هذا الازدواج العربى إلى متى؟! طائرات أمريكا نعم.. طائرات روسيا لا وألف لا

02/12/2015 - 10:03:25

كتب - يوسف القعيد

يدهشنى جداً الموقف الذى تعبر عنه بعض فصائل الإعلام العربى من ذلك الموقف الرافض بما تقوم به روسيا فى سوريا. فى حين أن الكل يتغاضى عما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الغربى فى العراق وأجزاء من سوريا. بل إن البعض لا يكتفى بالتغاضى. لكنه يرحب بذلك التدخل ويعتبره لصالح العراق وسوريا. رغم أن التدخل الأمريكى والمتحالفون معه لم يظهر لنا أى نتائج لتدخلهم. على الرغم من مرور شهور على هذا التدخل.


الطرفان: أمريكا وروسيا يقولان آناء الليل وأطراف النهار أن الهدف مما يقومان به هو القضاء على ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. والذى نطلق عليه كلمة واحدة هى: داعش. التى تشكل الأحرف الأولى من كلمات الجملة السابقة. لن أتوقف أمام نكتة الرئيس أوباما الأخيرة عندما تحدث عن داعش والدولة الإسلامية باعتبارهما تنظيمين مستقلين عن بعضهما. وقوبل كلامه بضحكات عالية من الصحفيين الذين كانوا يحضرون المؤتمر الصحفى ويستمعون إليه. فالرئيس الأمريكى رئيس أكبر دولة فى العالم. لا يعرف أن داعش والدولة الإسلامية اسمان لتنظيم واحد. أو ربما لم يشغل باله أن يعرف أو يهتم أن يعرف.


إن نظرنا إلى الروس على أنهم غرباء. فإن الأمريكان أيضاً غرباء. وإن حاولنا تناول موقف روسيا باعتبار أنها ليست صاحبة مصلحة فى ضرب التطرف والإرهاب فى سوريا. فهذا الكلام ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية. وإن قلنا عن روسيا أنها دخلت على الأمر حتى تجد لنفسها موضع قدم فى الشرق الأوسط بعد خروجها منه فى سبعينيات القرن الماضى. فأعتقد أن ذلك من حق أى دولة كبرى لها استراتيجية تحركها فى العمل السياسى والعمل العسكرى.


لا يقل لى أحد أن أمريكا تحارب بشكل مبدئى فى العراق وسوريا. بالعكس، لدىَّ يقين - دون أن يكون عندى أى يقين على ما أقول - أن أمريكا تداعب داعش. وتحاول احتواء داعش. ولا تهدف إلى القضاء التام عليها. دعك من كل ما قاله أوباما. وما أعلنته الدوائر الأمريكية المعنية من أن القضاء على داعش مسئولية الغرب فى الفترة القليلة القادمة.


منذ كتاب ميكيافيللى الشهير: الأمير. والساسة يعرفون أنهم يفعلون عكس ما يقولون. وأن ما يعلنونه أحياناً يكون الهدف منه إبعاد الناس عن الهدف الحقيقى مما ينوون القيام به. بدليل أن غارات التحالف التى تضرب مساحات من العراق وأجزء من سوريا منذ فترة مضت لم تحرز أى تقدم على الإطلاق. ولم نر سوى عمليات روتينية تمر علينا كما نعاصر أحداث كل يوم وكل ليلة.


تعالوا نقترب أكثر من أرض الواقع، بعيداً عن هذا الكلام السياسى، ونرصد ردود الأفعال التى توشك أن تكون يومية. فكل ظهر أشاهد على الفضائيات العربية فصائل المعارضة السورية التى تخرج لكى تذكر أعداد شهداء الشعب السورى من جراء ضربات روسيا. والكاميرات جاهزة. والفضائيات على أهبة الاستعداد لكى تنقلنا إلى مكان الضربات لتثبت لنا أن ضحايا الشعب السورى من هذه الضربات بأعداد ضخمة.


لست فى حاجة للقول أو للتذكير بما أقول وأكرر أننى شديد التعاطف مع شعبنا الشقيق فى سوريا. ويخيل إلىَّ أحيانا أنه كتب عليهم كل هذا العذاب لكى يكفروا عنا جميعاً – نحن العرب ونحن المسلمين - كل ما اقترفناه من آثام فى حياتنا. وأن هذا الشعب كُتِب عليه ما لم يكتب على أى شعب آخر من آلام ومن ويلات. حتى عندما يعقد قادة الغرب ومعهم بعض قادة الشرق، يستخدمونهم كنوع من التمويه. مع أن القرارات تكون غربية فى النهاية. هذه المؤتمرات التى تعقد فى الغرب ويخرج بعدها علينا من الفنادق الفاخرة فى المدن الهادئة الآمنة التى توشك أن تنام من كثرة الإحساس بالأمن والأمان.


ثم نسمعهم يتحدثون عن اقتراب الوصول لحل جوهرى وجذرى للمسألة السورية. لولا أنهم ما زالوا مختلفين حول مصير الرئيس السورى بشار الأسد. وأن هذه المسألة ستحسم فى القريب العاجل. أقول لنفسى: أخشى أن تستمر اجتماعاتكم حتى نصل لكلمة النهاية فى حياة الشعب السورى لا قدر الله ولا كان. بل إن بعض الدول العربية الشقيقة وصلت إلى القول أن مصير الرئيس بشار الأسد سيتم حسمه إما سلماً أو حرباً فى القريب العاجل. وهو كلام بالغ الخطورة. لأنه يعنى زيادة إمكانات التدخل فى سوريا عن الموجودة الآن. التى دفعت الشعب السورى إلى ترك الجمل بما حمل. وترك سوريا وتحولوا إلى لاجئين جدد فى كل الدول الأوروبية.


أريد أن أكتب بالتحديد عن اليوم الذى أسقطت فيه الطائرة الروسية فى الأجواء السورية بحجة أنها اخترقت الأجواء التركية دون الحصول على إذن مسبق. وأنها لا بد أن تعامل بمبادئ الكرامة الوطنية من قبل الإدارة التركية. وهذا ما تسرع وأعلنه الرئيس الأمريكى حتى قبل أن تُعلن تركيا كلمة واحدة عن الموقف. قال أن تركيا من حقها أن تحمى سماءها من أى طائرات تعبرها.


يومها توقفت الدنيا أمام الحدث. وردود الفعل عليه. خاصة ردود الفعل العربية. تحدث الرئيس الروسى بوتين بطريقة ذكّرتنى بأبطال تولستوى من الفلاحين الروس. خاصة فى روايته: القوزاق. وروايته: الحاج مراد. وأعماله الأخرى التى تدور أحداثها فى الريف الروسى. قال بوتين أن روسيا تعرضت لطعنة غادرة من قبل تركيا. وأنه موقف لا بد أن يكون له ما بعده والحساب عليه عسير.


أعود لموضوعى الأساسى. لماذا نصفق لطائرات الولايات المتحدة الأمريكية ونرحب بها ونتعامل مع أمريكا باعتبارها المخلِّص من كل همومنا ومشاكلنا الكثيرة ونرحب بها؟ ولم يحدث على الإطلاق أن يخرج سكان قرية عراقية أو مدينة عراقية لكى يقولوا لنا أن ضربات أمريكا أسقطت مدنيين. وأخطأت الطريق إلى الدواعش الذين يحتلون مدناً عراقية علناً وفى وضح النهار. ويكفى وجودهم فى الموصل عاصمة الشماء العراقى وحكمهم لها.


أى حرب مع شبح مجهول لا بد أن يسقط لها ضحايا. وما زال الغرب بكل إمكاناته لم يحدد خريطة الدواعش الحقيقية داخل العراق وداخل سوريا. ويعرف أماكن تواجدهم معرفة دقيقة قبل أن يوجه ضرباته. وما دام هناك ضحايا فى سوريا. لا بد من وجود ضحايا فى العراق. فما هى الحكاية بالضبط؟.


هل لأن النخبة العربية الآن عاشت الحياة قريبة من النمط الأمريكى؟ وترى أن التحضر هو ما يأتى من الغرب؟ هل ما زلنا لم ننس لروسيا تجربة الاتحاد السوفييتى رغم أنها كانت داعمة دعماً مطلقاً للشعب العربى فى حقه المقدس فى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟ أم ما هى الحكاية بالضبط؟.


حتى الموقف التركى من الدواعش لا يحظى بتناول حقيقى من إعلامنا. رغم أن هذا الموقف تحيط به علامات استفهام كثيرة. ويكفى أن كل الإعلام الغربى يقول أن البترول الذى تستولى عليه داعش من العراق وسوريا يباع لدول العالم كلها. وأول المشترين هى الدول الأوروبية عبر وسطاء أتراك. وهذا كلام قيل وتردد آلاف المرات دون رد واحد من قبل أى مسئول تركى.


هل أقول أن الإعلام الغربى حدد إسم بلال نجل الرئيس التركى رجب طيب أردوغان. وأن بلال هذا جزء من شركة يملكها آخرون معه فيهم عناصر غربية. وأن هذه الشركة هى التى تشترى بترول الدواعش وتعيد تسويقه وبيعه فى الأسواق الأوروبية والإسرائيلية التى تعد الهدف الأول لتعاملات الشركة بأسعار تقل عن النصف بالنسبة لأسعار البترول الأخرى فى العالم الآن.


كنت أتمنى لو أن لدينا جيشاً عربياً مشتركاً يتبع جامعة الدول العربية، يمكن أن يقوم بهذه العمليات. وفى هذه الحالة نرفض طائرات أمريكا وطائرات روسيا على حد سواء. ونتولى حل مشاكلنا بأنفسنا. لكن هذا لم يحدث. ولا أعتقد إطلاقاً أن هذا الجيش يمكن أن يعرف طريقه للوجود لأسباب لا تخصنا نحن العرب. ولكن تخص التخوف من هذا الجيش فى حالة قيامه. والتخوف الجوهرى يأتى من العدو الإسرائيلى عبر المهيمن الأمريكى.


إذن ليس أمامنا سوى أن تستباح السماء العربية بطائرات الغرباء. تطير وتضرب وتعود. لكننا نختلف فى التعامل معها. نرحب بطائرات الأمريكان. ونرفض طائرات الروس. أما طائرات الأتراك فتلك حكاية أخرى.