فى المسألة السودانية..

02/12/2015 - 8:38:33

حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

بالأرقام الدقيقة، عدد السودانيين المرحلين من مصر فقط ٣٦٠ سودانياً، لسبب الإقامات غير الشرعية، وعدد السودانيين الذين تم القبض عليهم فى قضايا تزوير وتجارة عملة وغيرها ١٤ سودانيا، وعندما يكون عدد السودانيين المقيمين فى مصر بين أهلهم وناسهم وأخواتهم،  ٥ ملايين سودانى، فإن الغضبة السودانية التى بلغت البرلمان السودانى، وغشيت الصحافة السودانية، وأغرقت مواقع التواصل الاجتماعى العالمية تحتاج إلى توقف وتبين.


 توقف عند أسباب هذه الغضبة وتوقيتها، وتبين أسبابها ومراميها، بحثا عن تهدئة مرتقبة بين الشقيقتين مصر والسودان، وتذهب إلى تصفية الأجواء الحارة بين العاصمتين فى توقيت حرج عربياً ودولياً.


يقينا لا مصرى واحد يقبل إهانة زوول سودانى واحد، لايقبلها على أهله ، ولا صاحب ضمير يقبل تعذيب سودانى ولو كان متهما، لا يقبلها على أهله ، المتهم برئ حتى يثبت العكس، وإذا لحق بزوول سودانى إهانة فهى إهانة لكل مصرى، ولو عذب سودانى واحد فى وطنه مصر، فهذا ما يستوجب حساباً مصرياً عسيراً لكل من تسول له نفسه أن يهين ابناً من أبناء الوطن، السوداني فى مصر فى وطنه وبين أهله، والمصريون لا يقبلون على أنفسهم إهانة، والسودانيون من لحم ودم المصريين.


نزوع البعض فى نظام الحكم فى السودان إلى تعلية هذه الحالات لتغطية الخلافات السياسية جد خطير، والنفخ فى رماد النار يحرق الوجوه، وتعكير صفو العلاقات الشعبية بين المصريين والسودانيين لا يصب أبدا فى صالح العلاقات المروية بماء النيل منذ أبد الآبدين، الخلافات السياسية مكانها قصور الحكم، أما العلاقات الشعبية فمكانها الشارع، والشارع المصرى يؤمه السودانيون، لهم فى القلب مكان.


الخلافات بين القاهرة والخرطوم بحسب مصادر مصرية ثلاثة.


الأول ، ملف سد النهضة، والانحياز السودانى للجانب الإثيوبى فى مفاوضات سد النهضة ليس بخاف، والتفاصيل خطيرة، والقاهرة صامتة على هذا الانحياز، وتحاول بكل الطرق ضبط المواقف، وتسييد روح التعاون، ولم تتأخر عن دعوة الرئيس البشير لتوقيع الاتفاق الثلاثى، وصورة الرئيس البشير رافعا أيدى الرئيس السيسى ورئيس الوزراء الإثيوبى ديسالين إلى أعلى لاتزال شاهدة على هذا الاتفاق الذى تنحرف به أديس أبابا عمداً، وقفزاً على الاتفاق، مما يتطلب موقفا سودانيا / مصريا، ثنائيا للجم التفلت الإثيوبى من مفاوضات السد المتعثرة على موائد المفاوضات.


الثانى، ملف حلايب وشلاتين، والخرطوم ثارت ثائرتها بمجرد إعلان حلاليب وشلاتين دائرة انتخابية فى انتخابات البرلمان المصرى، ورغم أن هذا إجراء معتاد فى كل انتخابات برلمانية مصرية، إلا أن الخرطوم التى استنامت لوعود الإخوان بالتنازل عن حلايب وشلاتين قبلا ، لم تستوعب أبدا مصرية حلايب وشلاتين، وليس سراً لجوء الرئيس عمر البشير إلى المملكة العربية السعودية ولقاء الملك سلمان لتوسيطه فى هذا الملف الذى يعلم جيدا الموقف المصرى الرافض للتنازل عن أى حبة رمل مصرية شرقاً أو غرباً أو جنوباً، وأعاد نظام الخرطوم تحريك القضية فى مجلس الأمن، وكأنها تحك أنف القاهرة فى توقيت تكالبت على القاهرة الأكلة تكالبها على قصعتها، وبدلا من أن تقف الخرطوم فى ظهر القاهرة فى أزمتها، تعاود الإغارة على القاهرة دبلوماسيا فى توقيت أقل ما يقال له إنه حرج سياسى قاهرى.


الثالث، الساحة الليبية، وذهبت الخرطوم بعيدا عن التنسيق مع القاهرة إلى التنسيق مع عواصم إلى الغرب من ليبيا، وبدلا من تحرك مصرى / سودانى يعيد ضبط الساحة الليبية، ومنع انفجارها فى وجه المنطقة، تتحرك الخرطوم بعيدا، وتخلف مصالحها الحيوية التى تربطها قاهريا، رغم كل الزيارات المتبادلة بين الرئيسين السيسى والبشير، وكأن هناك فى الخرطوم من لا تسعده صفو العلاقات المصرية / السودانية ، وكأن هناك من ينفذ أجندة تتسق مع الأجندة الإخوانية الرامية إلى حصار مصر من الجنوب والغرب والشرق، وتعزلها من محيطها العربى الذى عادت إليه بقوة وفعالية، ومحيطها الإفريقى الذى استعادت فيه دورها القيادى كدولة مؤسسة للاتحاد الإفريقى إلى جانب السودان وإثيوبيا.


كل هذا الملفات الملغومة لابد من حلحلتها وفكفكتها والوقوف على أسبابها ، مصرية أو سودانية، أو كليهما ، ولابد أن تتمتع العاصمتان بالشفافية والصراحة والوضوح فى تنقية هذه الأجواء الملغومة، دون اللجوء إلى سياسة الدروع البشرية، وتعلية نبرة الإهانة والتعذيب وغيرها من المترادفات التى صارت عناوين سودانية فى اتساق كامل مع حملة دولية تقودها منظمات حقوقية دولية تنعت القاهرة بكل ماهو قبيح فى ملف حقوق الإنسان وتمدها هذه الحملة السودانية بأسباب جديدة للنيل من منعة القاهرة على المؤامرة الدولية التى تتعرض لها منذ ٣٠ يونيه وحتى الآن وتتصاعد وتيرتها مع اقتراب الذكرى الخامسة لثورة يناير ٢٠١١.


الملف السياسى له آلياته المرعية ، وقيادات البلدين يتواصلون، واللجان الوزارية والعليا وعلى مستوى القمة وعلى كل المستويات لا تكف عن الاجتماعات، والسفارتان تعملان بكل جهد، وما تعقد يتحلل، طالما حسنت النوايا، أما الملف الحقوقى بين العاصمتين فلابد من وضعه على طاولة الصراحة، حالة بحالة، وتعيين لجنة اتصالات تنعقد بشكل دائم لتنقية الأجواء، ودراسة الشكاوى، وفكفكة الإشكاليات أولاً بأول، لا تترك ذيولا تستخدمها دوائر غربية لجلد العاصمة المصرية، وإذا كان هناك ترحيل للسودانيين من الجانب المصرى، هناك ترحيل وقبض فى الجانب السودانى، وتطالعنا العاصمة المثلثة (الخرطوم) بأخبار توقيف صيادين مصريين بين الحين والآخر ، وعادة متفرج عنهم وترحلهم مشكورة.


أخيرا وليس بآخر، لا مصرى واحد يقبل إهانة سودانى، ولا مصرى واحد يقبل تعذيب سودانى، وخمسة ملايين سودانى بين ظهرانيننا، فيهم أخ وأب وخال وعم وأخت شقيقة، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، والقانون يطبق على الجميع باعتبارهم أولاد وطن واحد، مصر والسودان حتة واحدة..