الجريمة والعقاب

02/12/2015 - 9:12:01

سناء السعيد سناء السعيد

بقلم - سناء السعيد

ارتكب أردوغان أكبر خطأ فى حياته عندما اجترأ وأسقط الطائرة الروسية “سوخوى ٢٤ «فى الرابع والعشرين من الشهر الماضى تحت مزاعم مغلوطة تدعى بأن الطائرة انتهكت المجال الجوى لتركيا، وأن ماقامت به دولة أردوغان هو حق مشروع دفاعا عن أراضيها وعن أشقائها، وسارع أوباما فدعم حليفه قائلا:(الطائرة الروسية انتهكت الأجواء التركية ولهذا يظل لتركيا حق الدفاع عن نفسها كأى دولة).


ولا غرابة، فالجريمة تواطأت فيها أمريكا مع تركيا وهى التى أوعزت لها بتنفيذها، ولهذا جازف أردوغان بمغامرة إسقاط الطائرة الروسية تحت دعوى الدفاع عن أمن تركيا وعما أسماه بحقوق أشقائه فى سوريا والمعنى بهم هنا بالقطع المعارضة الإرهابية المحسوبة على الخارج.


ما نطق به أردوغان كذب بواح اعتاد عليه هذا الحالم باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وما يدحض ادعاءاته أن الطائرة الروسية كانت على مسافة كيلومتر واحد من الحدود داخل الأراضى السورية ولم تنتهك الأجواء التركية، والأدلة كثيرة على ذلك، فسقوط الطائرة كان فى الأراضى السورية، ووسائل المراقبة الإلكترونية سجلت أن الطائرة كانت ضمن الأجواء السورية حين أسقطت، كما أن مسئولين فى البنتاجون وأعضاء فى الناتو اعترفوا بأن تركيا أسقطت الطائرة فى المجال الجوى السورى وذلك بناء على أساس رصد البصمة الحرارية للطائرة، وبالتالى فإن ماقامت به تركيا هو جريمة فى حق دولة عضو فى الأمم المتحدة ولا يمكن أن تغتفر أو يسدل عليها ستار النسيان.


كانت غضبة روسيا مبررة لأن الطائرة لم تنتهك الأجواء التركية ولهذا سارع بوتين فتوعد أنقرة بعواقب وخيمة بعد اتهامه لها بطعن روسيا فى الظهر، وجاءت ردود فعل القيصر الروسى سريعة ظهرت فى غاراتها المكثفة على المناطق المحاذية للحدود التركية، وظهرت فى مجموعة الإجراءات العقابية الاقتصادية التى أعلنها رئيس الوزراء» ميدفيديف»، كما ظهرت فى نشر روسيا لمنظومة صواريخ»إس ٤٠٠” فى قاعدة “حميميم” العسكرية قرب اللاذقية، لقد تأكد منذ البداية أن رد روسيا على تركيا لن يكون عسكريا؛ إذ إن تركيا عضو فى الناتو ومن ثم ستترجم هذه الحرب العسكرية مباشرة على أنها حرب مع هذا الحلف. ومن ثم حصر الرد فى إجراءات عقابية ضد تركيا.


لقد نجح أردوغان بارتكابه لهذه الجريمة فى جر العلاقات الروسية التركية لطريق مسدود، بيد أن تركيا هى الخاسرة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. وبذلك يكون أردوغان قد جلب العواقب على بلاده، ففى أعقاب الجريمة خرج متحدث باسم الرئاسة الروسية ليؤكد بأن بلاده ستنظر فى جميع المشاريع المشتركة مع تركيا بما فيها مشروع محطة « أك كويو»وهو أول مشروع لمحطة نووية فى تركيا ويتضمن بناء أربعة مفاعلات نووية بقدرة ١٢٠٠ ميجاوات، ضرر آخر لحق بتركيا يتمثل فى أن مشروع نقل الغاز الروسى إليها ومنها إلى أوربا بات مهددا بالتوقف، وكان من المتوقع أن تبلغ القدرة التمريرية نحو ٦٣ مليار متر مكعب من الغاز سنويا، وبالتالى فإن إيقاف المشروع يمكن أن يقوض مساعى تركيا فى التحول إلى مركز إقليمى لتوزيع الطاقة.


ثالثة الأثافى: القرار الذى أعلنت عنه كبرى شركات السياحة الروسية بوقف بيع الرحلات السياحية إلى تركيا مما سيكبدها خسائر جسيمة؛ حيث تعد السياحة إحدى ركائز الاقتصاد التى تُدِر على البلاد مليارات الدولارات، الجدير بالذكر أن عدد السياح الروس فى العام الماضى بلغ نحو أربعة ملايين ونصف المليون شخص ــ من أصل ٤٢ مليون سائح ــ أدخلوا مايقارب ٣٦ مليار دولار إلى الاقتصاد التركى، ولا ننسى أن تركيا تعد أكبر شريك تجارى لروسيا بحصة تبلغ أكثر من ٤ ٪ من إجمالى التجارة الخارجية الروسية، وتأتى بذلك بعد الصين وألمانيا وهولندا وإيطاليا، أما التبادل التجارى بين الدولتين فبلغ ٣١ مليار دولار، وفيما إذا أخذ بعين الاعتبار تجارة الخدمات فلقد وصل التبادل التجارى الكلى فى العام الماضى إلى مايقارب ٤٤ مليار دولار، وكان أردوغان خلال زيارته لروسيا قبل شهرين قد قال إن تركيا وروسيا تسعيان إلى زيادة حجم التبادل التجارى بينهما إلى مائة مليار دولار بحلول عام ٢٠٢٣ ولكن بعد واقعة إسقاط الطائرة الروسية فإن ماصرح به أردوغان بات سرابا.


إسقاط تركيا للطائرة الروسية عمل غير مشروع غامر به أردوغان دفاعا عن داعش الذى يدعمه وثأرا من روسيا التى وجهت ضربات قاصمة للتنظيم الإرهابى، فهل غاب عن أردوغان أن موسكو تملك القدرة على غلق مجالات عدة تقض مضاجع تركيا؟، أخطأ أردوغان عندما سعى لفرض مكانة تركيا فى العالم بقوة العضلات العسكرية، غير أن ما فعله لم يثمر ولم يسفر عن جديد اللهم إلا عن البلطجة كأسلوب أراد به فرض مايريد وهو أمر أثبت التاريخ فشله أكثر من مرة، فهل يفيق...؟