولى . كما أنه ومن جانب آخر فإن تركيا سبق وأن اعترضت ورفضت الاختراق الروسي لأجوائها ، واستدعت السفير الروسي في أنقرة لإبلاغه اعتراضها ورفضها الشديد ، كما أبلغت رئاسة الأركان التركية نظيرتها الروسية بنفس الأمر ، وهكذا فعلت الحكومة والرئاسة التركية .


فما الذي تغير هذه المرة ؟ الذي حدث أن قرار إسقاط الطائرة كان قد سبق اتخاذه من جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، والذي اعتبر أن عملية إسقاط طائرة عسكرية روسية خلال عملياتها في سوريا بات أمراً ضرورياً رغم ما قد ينطوي عليه من خطورة شديدة ، وما قد يجره من تداعيات سلبية وربما كارثية على تركيا . كما أن الرئيس التركي أراد من هذا القرار المسبق أن يوجه عدة رسائل إلى روسيا وبوتين . ويمكن القول أن عدداً من المؤشرات كانت تشير إلى أن ثمة أمراً خطيراً يلوح في الأفق القريب بين تركيا وروسيا . فمنذ اللحظة الأولى للعملية الروسية في سوريا اتضح جلياً أن هذه العملية لا تأتي على هوى أردوغان ، فالرئيس الروسي بوتين قرر التدخل في سوريا لتحقيق أهداف تتعارض مع الأهداف التركية الغربية ، ليس هذا فحسب بل إنها تقلب الحسابات التركية الغربية رأساً على عقب ، فالرئيس بوتين ورغم أنه برر التدخل بحماية الأمن القومي الروسي ومحاربة الإرهاب ، إلا أنه هرع لإنقاذ حليفه الرئيس السوري بشار الأسد ، خاصة مع تدهور الأوضاع العسكرية لنظامه وقوات الجيش السوري الذي استنزف بشدة طوال السنوات الخمس في حرب طاحنة لم يعد قادراً على الاستمرار فيها . فجاء الدعم والمدد الروسي ليعيد إليه الحياة من جديد ، خاصة وأن هذا التدخل جاء في الصميم ووجه ضربات موجعة للتنظيمات الإرهابية وغيرها من الجماعات التي تحارب النظام السوري . وهو ما يتعارض مع التخطيط التركي الغربي لإسقاط الأسد ونظامه .


كما جاء التدخل الروسي ليحبط الحلم الأردوغاني بإقامة منطقة آمنة في الحدود مع سوريا ، كما أن التقارب الروسي مع الكرد في سوريا، وهم العدو الأكبر والأخطر لأردوغان يقلقه كثيراً خاصة مع الانتصارات التي حققها ويحققها الكرد على الأرض . ومع تركيز روسيا ضرباتها مؤخراً على الحدود السورية التركية وخاصة المناطق التي يقطنها التركمان وهو ما تعتبره تركيا خطاً أحمر ومساساً بالأخوة التركمان ، ازداد الغضب التركي ومعه التصميم على محاولة «لجم» اندفاع الدب الروسي الذي بات يهدد بالإطاحة بكل الخطط التركية الغربية .


وعلى هذا استقر الرأي التركي الغربي على مواجهة هذا الاندفاع الروسي ، وكان التوجه في البداية بأن تتم المواجهة بهدوء وبشكل غير مباشر وبعيداً عن الساحة السورية ، فكانت الضربة التي تعرضت لها الطائرة المدنية الروسية في شرم الشيخ ، لصفع كبرياء روسيا وتشتيتها ودفعها لوقفة تعيد بعدها حساباتها من جديد ، ومن بين الأهداف تعكير العلاقة مع مصر .


لكن روسيا لم تأبه بهذه الرسالة وواصلت عملياتها العسكرية بل وزادت من كثافتها وقوتها ، وهو ما وجد معه الطرف الآخر نفسه مضطراً إلى التصعيد ، لتأتي عملية إسقاط «سوخوي ٢٤» .


ويمكن القول إن الرسالة الأولى لهذه العملية ، هي الرد على الاتهامات التي وجهها بوتين ضمنيا لتركيا وبعض الدول الأخرى خلال كلمته في قمة العشرين التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة ، عندما قال إن هناك نحو ٤٠ دولة تدعم الإرهاب ومنها دول في هذه القاعة !!


والرسالة الثانية هي الضغط على روسيا لتخفيف اندفاعها العسكري وتدخلها في سوريا ، ولإجبارها على التركيز فقط على تلك التنظيمات التي لا تدعمها الولايات المتحدة والتي تطلق عليها «المعارضة المعتدلة».


والرسالة الثالثة هي الابتعاد عن تكثيف العمليات على الحدود السورية التركية ، وخاصة جبل التركمان الذي ترى فيه تركيا المدخل الطبيعي لتدخلها في سوريا، والمعبر إلى تحقيق حلمها بإنشاء المنطقة الآمنة.


والرسالة الرابعة هي تجنب روسيا التعاون مع الكرد وخاصة حزب الاتحاد الديمقراطي وقواته المقاتلة المعروفة باسم وحدات حماية الشعب والمرأة ، لأن تقدمهم يمثل خطراً على الأمن القومي التركي ، والمساعدات الروسية تسرع من إقامة القوس الكردي على الحدود التركية .


أما الرسالة الخامسة فهي أن الغرب لن يقف مكتوف الأيدي طويلا أمام التدخل الروسي في سوريا والمنطقة بما يفشل مخططاته ، وأن إسقاط الطائرة الروسية هو أحد الأمثلة البسيطة للرد الغربي . وأنه يمكنه استنزاف روسيا في حرب طويلة في سوريا تتكبد فيها خسائر ضخمة . ويمكن القول إن إسقاط «سوخوي» جاء كمحاولة لاستدراج روسيا وبوتين إلى هذا الفخ ، خاصة وأن تركيا عضو في حلف ناتو أي أنه ملزم بالدفاع عنها ، وهنا ستجد روسيا نفسها أمام خطر حرب شاملة هي في غنى عنها تحت أي ظرف ـ رغم أن احتمالات هذه الحرب بعيدة إلى حد كبير ـ وبالتالي تعيد روسيا تقدير حساباتها وتخفف من تدخلها .


في ظل هذه المعطيات فالمؤكد أن روسيا لايمكن أن تقف مكتوفة الأيدي دون أن تتحرك لرد الصفعة التي يأباها الكبرياء الروسي ، لكن موسكو وبوتين يدركان تماما أن الأمر لا يُحسم بالتصريحات النارية والتهديد والوعيد ، وأنه يستلزم هدوءا ودراسة متأنية لكل الأبعاد ، خاصة وأنه من الواضح للجميع أن هناك مخططا أو مؤامرة غربية نفذتها تركيا لجر روسيا إلى فخ كبير . فالمؤكد أن القرار السياسي لأردوغان بإسقاط الطائرة جاء بدافع أمريكي . وبالتالي فإن موسكو تدرك هذه الأبعاد .


ورغم أن الرد الروسي جاء سريعاً وعبر عنه الرئيس بوتين بوصفه ماحدث بأنه طعنة من الظهر ، لخص به الموقف الروسي ، وتلاه ببعض القرارات التي غلب عليها الطابع الاقتصادي ، باعتبار أن الاقتصاد هو الحاضر الأكبر في عقاب تركيا ، تمثل الرد العسكري في قوة الضربات الجوية لأهداف تؤثر على تركيا سواء أكانت للمقاتلين التركمان الذين تدعمهم أنقرة ، أو القوافل التي تقول تركيا إنها إنسانية بينما تعتبرها موسكو إمدادات للتنظيمات المسلحة المعارضة .


وبناء على ما تقدم نرى أن الرد الروسي سيكون من خلال :


ـ أولاً نشر منظومة الدفاع الجوي والصواريخ الفعالة التي تمكن من بناء فضاء ناري يدمر أي هدف جوي يهدد سلامة الطيران الروسي في سوريا، أو يهدد سلامة القوى الدفاعية السورية العاملة في الميدان في الشمال الغربي السوري، وهو ما قد يعنى إقامة شبه حظر جوي معاكس للرغبات التركية. وهذا ما بدأ العمل به فعلياً بنشر منظومة اس ٣٠٠ والتحضير لنشر منظومة اس ٤٠٠ في مطار حميميم التي تغلق أجواء بعمق ٣٠٠ كم داخل تركيا.


وهو إجراء أصاب تركيا والغرب بالفزع ودفع تركيا وأمريكا إلى تعليق تحليق طائراتهما فوق الأجواء السورية ، خشية إسقاطها ما يزيد الأزمة تعقيداً ، ويضطرهم إلى التصعيد والرد .


ـ ثانياً بتسريع العمليات العسكرية في المنطقة التي تسبب ألماً أكبر لتركيا ومنها إلى كل المنطقة الشمالية ، وهو ما يشل القدرة التركية على التدخل المؤثر في الميدان السوري ، ويقطع إمداداتها للتنظيمات المسلحة التي تدعمها.


ـ ثالثا وهو يرتبط بالبند السابق فإن روسيا وبدلاً من الدخول في حرب شاملة مكلفة مع تركيا، فإنها ستلجأ إلى معاقبتها من خلال تكثيف ضرباتها العسكرية على حلفائها في سوريا. ولتحقيق ذلك فإن قوى المعارضة العسكرية التي يعتقد أن تركيا تقدم لها الدعم ستتعرض لحرب شرسة في المرحلة القادمة من الطيران الروسي، وستصبح أهدافاً معلنة للانتقام من قبل موسكو بعد أن كانت تقصف في الفترة الماضية على هامش الحرب المعلنة على «الإرهاب» و»تنظيم الدولة”. وإضافة للقوى العسكرية، فإن «الخزانات البشرية» المرتبطة بتركيا ستكون هي الأخرى هدفا للقصف الروسي، حيث من المتوقع أن يدفع التركمان السوريون ثمناً باهظاً للصراع بين أنقرة وموسكو.


ـ رابعاً سيكون البطل فيه هو الكرد بما لهم من حساسية خاصة لدى تركيا وأردوغان ، فالدب الروسي هنا سيسارع إلى مزيد من توثيق العلاقات مع الكرد ، خاصة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحداته المقاتلة ، التي تشكل تهديداً كبيراً على تركيا وأمنها القومي من وجهة نظر أردوغان ونظامه والدولة التركية نفسها ، وستشهد الأيام المقبلة تطويراً للتنسيق بين الجانب الروسي والكردي في المجالين السياسي والعسكري ، والأخير سيعلب دوراً كبيراً في إيلام تركيا ، حيث ستوفر الطائرات العسكرية الروسية مظلة للقوات البرية الكردية تتيح لها الحماية والفرصة الكبيرة لتحقيق مزيد من التقدم الميداني على حساب تنظيم داعش والتنظيمات المسلحة الأخرى المدعومة من تركيا . ويمكن القول إن الورقة الكردية في يد روسيا سيكون لها تأثير كبير على تركيا ، ربما يدفعها إلى التراجع أمام التقدم الروسي .


ـ خامساً سيكون جانباً كبيراً من الرد الروسي مركزاً على الجانب الاقتصادي ـ رغم أن هذا الخيار سيصيب موسكو أيضاً بخسائر ـ وهو ما سارع الجانب الروسي إلى إعلانه عقب الحادث ، لكن هذا العقاب لا يمكن أن يكون كاملاً ، وذلك بالنظر إلى أن حجم العلاقات الاقتصادية بين البلدين ضخم ويصل إلى نحو ٤٠ مليار دولار سنوياً، علاوة على الكثير من المشروعات الضخمة بين البلدين ، كما أن روسيا تعتمد بشكل كبير على تركيا في مسألة تصدير الغاز الروسي ، وبالتالي فإن المتوقع أن تكون العقوبات الروسية التي ستفرضها ضد أنقرة متدرجة وبأخف الأضرار على موسكو . وقد بدأها الرئيس الروسي بوتين بتوقيع مرسوم حسب بيان «الكرملين» يتضمن سلسلة إجراءات اقتصادية ضد تركيا تتضمن منع المؤسسات والمنشآت التركية من ممارسة نشاطات في روسيا، ووقف استيراد بعض السلع ذات المنشأ التركي مؤقتًا أو منع استيرادها بالكامل. ومنع كافة الشركات العاملة في روسيا، من توظيف مواطنين أتراك، اعتبارًا من أول يناير المقبل.


كما وقّع بوتين قراراً بتعليق السفر بدون تأشيرة بين روسيا وتركيا من طرف واحد، اعتبارًا من الأول من بداية العام المقبل ٢٠١٦، فضلًا عن منع الشركات السياحية من تنظيم رحلات إلى تركيا، ووقف رحلات الطائرات المستأجرة من قبل الشركات -شارتر-، بين البلدين، وتشديد الرقابة على شركات الشحن التركية الناشطة في روسيا، والناقلات البحرية التركية في البحر الأسود وبحر آزوف.