يوفر ٣ آلاف فرصة عمل وينشط السياحة بالمنطقة: الضبعة.. أول مفاعل فى شمال إفريقيا

26/11/2015 - 9:43:39

تقرير: رانيا سالم

لم يعد حلماً؛ بل أصبح حقيقة.. وبدأت الخطوات الأولى للمشروع النووى المصرى، فقد وقعت الحكومة المصرية اتفاقية بناء أول مفاعل نووى بالشراكة مع المؤسسة الحكومية للطاقة النووية الروسية “روس آتوم”.


وقال مسئولون مصريون إن “هناك ١٧ خبيرا روسيا يتولوا دراسة الموقع منذ شهرين فى إطار الأعمال التمهيدية وبعدها سيتم منح إذن قبول الموقع”، مؤكدين أن “المفاعل المصرى يتضمن أحدث مواصفات المفاعلات العالمية والخاصة بالأمان النووى والسلامة البيئية فهو من الجيل الثالث ويتميز بـ”الغلق الذاتى”.


بعد ٦٠ عاما من الحلم، عندما وقع الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر إتفاقية مع الاتحاد السوفيتى فى عام ١٩٥٥، لتبدأ الآن خطوة التنفيذ الحقيقية مع الإتفاقية التى وقعت فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، لننتقل من عالم الأحلام إلى عالم الحقيقة والتنفيذ، ويبدأ التنفيذ على أرض الضبعة.


ثلاث اتفاقيات وقعتها مصر الأسبوع الماضى، الأولى التعاون بين البلدين فى مجال إنشاء وتشغيل محطة الطاقة النووية على أرض مصر، ووقعها وزير الكهرباء الدكتور محمد شاكر، ورئيس المؤسسة الحكومية للطاقة النووية “روس أتوم” سيرجى كرياتكس.


الثانية اتفاقية تقديم قرض حكومى روسى ميسر لمصر لتمويل إنشاء محطة الطاقة النووية ووقعها عن وزير المالية المصرى هانى قدرى دميان وسيرجى ستارشاك نائب وزير المالية الروسى. ومذكرة تفاهم بين هيئة الرقابة النووية والإشعاعية بمصر والجهاز الفيدرالى للرقابة التكنولوجية على الطاقة النووية الروسية فى مجال الإستخدام السلمى للطاقة النووية.


من جانبه، قال الدكتور وليد زيدان نائب رئيس هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، وهو من وقع مذكرة التفاهم الخاصة بالإستخدام السلمى للطاقة النووية، إن أى مشروع نووى يتضمن شقا تنفيذيا وآخر رقابيا، والآخر ترجم فى مذكرة التفاهم الخاصة بمراقبة وتنظيم الأنشطة النووية بين الجانبين المصرى والروسى، مضيفا: أن هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية ستتولى هذا الأمر، فهى هيئة مستقلة تابعة لمجلس الوزراء أنشئت فى ٢٠١٢، وتقوم بإصدار اللوائح والمتطلبات والمعايير التنظيمية والرقابية للأنشطة النووية، وتصدر تراخيص العمل بعد إجراء عمليات المراجعة والتقويم للأمان النووى، وتتولى التفتيش وإلزام بشروط الترخيص النووى، بالإضافة إلى أنها الجهة المسئولة عن التعامل مع الجمهور وإعطائه المعلومات الكافية عن حالة الأمان النووى والإشعاعى للدولة.


“٥ مراحل”


وبين “زيدان” أن الهيئة تعاونت مع الجهاز الفيدرالى للرقابة التكنولوجية على الطاقة النووية الروسية بوضع خارطة الطريق التى يتم بها العمل والتدريب على المدار الزمنى للمشروع منذ التوقيع وحتى نهايته فى ٢٠٢٦. كاشفا عن أن هناك خمس مراحل للهيئة، أولها إذن قبول للموقع، والثانى إذن إنشاء، ثم تحليل الوقود النووى وإجراءات بدء التشغيل، مرورا بتراخيص التشغيل، وفى المرحلة الخامسة منح ترخيص خروج المفاعل من الخدمة.


وشدد نائب رئيس هيئة الرقابة النووية والإشعاعية على أن الهيئة هى الجهة الوحيدة المعنية بإعطاء هذه التراخيص للجهة المشغلة متمثلة فى هيئة المحطات النووية بوزارة الكهرباء والشركة المنفذة للمشروع شركة روس آتوم الروسية، موضحا أن الهيئة فى طريقها لإصدار إذن قبول الموقع، فهناك ١٤ خبيرا روسيا يتولوا دراسة الموقع منذ شهرين فى إطار الأعمال التمهيدية الخاصة بمجالات متعددة كسرعة الرياح وحزام الزلازل ودرجة الحرارة ومسح التربة، وبعدها سيتم منح إذن قبول الموقع.. أما الإذن الثانى الخاص ببدء العمل فهو الآخر فى حاجة إلى عدد من الدراسات.


“٢٠٠ خبير”


وقال الدكتور وليد زيدان، إن حجم عمالة هيئة الرقابة النووية يقدر بنحو ٢٠٠ خبير فى تخصصات مختلفة ومراحل عمرية متفاوتة من الشباب إلى خبرات متخصصة، لافتا إلى أن هذا الرقم فى حاجة إلى أن يتضاعف وخاصة فى التخصصات الهندسية مع استكمال المشروع النووى.


فى ذات السياق، بيّن الدكتور محمد اليمانى وكيل أول وزارة الكهرباء، المتحدث الإعلامى للوزارة، أن المفاعل النووى المصرى يتضمن أحدث مواصفات المفاعلات العالمية وخاصة فى الجزء المتعلق بالأمان النووى والسلامة البيئية، فهو من الجيل الثالث ٣ generation +، وتتميز هذه النوعية من المفاعلات بإمكانية الغلق الذاتى، كما أنها لن تتأثر باصطدام طائرة تزن بوزن ٤٠٠ طن وبسرعة ١٥٠ مترا فى الثانية، ويبلغ عمرها الافتراضى ٦٠ عاماً، مبيناً أنه وفقاً للإتفاقية تتضمن المرحلة الأولى بناء ٤ وحدات قدرة كل منها حوالى ١٢٠٠ميجا وات.


“بدون عبء”


وعن ميزة التمويل، قال المتحدث الإعلامى لوزارة الكهرباء، إن المشروع لن يحمل ميزانية الدولة أى عبء، فالشركة الروسية قدمت أفضل عقد وعرض للمشروع، كما أن الحكومة المصرية ستقوم برد القرض بعد انتهاء وتشغيل المفاعل.. أى أن السداد على ٣٥ عاماً بعد الانتاج الفعلى للكهرباء من المفاعل، مشيراً إلى أن الجانب المصرى طرح أمامه فى الفترة الأخيرة ثلاثة عروض من “روسيا والصين وكوريا”؛ لكن العرض الروسى كان الأسبق فى المزايا سواء من ناحية الجوانب الفنية أو المالية، كما أن العرض الروسى قدم عددا من المميزات الأخرى كتوفير ٥٠ منحة للدراسات العليا “ماجستير ودكتوراة” للكوادر المصرية، فضلا عن تدريب العمالة والمهندسين المصريين فى روسيا.


“٣ آلاف فرصة عمل”


“اليمانى” أشار إلى أن المفاعل المصرى يعد أول محطة فى مصر وشمال إفريقيا، ويعد بناؤه خطوة هامة فى سياسة تنوع مصادر الطاقة، فالمفاعل سيوفر ملايين الجنيهات قيمة الوقود اللزوم لتوليد الكهرباء من المحطات التقليدية، كما أن العالم أجمع يتجه صوب النووى، فـ٢٦٪ من الكهرباء المولدة عالميا من المحطات النووية، و٤١٪ من الفحم.. وأقل نسبة للغاز الطبيعى، مؤكدا الإلتزام المصرى بإتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية التى أكد عليها الرئيس السيسى أثناء توقيع الاتفاقية.. فالحلم الذى بدأت خطواته الحقيقية فى التحقيق سيستخدم فى مشاريع كثيرة أبرزها تحلية مياه البحر، وسوف يقدم فرص عمل لأكثر من ٣ آلاف شاب ويساهم فى تنشيط السياحة بالمنطقة، لافتاً إلى أن عددا من الدول العربية الشقيقة بدأت فى برنامجها النووى وأن الإمارات العربية والأردن والمملكة العربية السعودية سبقوا مصر فى انشاء محطات نووية، فالإمارات ستفتتح محطاتها فى ٢٠١٦، والسعودية بدأت فى بناء ١٦ مفاعلا نوويا.


“تدريب روسي”


من جهته، كشف المهندس محمد كمال رئيس نقابة العاملين بالمحطات النووية عن أن الجانب الروسى قدم عددا من المنح التدريبية للمهندسين المصريين، كما نص فى بنود العقد، فمنظومة العمل مرحلية، تبدأ بتحديد فريق المشروع وتدريبه من عمالة أو مهندسين، فالجانب الروسى سيتولى تدريب الفريق سواء فى روسيا أو مصر، مشيراً إلى أن المشروع فى مرحلته الأولى فى حاجة إلى ما يقارب ١٢٠٠ مهندس وكيميائى وماليين وإداريين، ويزيد العدد إلى ٤٥٠٠ عند استكمال المشروع، وهو ما يلزم معه إعادة النظر فى الرواتب لجذب الخبرات والكوادر، التى رحلت للعمل فى المفاعلات الأخرى، للعودة للعمل فى البرنامج النووى المصرى.


وطالب رئيس نقابة العاملين بالمحطات النووية بضخ جيل جديد من المهندسين والكيميائيين النوويين بعد بدء المشروع، خاصة مع توقف ضخ عمالة جديدة منذ ٨ سنوات، وهو ما دفع كثيرا من الخبرات للعمل بالخارج؛ لكن الوقت حان لعودتهم لبلادهم.


“مسح التربة”


فى غضون ذلك، قال المهندس أحمد الزهدى المقيم بموقع الضبعة، إن الفريق الروسى البالغ ١٤ خبيرا يتولى عمل الدراسات والمسح بمنطقة الضبعة، من دراسة ومسح التربة وعمل مجسات للتأكد على أرض الواقع من الدراسات والأبحاث التى قدمت له، فالفريق الروسى بدء العمل بموقع الضبعة منذ ثلاثة أسابيع ومن المحتمل استمرار لمدة ٩ أشهر، لحين الإنتهاء من هذه الدراسات التى تؤكد أن مدينة الضبعة والتى تبلغ مساحتها ٦٠ كيلو على ساحل البحر الأحمر، أحد أنسب المواقع الصالحة لبناء مفاعل نووى فى مصر، مضيفاً أن موقع الضبعة الحالى يتضمن عددا من المبانى الإدارية والمعامل سواء الخاصة بالدراسات البيئية أو البحرية وبرجا للأرصاد الجوية ومخازن وورشا ومبانى سكنية للمهندسين، متابعا بقوله: يتم بناء سور ٢٢ كيلو حول المشروع للثلاثة أضلع فالمبنى مواجه للبحر، على أن يطبق كافة المواصفات الهندسية والأمنية والتقنية العالمية من كاميرات مراقبة وليزر وأسلاك شائكة وصعق كهربائى.


“روس آتوم الروسية”


الجدير بالذكر أن شركة “روس آتوم” الروسية Rосатом هى مؤسسة حكومية روسية وهيئة لتنظيم المجتمع النووى الروسى، أنشئت فى يناير عام ١٩٩٢ بموسكو خلفا لوزارة الصناعة والهندسة النووية فى الاتحاد السوفيتى سابقا.


الهيئة أعيد تنظيمها على أنها وكالة اتحادية للطاقة الذرية فى مارس ٢٠٠٤ ثم حولت إلى مؤسسة حكومية، طبقاً لقانون اعتمده البرلمان الروسى فى ٢٠٠٧ ووقعه الرئيس فلاديمير بوتين.


وتقدم شركة «روس آتوم» مجموعة الصناعة النووية التشكيلة الكاملة من منتجات وخدمات، وتدير جميع المنشآت النووية فى الاتحاد الروسي، سواء المدنية والأسلحة، بالإضافة إلى الأنشطة التجارية المتعلقة بالطاقة النووية والوقود النووي.


كما أنها تعمل كجهاز رقابى حكومى أو وكيل حكومى وخاصة فى مجال الأمن القومي، والسلامة النووية والإشعاعية، والعلوم الأساسية والتطبيقية، ولديها السلطة للرقابة على الالتزامات الدولية التى تعهدت بها روسيا فيما يتعلق بالاستخدام السلمى للطاقة النووية وعدم الانتشار.


وقد حددت الحكومة الروسية ثلاثة أهداف رئيسية «للروس آتوم»: ضمان التنمية المستدامة لمجمع الأسلحة النووية، زيادة المساهمة النووية فى توليد الكهرباء «٢٥٪ -٣٠٪ بحلول عام ٢٠٣٠» مع استمرار تحسن السلامة، وتعزيز موقف البلاد فى السوق العالمية للتكنولوجيا النووية، من خلال توسيع الأسواق التقليدية والفوز بأسواق جديدة.


«روس آتوم» تسيطر على الطاقة النووية فى الشركة القابضة للطاقة الذرية الروسية، وشركات الأسلحة النووية، ومعاهد البحوث ووكالات السلامة النووية والإشعاعية، كما أنها تمثل روسيا فى العالم فى مجال الاستخدام السلمى للطاقة النووية وحماية نظام عدم الانتشار.


«مفاعلات حول العالم»


تقوم «روس آتوم» ببناء ٣٧٪ من المفاعلات النووية على مستوى العالم، فرئيس الشركة سيرغى كيريينكو وقع فى ١١ نوفمبر ٢٠١٤ مع رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية على أكبر صالحى على بروتوكول الاتفاق الحكومى الدولى الروسي- الإيرانى لعام ١٩٩٢، والذى ينص على تعاون الجانب الروسى والإيرانى فى بناء ٨ وحدات لتوليد الطاقة من المفاعلات VVER، ومن المقرر أن تبدأ فى بناء أربعة من هذه المفاعلات فى المرحلة الثانية من بناء محطة بوشهر للطاقة النووية، على أن يتم بناء أربعة منهم فى موقع آخر.


وفى ٢٠١٣ أعلنت شركة الكهرباء فى فلندا اختيار شركة “روس آتوم” لبناء مفاعلات الماء المضغوطة لتوليد الكهرباء بتكلفة ٦.٤ بليون يورو، ويبلغ إجمالى استثمارات الشركة فى ٢٠١٢ ٦٦.٥ بليون دولار، تشمل ٢٨.٩ بليون دولار لبناء محطات نووية، ٢٤.٧ بليون دولار لمنتجات اليورانيوم و١٢.٩ بليون دولار لصادرات الوقود النووى والأنشطة المرتبطة بها.