نجيب محفوظ .. الذاكرة والنسيان

01/12/2015 - 11:17:49

نجيب محفوظ .. الذاكرة والنسيان .. د. ممدوح فرَّاج النَّـــابي نجيب محفوظ .. الذاكرة والنسيان .. د. ممدوح فرَّاج النَّـــابي

أحمد شامخ

هذا هو عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في 5/12/2015 للدكتور/ ممدوح فرَّاج النَّـــابي الذي يقول في مقدمة الكتاب: تبدو الكتابة عن قامة مثل نجيب محفوظ مجازفة محفوفة بالمخاطر؛ لأسباب عدِّة منها ما هو متصلٌ بمكانة الأديب الكبير الذي ذَاعَ صيته وإبداعه في الآفاق بعد تتويجه بنوبل في الآداب عام 1988، ومنها ما هو راجعٌ للاهتمام الكبير الذي وَاكبَ نتاجاته الإبداعيَّة، وهو ما حَدَا بلويس عوض لأنْ يصفها بـ«كورس النقاد»، وقد جاءت المُقَاربات لها متنوِّعة حاوية لكافة المناهج التي أخرجتها النظرية الأدبيَّة على مدار تاريخها. لكن الأهمّ من هذا كله هو ثراء العوالم القصصيَّة، وعلاقتها المتعدِّدة التي تجعل منها أُفقًا قابلاً للتفسير وحمّالاً للتأويل المتعدِّد، وهو ما يدفع إلى رحابة في التفسير والتحليل. ومع كون الأسباب السَّابقة قد تكون حائلاً يعوق الباحثين الجدد عَن الاقتراب من العوالم الإبداعيّة عند نجيب محفوظ، إلا أنّها في الوقت ذاته بمثابة الحافز لمواجهتها وَدافعًا إلى إعادة قراءة نتاجاته، وِفْقَ سياقات جديدة، فرضتها تلك الدلالات التي تولَّدت وأفرزتها قراءة النصوص مما جعلها صالحة لكل زمان ومكانٍ.


فالمَيْزة التي اتّسمَ بها إبداع نجيب محفوظ خاصة ـ وهي ما أسهمت إلى حدٍّ بعيد في أن يُحافظ على ديمومته وتهافت الطلب على قراءته، رغم اختلاف السياقات الثقافية والسياسيّة والاجتماعيّة التي تولّدت فيها نصوصه، وكذلك اختلاف الأجيال والأذواق الأدبية ـ هي تجاوز إبداعه لزمكانيته وقابليته للتأويل والتفسير الجديديْن، مع إعطاء دلالات تحيل إلى وقتنا الراهن رغم اختلاف زمن الكتابة، وهي الصِّفَة التي تدفع بإبداع نجيب محفوظ للقمّة والريادة دون منازع، وتجعله مُحلِّقًا بتعدّد دلالاته واتساع رؤاه، وتشابك قضاياه مع انشغالاتنا الحالية بتنوعها سياسيًّا واجتماعيًّا وأيديولوجيًا.


 رغم ما تطرحه المكتبة العربية من كتابات جديدة، لكن ظلّت (وتظلُّ) إبداعات محفوظ بمثابة الذَّاكِرة الحيَّة والأمينة، على تاريخنا الوطني بنضالاته وإخفاقاته وانتصاراته، كما ظلّت هذه الإبداعات على تنوعها وثرائها بمثابة حائط الصّدِّ المقاوم لتغريب الهُوية وطمسها في بعض حالاتها على نحو ما كانت الثلاثيّة الاجتماعيّة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وقبلها الثلاثيّة التاريخيّة (عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة)، شاهدة على النسيج الوطني وتكاتفه من أجل هدف وحيد هو الاستقلال والحصول على الحربة،  وأيضًا إكسيرًا مقاومًا للنسيان، لكلِّ شيءٍ بدءًا مِن ذاكرتنا وانتهاءً بنكران الجميل.


ليس ثمَّة مغالاة في إشارة نجيب محفوظ ذاته على لسان أحد أبطال رواية «أولاد حارتنا» بأن «آفة حارتنا النسيان»، فمع قسوتها إلا أنَّها الحقيقة التي تفسِّر لحالة النكران أو الجحود التي صارَ عليها الجميع وهو الأمر الذي لحقه بعد وفاته، ونجيب حالة خاصة في هذا مثله مثل الأعمال الروائية الخالدة لجوركي وتولستوي وبلزاك وشكسبير. نعم، نجيب ليس أقل مِنْ هؤلاء في شيء بل هو صِنْوهم، فأعماله مازالت خالدةً ومتجدِّدةً، فما إن تقرأ أي عملٍ لنجيب مع اختلاف السِّياق الثقافي والتاريخي الذي أُنْتِجَ فيه، إلا أنك تفاجأ بالمستقبل يطلُّ من بين جنباته. بل إن رؤاه التي هدف إليها وحَمَّلَها لأبطاله في أعماله، هي نفسها التي يتحاور حولها المتفلسفون والسياسيون والنُّخب، أليست قضية الديمقراطية والحرية التي ناقشها نجيب محفوظ في أعماله بدءًا من «عبث الأقدار» إلى آخر عمل «أحلام فترة النقاهة»، هي نفسها التي يتناقش حولها الآن مَنْ يدعون بالنخبة ويدورون حولها، والأمثلة على هذا كثيرة.


هذا هو نجيب محفوظ، وهذا هو إبداعه، بَقيَا وسيبقيان، رغم أَنْفِ المُتَحَذْلِقِين والنّفْعِيين والمُتَحَوِّلِين، الذين استفادوا استفادات جَمَّة مِن الرَّجلِ دون أنْ يبذلوا جَهْدًا ليردّوا له ما أَغْدَقَ عليهم به في حضرته، أو حتى يَرُدّوا عليه بضاعته أو بَعْضًا منها، لكن تبقى جملته الأثيرة تتردَّد وكأنَّها بمثابة الفعْلِ المُحَرِّضِ (والمُؤَنِّب في الوقت ذاته) ضدَّ تخاذلنا في حقِّ  قيمة الرّجُلِ وربما تنكُّرنا له، بأنَّ «آفةَ حارتنا النسيان»، ويمكننا أنْ نقولَ تَتِمَّةً لقوله و«آفة مُؤسساتنا الجُحود والنُّكْرَان والإهْمَال».