دماء على جدار السلطة !

02/12/2015 - 9:27:22

بقلم - رجائى عطية

غريبٌ ولا يزال ، الدماء التى سالت على جدار السلطة ، فى ظل شريعة سمحاء ، تحرِّم القتل وإزهاق الأرواح بغير حق ، وتنذر بأشد أنواع العقاب فى الدنيا والآخرة لمن يقارف هذا الوزر الشنيع ، وتعلم الناس أن من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ، وأن من أحيا نفسًا وحافظ على حياتها فكأنما أحيا الناس جميعًا ، وتذكرهم من حكمة القصاص أن فيه حياة ، وأن جزاء القاتل عمدًا جهنم خالدًا فيها يبوء بغضب الله تعالى عليه وبما أُعِدَّ له من عذاب عظيم . . لذلك كان غريبًا ولا يزال أن تتعدد وتكثر حوادث القتل عبر تاريخ - للأسف - طويل من أناس يحسبون أن أعمالهم من الإسلام ، دفعهم حب السلطة والحرص عليها إلى إسالة الدماء وقتل الآباء والأخوة والأبناء ، فامتلأ التاريخ الموصوف بالإسلامى ، وهو ليس من الإسلام ، بوقائع قتل جرت على جدار السلطة ، مخيفة ومفزعة !


كان اغتيال الفاروق عمر بن الخطاب ، أول حادثة قتل للخليفة فى الإسلام ، فقد قتل غيلة وهو يقيم الصلاة ، بيد أن مقتل الفاروق على الفجيعة المفجعة فيه ، لم يكن صدمة فى العقيدة ، لأن القاتل كان غلامًا دخيلاً على الإسلام ، ومن ورائه عصابة تدين بغير دين الإسلام ، وتكره من عمر بن الخطاب عليه الرضوان ، ما بذله ويبذله لإقامة هذا الدين ، ولذلك فلم تكن لواقعة القتل أى مرجعية تمس العقيدة أو تصطدم بها ، وإن بقيت الفاجعة التى فجعت المسلمين بقتل الفاروق أمير المؤمنين !


على أن قتل ذى النورين ، عثمان بن عفان ، كان صدمة مؤلمة فى تاريخ العقيدة ، لأن القتلة تأولوا قتله ، وحسبوا تأويلهم من الإسلام ، فقتلوا الخليفة قتلة بشعة وهو شيخ وقور جاوز الثمانين ، وحال قيامه بتلاوة القرآن الحكيم ، إلا أن هذا الاغتيال على صدمته المؤلمة لم يكن طلبًا للحكم ، ولا كان اغتيال الإمام على بن أبى طالب على فجيعته طلبًا للحكم أو سعيًا إليه ، ولكن بدأت بذلك أحداث الفتنة الكبرى ، وانفتحت بجرثومة طلب الحكم والطمع فيه والسعى إليه أبواب لم تنغلق ، لحادثات قتل شنيعة ، وعنف دموى امتد إلى اليوم !


لم يكن من الإسلام !


لم تكن من الإسلام ـ حادثات العنف والقتل والاغتيال فى طلب الحكم ، ولكنها حملت إساءات بالغة إلى الإسلام ، وتركت ندوبا غائرة فى تاريخ المسلمين .


ولم يكن صوابًا خروج معاوية بن أبى سفيان ، على الإمام على بن أبى طالب الذى بويع بيعة صحيحة ، جاءت فى محلها .. ومن ثم لم يكن خروج معاوية عليه من الإسلام ، ولم يستند إلى أى مرجعية إسلامية ، وإنما كان بدافع السياسة وطلب الحكم ، وإذكاءً فى الواقع للتنافس القديم من قبل الإسلام بين البيت الهاشمى والبيت الأموى ، وهو ما عَبَّرَ عنه


أبو جهل عمرو بن هشام المخزومى ـ بقوله غاضبًا : « لقد تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف .. أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان ، قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء .. فمتى ندرك مثل هذا ؟!»


ولم يكن رفع « قميص عثمان » والمطالبة بدمه أو بدفع قتلته ، لم يكن إلاَّ ذريعة


أو تعلة كاذبة للخروج على البيعة ، وكان الإمام على آخر من يمكن أن يُتهم فى دم عثمان ، فقد كان الوحيد من الأربعة الباقين من الستة الذين عهد إليهم عمر بالشورى ـ كان الوحيد من الأربعة الذى كان ينصح له ويخذل الناس عن الثورة والفتنة ما وجد إلى تخذيلهم عنهما من سبيل ، ولم يكن عثمان يلجأ فى طلب النصح أو طلب النجدة إلاَّ إليه ، أما طلحة بن عبيد الله فلم يكن يخفى ميله إلى الثائرين ولا تحريضه لهم ، بينما لم ينشط الزبير


بن العوام فى رد الثائرين على عثمان نشاطًا ملحوظًا ، ولكنه ظل يترقب وهواه مع الثائرين وربما لم يكن يظن أن الأمور سوف تصير إلى ما صارت إليه ، أما سعد بن أبى وقاص فقد اعتزل الفتنة .


وكما كان الإمام على آخر من يُتهم فى دم عثمان ، أو يُطَالب بدفع قتلته الذين شاع أمرهم وصعب التعرف اليقينى عليهم فى زحمة الحادث وكثرة المشاركين فيه ، بينما المدينة كلها تحت رحمة الثائرين ـ فإن معاوية آخر من كان يحق له المطالبة بدم عثمان ، وقد تخلف فى الواقع عنه رغم الاستنجاد به ، مع أنه كان يملك الجند والمال والتأثير بالشام ، ويستطيع لو أراد أن ينجد الخليفة الذى طال حصاره وحصار الصحابة معه بالمدينة ما يكفى لنجدته !


وقد كان الإمام على أجدر المستحقين للخلافة ، وأقواهم على القيام بالأمر وحمل الناس على الجادة كما قال فيه عمر الذى كان يرى أنه أشبه الناس به فى شدته فى الحق ، ولم يكن الخروج عليه بواقعة الجمل صوابًا ، ومع ذلك تصرف الإمام مع من خرجوا عليه تصرف الفارس ، فحزن حزنًا شديدًا على قتل الزبير وبشر قاتله بالنار ، لأنه قتله غيلة فى وادى السباع بعد أن قرر اعتزال الفتنة وانسحب من المعركة ، وحزن لمصرع طلحة بن عبيد الله فنزل عن دابته ، وأجلسه ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه ويقول « عزيز علىَّ أبا محمد أن أراك مجندلاً . ليتنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة » ، وحزن أشد الحزن وتوجع وترحم على كل من أسفرت المعركة المفروضة عليه ـ عن قتله .


أما السيدة عائشة ، فقد أكرمها وكلف أخاها محمد بن أبى بكر برعايتها بدارٍ من دور البصرة ، وحماها من الغاضبين ، حتى أذنت الظروف فجهزها إلى المدينة ومعها جماعة من النساء والرجال ، وخرجت معززة مكرمة ، وتبعها وشيعها بنفسه والناس معه وأمر على بنيه أن يسيروا معها يومًا بأكمله قبل أن يرجعوا .


وأعود فأقول إن خروج معاوية على الإمام على لم يكن صوابًا ، ولا كان من الإسلام ، وإنما كان طلبًا للحكم فى صراعٍ وصفه العقاد وطه حسين أبلغ وصف حينما قررا أنه كان صراعًا بين « المُلْك » الدنيوى الذى يمثله معاوية ، و« الخلافة » الحقة التى مثلها الإمام أبلغ تمثيل ، بينما كانت الرياح مع « الملك » لا مع « الخلافة » التى دلت مبادئها بانتهاء عهد الراشدين .


كان لابد من هذه الاستطرادة ، لنرى كيف انفتحت بعد ذلك أنهار الدماء ، واستباحة القتل طلبًا للملك والسلطان !


تجمع الروايات على أن الإمام على أبى حين طُعن ليلة ١٧ رمضان هـ ، وأيقن أنه الموت ـ أبى أن يعهد بولاية الأمر من بعده إلى ابنه الحسن سبط النبى وابن الزهراء ، وقال « أترككم كما ترككم رسول الله » ، فلما ألحوا عليه فى مبايعته قال : « لا آمركم ولا


أنهاكم » ، وكان أن تمسك أنصار الإمام وآل البيت بولاية الحسن ، ولكنه آثر أن يجمع كلمة المسلمين ، وأن يقيهم شر الفتنة التى اشتعلت ، فتنازل عن الأمر لمعاوية بن أبى سفيان.


آثر الحسن أن يرجع إلى السُنّة التى رسمها جده عليه الصلاة والسلام ، وإلى المبادئ التى تمسك بها أبوه الإمام على كرم الله وجهه ، وفى قصة طويلة قبل الحسن الصلح شارطًا على معاوية أن يعمل فى ولاية الأمر بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين ، وعلى أنه ليس له أن يعهد لأحدٍ من بعده ، وأن يكون الأمر شورى ، والناس آمنون حيث كانوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم .


ولكن ما إن استوى الأمر لمعاوية ، حتى أظهر لأهل العراق خلاف ما أبطن ، ومضى على نسق يخالف ما تم الاتفاق عليه ، فطفق الحسن يعلن معارضته لما يجرى ، فى الوقت الذى اصطنع فيه معاوية الرفق فى معاملته ، ولكنه كان يضمر أن يكون الأمر من بعده إلى ابنه يزيد ليكون تراثًا لآل أبى سفيان ، ولا يرى حائلاً يحول دون ذلك سوى الحسن بن على بما له من قرابة ومنزلة ، وإذ بالحسن يتوفى فجأة وفاة غريبة سنة ٥٠ للهجرة ، لتتزاحم الروايات ، فيتحدث الشيعة بأن معاوية قد دسّ إليه السم ليخلو له ولابنه يزيد وجه الخلافة ، وأكثر أهل الجماعة من أهل السنة على هذه الرواية ولكن دون أن يقطعوا بها ، بينما استبعدها آخرون لا لشىء إلاَّ لأن معاوية قد صاحب النبى ، ومن ثم لا يليق به أن يأتى مثل هذا الفعل .


بيد أن أهل السنة تحدثوا بأن الحسن نفسه قال لبعض من زاروه فى مرضه الأخير : « لقد سُقيت السم مرات ، ولكنى لم أُسْق قط سمًّا أشدّ علىّ من هذا الذى سُقيته هذه المرة . ولقد لفظت آنفًا قطعة من كبدى » ، ويتحدثون أيضًا بأن أخاه الحسين رضى الله عنه سأله عمن سقاه السم ، فأبى أن ينبئه به مخافة أن يقتص منه بغير حجة قاطعة عليه ، وآثر أن يكل القصاص إلى الله عز وجل ، كراهة أن يلقى ربه وقد اقتص له بالشبهة ، على أن موقف الحسن لم يوقف تقاطر الروايات ، ولا الأمارات التى جعلت تذكر شيوع الإماتة بالسمّ فى تلك الأيام ، حماية للسلطان أو طلبًا له ، وتورد فيما تورد مــوت « الأشتر النخعى » مسمومًا وهو فى طريقه إلى ولاية مصر ، وخلوص مصر ـ بذلك ـ لمعاوية ، وقول معاوية وعمرو بن العاص : « إن لله جنودًا من عسل » ، وتورد موت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد مسمومًا بحمص فى خبر طويل ، مما يؤيد موت الحسن مسمومًا فى أكبر الظن ـ لتخلص الخلافة لمعاوية وابنه يزيد .


ضاقت الصدور بعد ذلك ضيقًا شديدًا ، لا مما قد يهدد الحكم والسلطان ، بل بالمعارضة التى لا إثم فيها ، فلم يمض عام على موت الحسن بن على الميتة التى دارت الأقاويل حولها ، حتى ضاق صدر زياد بن أبيه ( ابن أبى سفيان فيما بعد ) أمير معاوية على البصرة ـ ضاق بمعارضة حُجْر بن عدىّ واعتراضه على سب الإمام على وصحبه من على المنابر ، فشحنه قسرًا إلى معاوية بالشام ، فلما لم ينته حوار معاوية له إلى نتيجة ترضيه ، وصمم الرجل ـ وكان من الصالحين ـ على اعتراضه على سب الإمام على من على المنابر ، ضاق صدر معاوية فرده إلى عامله بالبصرة ، ليقتله فيما نقل الرواة شر قتلة ، فأمر به زياد فدفن حيًّا ، على غير ما جريمة سوى أنه يأبى سب الإمام على ، ويشغب على من يسبه بالمسجد ، وهى معارضة لا إثم فيها ولا جريمة .


ويقول الرواة إن معاوية سعى ـ خلافًا لما تعهد به فى صلحه مع الحسن بن على ـ لأخذ البيعة فى حياته لابنه يزيد ، وسواء كان هذا السعى بتحريض من المغيرة بن شعبة كما قالت بعض الروايات ، أم من بنات أفكار معاوية ، فإن المؤكد أن معاوية سعى حثيثًا لأخذ هذه البيعة فى حياته ليقلب نظام الحكم إلى ملكية وراثية ، وبدأ ببنى أمية ثم بأنصاره فى الشام ، فلما انتقل إلى الحجاز ، لاقى معارضة شديدة بمكة والمدينة لاسيما من كبار أبناء الصحابة ، وامتنع عليه منهم أربعة نفر من قريش : الحسين بن على ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن أبى بكر ، وزادت بعض الروايات عليهم عبد الله بن عباس ، وقيل إن معاوية حصل على البيعة من سواهم بإكراههم على الصمت وعدم الاعتراض ، وكان ذلك سنة ٥٦ هـ فى رواية الطبرى .


ولكن هل توقفت إسالة الدماء بعد ذلك فى طلب الحكم أو حمايته ؟! أتى الجواب مرًّا فيما جرى للإمام الحسين بن على ، وبلغ ذروة المأساة الكبرى فى كربلاء التى دارت رحاها على ثلاثة أيام ختمت يوم عاشوراء العاشر من محرم سنة ٦١ هـ (١٢ أكتوبر سنة ٦٨٠م) بعد أيام من مصرع ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب الذى كان قد بعثه مقدمةً له إلى الكوفة استجابةً لطلب أهلها ، أما فى كربلاء فقد أُديرت مذبحة قتل فيها سبعة من أبناء الحسين خمسة منهم من أحفاد الزهراء بنت النبى عليه الصلاة والسلام ، وقتل آخرون من أبناء كل من عبد الله بن جعفر الطيار ذى الجناحين ، ومن بنى عقيل بن أبى طالب ، وقتل غيرهم من سائر من كانوا مع الحسين من الموالى والأنصار ، فكانت محنة للإسلام والمسلمين ، فضلاً عن محنة الطالبيين عامة ، وأبناء فاطمة الزهراء خاصة ، وانفتحت على مصراعيها أبواب المخالفة عن مبادئ وقيم وأحكام الإسلام ، فى هذا الجرى الضرير وراء السلطة التى أهدرت كثير من الدماء على جدارها . ( وللحديث بقية ).