حوادم

01/12/2015 - 11:18:53

حوادم .. بهيجة مصري إدلبي  حوادم .. بهيجة مصري إدلبي

هالة زكي

عنوان الرواية التي تصدر في سلسلة روايات الهلال الشهرية للشاعرة الروائية بهيجة مصري إدلبي  بتاريخ ١٥ / ١٢ / ٢٠١٥.


قد يكون من المفيد أن نبدأ قراءتنا لهذه الرواية بدءا من عنوانها وهو "حوادم" بمعني أسطورة الوجود الأول وبحساب الحروف حواء + آدم = الإنسان الكامل.


تبدأ الرواية بدخول وجد بطلة الرواية في حيرة أو كما سمتها إرث الحيرة "أية حيرة أورثتني إياها يا أبي كيف لي أن أستدل على حضوري في غياب العالم عني، كيف لي أن أنهض من هذا الصمت الذي يزداد كل يوم كثافة وعتمة، فلا أرى سبيلا إلى وجودي غير التوسل بالحروف".


وحينما غادرها زوجها منذ أكثر من سبع سنوات ومنذ ذلك اليوم شعرت أن نصفها تاه عنها وأنها لم تعد قادرة على البحث عنه لذلك دخلت تيها "ودخلت في عزلة وصمت فكانت الحروف والكلمات سبيلا" يضيء ذاتها فتقرأ ما لم يستطع أحد قراءته من قبل.


وبما أن وجد كانت تعمل في معهد التراث الأدبي بجامعة حلب بسوريا وجدت منذ عام مخطوطة قديمة تعود إلى بداية العهد العثماني وكانت تحمل عنوان "حوادم" للكاتب عارف مصطفى نسيم الطيار الذي عاش بين عامي  1650و1720 ميلادي، حاولت وجد البحث عن المزيد عن المؤلف إلا أن الأحداث الدامية التي تدور في سوريا حالت دون الوصول إلى غايتها خاصة "أن المكتبة الوطنية تم تدميرها بالكامل" فتناثرت الكتب والمخطوطات مع ألسنة النيران... قالت "أي تاريخ سنقرأ بعد ذلك... وما الذي سنتركه لمن سيأتي بعدنا".


لم تيأس وجد للوصول إلى غايتها واستمرت في البحث إلى أن وجدت سيرة مختصرة للكاتب عارف نسيم الطيار، هكذا وجدت نفسها أمام إرث آخر من الحيرة فكلما قرأت المخطوطة كانت تشعر أن عارفا الطيار هو ذاتها ونصفها الغائب في غياب الزمن، وكلما غاصت في أعماق المخطوطة يتراءى لها عارف الطيار في أحلامها.


هذه المخطوطة هي أسطورة الوجود الأول للكائن وهو منزوع من زمنه الفردوسي، أي لحظة الخروج من مكان الحلم والانتماء إلى مكان الذات ليكون الكائن (الذكر والأنثى).


استدعت الكاتبة خطاب التاريخ الماضي لسرد خطاب الرواية الراهن وإنشاء منطقة وسطى بين التاريخ والأدب ويجمع بينهما أن كليهما خطاب سردي، فاستثمرت الكاتبة الشعر والوثيقة التاريخية والأسطورة لإنشاء خطاب روائي.


فجاء أسلوبها من خلال التوغل في الماضي مع الإبقاء على تلك الخيوط التي تربط الحاضر وهو نوع من محاولة للإضاءة على الحاضر ومشكلاته دون التملص أو الهروب من أي منهما.


ولأن الرواية كتبت بروح القصيدة فهناك انتباه إلى حلول الخطاب الشعري، في الخطاب الروائي، سواء في فصل الترانيم أو من رسائل التيه أو المزامير،  لتكون الرواية في كثافة المعنى محفوفة بكثافة الرؤية الشعرية التي هي أكثر مناسبة لهذا التشكيل الوجودي للكائن.


كما أرادت الكاتبة أن يكون السبيل إلى شد رؤى الوصول بين الرجل والمرأة يكون العالم ممهورا  بتوحدهم وأن يكون البحث الكامن في ذاتيهما هو البحث عن الوجود الإنساني، والذي ينشل الكائن من لحظة الحاضر التي يحاصرها الدم والموت والحرب لتكون الرواية أسطورة العالم الأولى وهو يتشكل في غربته عن فردوسه ليس من أجل استعادة هذا الفردوس فحسب، وإنما لإقامة فردوس خاص به على الأرض عبر التماهي بين ذاته والوجود، ليصبح الكائن الإنساني "حو ادم" هو جوهر الماقبل..  والحاضر..  والمابعد.   


هذا وقد اكتسبت الرواية مستويات لغوية تتجاوز النطاق المألوف في الإبداع السائد.