غروب الضمير

02/12/2015 - 9:07:42

  طه فرغلى طه فرغلى

بقلم - طه فرغلى

على أرض مصر كان فجر الضمير منذ آلاف السنين ، شعاع أضاء نوره العالم كله ، ليبشر بأعظم وأقدم حضارة عرفتها الإنسانية عبر عصور التاريخ ،لا تزال تبوح بأسرارها حتى الآن.


من هنا تشكل الضمير ،ومن هنا عرف الإنسان القديم معنى العمل ،والفداء والتضحية.


من بلاد النيل كانت رسالة الحضارة إلى العالم البدائى فى الشرق والغرب ، وقت أن كان الإنسان يأكل لحم أخيه ، كانت على ضفاف النيل حضارة زاهرة يانعة ، بناها الأجداد بالعلم والعمل والضمير ، لا بالفهلوة والمحسوبية والضحك على الذقون.


أجدادنا كان ضميرهم حيا، يحركهم نحو الخير والنماء والبناء ،لم يعرفوا الغش والخداع والتحايل على القوانين ، آثارهم تدل على أعمالهم ، على منهجهم فى الحياة ، على الدقة والروعة والتفانى والإخلاص.


إذا أردنا أن نبنى علينا أن نبحث عن ضمائرنا فى البداية قبل أن نفكر فى البناء ، ونسأل أنفسنا سؤال حياة : هل ضمائرنا ما زالت حية ؟ هل نؤدى أعمالنا بضمير؟ هل الضمير هو الذى يحركنا أم أن شهوة الخداع والمحسوبية والفهلوة هى المسيطرة؟


« معندوش ضمير « جملة نرددها كثيرا لوصف عديمى الضمائر ، جملة سهلة نطلقها إذا لم يعجبنا عمل قام به أحدهم ، ولكن فى كثير من الأحيان نتغافل ونتناسى عن أن نسأل أنفسنا، وهل نحن لدينا ضمير؟.


الإجابة حاضرة وبقوة لو كان لدينا ضمير ما كان هذا حالنا ، لو كان لدينا ضمير ما كانت حاصرتنا الأزمات من كل جانب ، ما كنا عانينا من طرق متهالكة وتعليم يتداعى ،ومستشفيات أشبه بمقابر، واستغلال ،وارتفاع أسعار.


لقد أبدع العالم الكبير هنرى بريستد فى كتابه «فجر الضمير» فى تصوير مقومات الحضارة المصرية القديمة التى كان أساسها الأخلاق أو الضمير ، وقد أثبت بريستد أن ضمير الإنسانية تشكل فى مصر قبل أى بلد فى العالم.


وطالب كثيرون أن يصبح كتاب فجر الضمير ضمن المناهج الدراسية لجميع طلاب المدارس والجامعات، ليعرف الطلاب كيف بنى أجدادهم حضارتهم العظيمة؟.


وفى ديباجة دستورنا إشارة واضحة إلى هذا المعنى حيث جاء


«هذه مصر، وطن خالد للمصريين، ورسالة سلام ومحبة لكل الشعوب.


فى مطلع التاريخ، لاح فجر الضمير الإنسانى وتجلى فى قلوب أجدادنا العظام فاتحدت إرادتهم الخيرة، وأسسوا أول دولة مركزية، ضبطت ونظمت حياة المصريين على ضفاف النيل، وأبدعوا أروع آيات الحضارة، وتطلعت قلوبهم إلى السماء قبل أن تعرف الأرض الأديان السماوية الثلاثة. مصر مهد الدين، وراية مجد الأديان السماوية.»


إذا كنا نريد حقا البناء والتنمية فعلينا أن نعيد تشكيل الضمير عند الإنسان المصرى، تنمية وبناء بلا ضمير معناها تخلف وانحدار.


مشكلة مصر الحقيقية غياب الضمير ،وربما هذا ما فطن له أعضاء مجلس علماء وخبراء مصر وجعلهم يقترحون خلال لقاء الرئيس مؤخرا إنشاء لجنة لتنمية الضمير والأخلاق ، وتعزيز قيم العمل والانتماء، لتباشر عملها تحت رعاية مؤسسة الرئاسة.


جرحنا الحقيقى الذى ينزف دما وقيحا وصديدا ، غياب الضمير ، لدينا ثقوب فى الضمير ، وفق تعبير العالم الكبير الدكتور أحمد عكاشة ،ولو وجدنا علاجا ناجزا لهذا الجرح سيكون البداية الحقيقية للتنمية والعمل.


من أرضنا كان فجر الضمير ، وللأسف على أرضنا غاب الضمير.