الحلم النووى.. وعواجيز الفرح!

26/11/2015 - 9:46:14

بقلم - عبدالقادر شهيب

لأن المشروع النووى كان حلما لنا منذ عدة عقود مضت منذ جاء التوقيع مع إحدى الشركات الروسية لإقامة أول محطة نووية تشمل أربعة مفاعلات نووية فى منطقة الضبعة خبرا مفرحاً، وأضاف عليه التوقيت مزيداً من الفراح أيضاً.. حيث جاء فى وقت ثارت فيه المخاوف على مستقبل علاقاتنا مع روسيا بعد ملابسات حادث سقوط الطائرة الروسية وتداعياته المتمثلة فى وقف السياحة الروسية لمصر بل ووقف رحلات شركة مصر للطيران حتى بين موسكو والقاهرة، الأمر الذى أثار قلقا للرأى العام المصري.. وجاء التوقيع المصرى الروسى على إقامة أول محطة نووية مصرية ليطمئن الجميع الذين أصابهم القلق على متانة وصلابة العلاقات المصرية الروسية.


يعد هذا المشروع النووى المصرى هو أكبر مشروع يقيمه الروس فى مصر ويتجاوز حجم المشروع الأشهر وهو مشروع السد العالى ولكن لأن لكل فرح عواجيزه فإن فرح الحلم النووى المصرى لم يخل من محاولات البعض التقليل منه أو حتى تحويله إلى ضربة من خلال تصوير الحلم الذى طال انتظارنا له بأنه أشبه بالكابوس!


والذين يقللون من فرح الحلم النووي.. بعضهم من له موقف مسبق تجاه المشروع النووى المصرى.. ومنهم من أصابته المخاوف مؤخراً من عدم قدرتنا على إدارة المحطة النووية بكفاءة على غرار ما حدث فى إدارتنا لبعض مرافقنا مثل مرافق الصرف الصحى كما حدث فى كل من الأسكندرية والبحيرة بعد تعرض البلاد لأمطار غزيرة لم يسبق أن شهدتها من قبل.. وأيضاً من بين هؤلاء أصحاب المصالح الذين لم يتمكنوا من إخفاء أطماعهم فى المنطقة المخصصة منذ سنوات لإقامة المحطة النووية المصرية، وهى منطقة الضبعة بالساحل الشمالى، وذلك لاستغلالها فى الاستثمار السياحى، وجاء توقيع الاتفاق النووى المصرى الروسى ليقضى نهائياً على أملهم فى استغلال هذه الأراضى سياحياً وليس نوويا!


فمنذ سنوات وثمة جدل تشهده البلاد بين علماء الطاقة المتجددة المنحازين للتوسع فى الطاقة الشمسية وبين العلماء فى المجال النووى المتحمسين لتنفيذ وتحقيق الحلم النووى المصرى.. وقد ترك هذا الجدل بظلاله على المشروع النووى المصرى.. حيث روج المتحمسون للطاقة الشمسية أنها الأجدى والأقل تكلفة والدائمة والتى لا تعتمد على الخارج، ولذلك يتعين أن تعتمد مصر عليها، خاصة أنها تتمتع بشمس ساطعة فى كل أنحاء البلاد طوال العام على عكس العديد من الدول الأخري.


بغض النظر عن أن علماء المجال النووى يؤكدون أن الطاقة النووية هى الأرخص والأقل تكلفة، فإن وجود شمس ساطعة لدينا ليس مبررا كافيا للاستغناء عن توليد الكهرباء من الطاقة النووية، لأن دخولنا العالم النووى والسلمي، لا يوفر لنا كهرباء نحتاجها وإنما هو يوفر لنا خبرات وقدرات فى هذا المجال متنوعة ومتعددة نحتاجها وسوف تساعدنا على إحراز التقدم فى خطانا الاقتصادية.. ولذلك ليس هناك ما يمنعنا من الجمع بين الطاقة الشمسية والطاقة النووية بل وطاقة الرياح أيضاً مع الطاقة المائية وبقية أنواع الطاقات غير المتجددة والتقليدية التى تعتمد على الغاز والبترول. أما التخوف من أن تفقد مصر استقلالها، كما يروج البعض محذرين، إذا ما مضينا فى مشروعنا النووى، حيث سوف تعتمد فى توفير الوقود النووى على غيرنا، أو الخارج، وتحديداً على من يملكون هذا الوقود وهم دول محددة، فإن هذا التخوف تكتنفه مبالغة ضخمة، خاصة أننا نعتمد على الخارج فى توفير غذائنا وليس الوقود النووى. وأهم سلعة من هذا الغذاء وهو القمح، ولم نفقد استقلالنا.. ربما لضغوط خارجية فى هذا الصدد، غير أننا واجهنا هذه الضغوط ولم نرضخ لها، من خلال الاعتماد على الأصدقاء.


وبالنسبة للمحطة النووية التى سوف نقيمها فى منطقة الضبعة وتشمل أربعة مفاعلات، فإن الاتفاق التفصيلى الذى سوف يتم توقيعه مستقبلا بين مصر والشركة الروسية سوف يتضمن التزاما روسيا بتوفير الوقود النووى لها، وقد سبق أن جربنا وخبرنا وفاء الروس بالتزاماتهم معنا على مدار عدة عقود.. والأكثر من ذلك فإن لدى علمائنا فى المجال النووى مشروعات مختلفة لتوفير الوقود النووى من داخل البلاد، خاصة أن مصر لم تستغل بعد كل مواردها المعدنية ومن بينها اليورانيوم.


وذات الشىء ينطبق على مخاوف البعض من تحرش الدول الغربية بنا سياسياً إذا ما أقدمنا على إنشاء محطتنا النووية، تحت دعوى أن هذا البرنامج النووى المصرى قد يصير غير سلمى، وذلك على غرار ما فعلته أمريكا والغرب مع إيران.. فإن مصر حريصة على أن تؤكد سلمية برنامجها النووى.. ولم تكن مصادفة أن يكرر الرئيس السيسى ذلك فى كلمته التى ألقاها بمناسبة توقيع الاتفاق المصرى الروسى.. ثم إن النموذج الإيرانى ذاته هو نموذج على فشل الضغوط الأمريكية والغربية.. صحيح أن إيران قبلت بعض القيود على برنامجها النووي، خاصة فيما يتعلق بحجم وكمية الوقود المخصب لديها الذى سوف تحتفظ به، ونوعية تكنولوجية بعض المفاعلات النووية التى تملكها والتى تعتمد على الماء الثقيل ، والقبول بالتفتيش الدورى والمفاجىء على مفاعلاتها النووية.. كل هذا صحيح غير أن الصحيح أيضا هو قبول أمريكا والدول الكبرى بأن تستمر ايران فى تخصيب اليورانيوم وأن تحتفظ بكميات منه لديها ، بل والتزمت أيضاً بتوفير ما تحتاجه إيران من وقود نووى لمفاعلاتها النووية كلها.


إذن.. لا الخوف من الضغوط أو الموقت على استقلال البلاد منع إيران أو غيرها من الدول النووية الأخرى التى سبقتها مثل الهند وباكستان من المضى قدماً فى إقامة برنامج نووى خاص بها.. فلماذا نحن فى مصر الذين نأسر أنفسنا وراء أسوار الخوف ونحرم بلادنا من التكنولوجيا النووية التى تتجاوز فوائدها مجرد توليد الكهرباء.. نحن هنا نتحدث عن فوائد التكنولوجيا النووية فى المجالات السلمية وليست التسليحيحة أو العسكرية.


كذلك.. ثمة مبالغة أيضا من قبل الذين يثيرون المخاوف من الإدارة غير السليمة أو غير المنضبطة للمحطة النووية على غرار ما يحدث فى عدد من مرافقنا المختلفة، وهو مالمسناه وعشناه كما يقولون فى غرق محافظتى الاسكندرية والبحيرة بعد الأمطار الغزيرة التى تعرضت لها البلاد مؤخراً.. نعم ثمة تقصير لاينكره أحد فى مواجهة تلك الأمطار الغزيرة، ولكن هذا لا يعنى أن هذا التقصير يمكن أن يتكرر بهذا الشكل فى إدارة المحطة النووية، خاصة أن ثمة ادراك من قبل الدولة لأهمية الإدارة ذات الكفاءة القصوى للمحطة النووية، وخطر حدوث أى خطأ قد يسبب تسرباً إشعاعياً أو أية أضرار أخرى أقل أو أكبر.. ولا ننسى أننا رغم كل مانشكو منه فى أسلوب إدارة بعض مرافقنا لدينا إدارة ناجحة للسد العالى ومن قبله لقناة السويس ونجحنا فى التحدى مرة عام ١٩٥٦ عندما انسحب المرشدون الأجانب، ومرة أخرى عندما قررنا انشاء قناة السويس الجديدة ، أو مشروع ازدواج القناة كما يحلو للبعض تسميته، فقد استمر المرور المنتظم فى القناة دون توقف رغم الحفر والتكريت فى المجرى الرئيسى للقناة.


إذن نحن نستطيع أن ننجح فى إدارة المشروعات والأعمال المهمة ولاشك أننا سوف نتعامل مع المحطة النووية بوصفها مشروعا مهما بل لعلها المشروع الأهم فى هذا العقد.. وأظن أننا نتابع أيضا أنه يحدث بشكل دورى وسنوى فى الولايات المتحدة حدوث كوارث غرق بعض الولايات بسبب الفيضانات الكثيفة، بل أنهم بعيدون بناء بعد المدن سنويا بشكل دورى الآن، ومع ذلك لم يتشكك الأمريكيون فى قدراتهم على إدارة محطاتهم النووية التى يملكونها ويحرصون على الاحتفاظ بها رغم مالديهم من غاز وبترول وفير، ورغم أنهم نجحوا فى تجربة استخراج النفط الصخرى بتكلفة مناسبة.. ثم أن البلاد التى تملك محطات نووية بل وتحتفظ بمخزون من الأسلحة النووية يحدث فيها حوادث شتى ولايسبب ذلك مخاوف لدى أهلها من إدارة غير سليمة وتخلو من الكفاءة لمحطاتها النووية، لأنهم لايدركون أن الدول والحكومات تعطى اهتماما أكبر فى إدارة المشروعات ذات الطبيعة الخاصة والاستراتيجية مثلما نفعل نحن فى مصر مع السد العالى مثلا وأيضا مثلما نفعل مع قناة السويس.


ويتبقى بعد ذلك أصحاب المصالح الذين يبكون مصالح كانوا يبغون تحقيقها فى أرض منطقة الضبعة.. فإن هؤلاء من المفهوم لماذا يسعون ليس فقط للتقليل من فرحتنا ببدء الخطوة الأولى فى تحقيق حلمنا النووى.. فهؤلاء حاولوا طويلا وبذلوا جهدا كبيرا لمنع إقامة المحطة النووية حتى يضعوا أيديهم على أرض الضبعة لاستغلالها فى مشروعات سياحية تحقق لهم أرباحاً هائلة.. ومنهم من حرض بعض الأهالى فى منطقة الساحل الشمالى من أبناء محافظة مطروح لاقتحام الأرض المخصصة لإقامة المحطة النووية فى الضبعة وافساد منشآتها بحجة أنهم يملكون هذه الأرض، مستغلين الظروف الأمنية غير السوية التى كانت تمر بها البلاد، ولولا الجهدالذى قامت به القوات المسلحة ماتم استعادة أرض المشروع النووى فى الضبعة ممن استولوا عليه وماكانت الخطوة الأولى من حلمنا النووى قد تحققت حيث اهتمت القوات المسلحة بإعادة تأهيل الموقع مجددا وإعادة بناء المنشآت التى تضررت خلال عملية الاستيلاء عليه.


وهكذا..


من حقنا أن نفرح فعلا للخطوة الأولى فى تنفيذ حلمنا النووى رغم كل محاولات عواجيز الفرح وأصحاب المخاوف وأيضا أصحاب المصالح.. فقد قهرنا الكثير من العقبات والصعاب لنعيش هذه اللحظة المفرحة.