لماذا غضب أصحاب الجنسية المزدوجة وأصحاب المصالح من المشروع النووى؟ الرئاسة تتحدى المؤامرات الأمريكية بـ «الضبعة السلمية»

26/11/2015 - 9:37:45

  الرئيس أثناء استقباله وفد الشركة الروسية  المنفذة لمحطة الضبعة الرئيس أثناء استقباله وفد الشركة الروسية المنفذة لمحطة الضبعة

تحليل إخبارى يكتبه: أحمد أيوب

ليس غريبا أن يسارع بعض رجال الأعمال من حاملى الجنسية الأمريكية للتشكيك فى مشروع الضبعة النووى قبل أن تمر ساعات على توقيع عقد إسناد المحطات الأربع للشركة الروسية، فالمشروع لم يكن على هوى أمريكا التى لا تريد لمصر دخول النادى النووى حتى ولو كان سلميا، وكما عطلته عشر مرات قبل ذلك لن تتوانى فى الوقوف ضد إنجازه هذه المرة أيضا بكل السبل والطرق المشروعة وغير المشروعة بل والقذرة أحيانا، بما فيها استخدام العملاء والضغوط السياسية أو اللجوء لأصحاب المصالح ممن يرون أن المشروع النووى سيعطل مصالحهم ويتناقض مع أطماعهم، أو استخدام ورقة تخويف العالم من خلال الترويج لدعوى أن هذا المشروع بداية لانتقال مصر إلى السلاح النووى.


الرئيس السيسى كان واضحا من البداية بأن الهدف من المشروع النووى المصرى سلمى مائة بالمائة، فلا نية لدى مصر فى دخول صراع التسلح النووى، بل تحترم تماما تعهداتها التى تعلنها فى كل المحافل والمناسبات وتلتزم بتوقيعها على معاهدة منع الانتشار النووى وتعتبرها أحد ثوابتها التى لا تخرج عليها.


لكن للأسف كل هذا الوضوح الرئاسى لم يكن كافيا لإقناع الأمريكان بالتوقف عن محاولاتهم ولا منع إسرائيل من مؤامراتها، بل لا زالت واشنطن وتل أبيب تمارسان كل الألاعيب لاستكمال منع الدول العربية عموما ومصر خصيصا من امتلاك الطاقة النووية، وزاد من إصرارهم على تعطيل المشروع إسناده لروسيا وفى هذا التوقيت تحديدا الذى يشهد بداية الصراع من جديد بين موسكو وواشنطن، فبينما كانت خطة الأمريكان إفساد العلاقة بين القاهرة وموسكو كان قصر الاتحادية يشهد الرد العملى عليهم بتوقيع الاتفاق النووى وبحضور الرئيس السيسى شخصيا، ولولا الظروف لحضر بوتين أيضا، وهذه المفاجأة زادت الغضب الأمريكى.


ولكن أيا كانت محاولات الأمريكان ومؤامراتهم وغضبهم، فمصر هذه المرة لن تقبل التراجع عن تحقيق هذا الحلم الذى استمر لما يقرب من ستين عاما مجرد أمل ينتظره المصريون دون أن يجدوا من المؤشرات ما يؤكد الجدية فى تنفيذه فى أى فترة سابقة، على عكس الوضع هذه المرة، فالإرادة السياسية حاضرة وواضحة منذ اللحظة الأولى ومن الرئيس شخصيا الذى كان صريحا فى التأكيد على حق مصر فى امتلاك الطاقة النووية، ولم يكن الرئيس يسعى بهذا الكلام لاستفزاز أحد أو تحدى دول بعينها بقدر ما كان يعبر عن احتياج مصر الشديد لهذه الطاقة التى لم يعد هناك غنى عنها.


 كان الرئيس واضحا فى مبرراته التى لا تخفى على أحد لاحتياج مصر للمحطات النووية وبشكل عاجل، قالها وكررها أكثر من مرة ليعرف العالم أن مصر صادقة النية وأنها لا تراوغ ولا تسعى لتحقيق أهداف غير سلمية.


فى مقدمة الأسباب التى جعلت مصر لا ترى طريقا آخر للإنقاذ سوى الطاقة النووية، أن مصر لديها مشكلة حقيقية فى الطاقة، فعندما تولى السيسى رئاسة الجمهورية كان عجز الطاقة فى مصر يزيد عن ٤٠ فى المائة ويكاد يقترب من الخمسين بالمائة، ووصل تأثير العجز إلى حد تهديد الأمن القومى لمصر بشكل مباشر من خلال الغضب الشعبى وتوقف أى نشاط صناعى بسبب نقص الطاقة،


من البداية كان الرئيس حاسما فى ضرورة التحرك والبحث عن الحلول العاجلة الناجحة لتخفيض هذا العجز، لكن الرئيس نفسه والحكومة وكل الخبراء كانوا يعلمون أن هذه الحلول هدفها الأساسى القضاء على مشكلة انقطاع الكهرباء فى المستشفيات أو المنازل، لكنها لن تكن تكفى لتحقيق متطلبات التنمية المستدامة التى تسعى إليها مصر، سواء توفير الطاقة المطلوبة للمصانع والمشروعات الكبرى أو التوسع العمرانى.


وفى الوقت نفسه لا تكفى الطاقة الشمسية ولا طاقة الرياح لتعويض هذا النقص، فكل الدراسات التى أجريت أكدت أن توليد نفس كمية الطاقة التى تنتجها المحطة النووية من خلال الطاقة الشمسية يحتاج مضاعفة التكلفة المالية وتوفير مساحات ضخمة جدا من الأراضى تصل إلى ألف ضعف ما تحتاجه المحطة النووية، ومع كل هذا لن تكون الطاقة الشمسية حلا عمليا ودائما.


بالطبع هذا لم يجعل الدولة تتجاهل الطاقة الشمسية تماما، بل اعتمدت عليها فى الحدود الممكنة، فالدولة أعلنت أنها ترحب بأى مشروع للطاقة الشمسية وستدعمه لأنه بديل يمكن الاستفادة منه، كما أن نصف المصالح الحكومية تقريبا، من وزارات وهيئات ومؤسسات عامة، أصبحت تعمل بالطاقة الشمسية ونسبة كبيرة من الطرق تمت إنارتها بالطاقة الشمسية، لكن كل هذا لا يكفى، لأن المطلوب أكبر بكثير ولا تفى به الطاقة الشمسية على الإطلاق.


أمام كل هذه الحقائق لم يكن أمام مصر والرئاسة تحديدا غير البديل النووى مهما كانت التكلفة المالية والمخاطرة السياسية والعقبات التى ستوضع فى طريقه، لم يكن أمام الرئيس السيسى إلا أن يتخذ القرار ويتحمل توابعه دون الرضوخ لأى ضغوط، ولا التخوف من أى شائعات، أو الاستسلام لأى مؤامرات، فمصر تعودت على كل هذه الألعيب، كما أن مصر ليست بدعة فى هذا الاتجاه بل سبقتها أكثر من ٣١ دولة أخرى دخلت نادى الطاقة النووية، وبأعداد كبيرة من المحطات، فعلى مستوى العالم توجد أكثر من ٤٣٠ محطة طاقة نووية، وفى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها توجد الآن ٩٩ محطة طاقة نووية ويتم الآن إنشاء خمس محطات جديدة، وفرنسا بها ٨٥ محطة تعمل فى توليد الطاقة، ومحطة جديدة تحت الإنشاء، واليابان بها ٤٨ محطة تعمل، وكوريا بها ٢١ محطة بجانب ٤ محطات يتم إنشائها الآن، وفى الطريق أكثر من خمسين دولة أخرى بدأت فعلا فى خطوات الاستفادة من الطاقة النووية، والغريب أن كل هذه الدول لم تواجه أى منه نفس المؤامرات التى تتعرض لها مصر سواء من الداخل أو الخارج، بل على العكس كان هناك التفاف شعبى حول حكوماتهم من أجل تحقيق هذا الهدف.


من أسباب تفضيل البديل النووى أيضا أنه ما زال هو الطاقة الأكثر حفاظا على البيئة حتى الآن، والأكثر قدرة على توفير متطلبات المصانع والتنمية الصناعية التى نحتاجها.


ومن الأسباب التى شجعت على الإسراع بالمشروع النووى أيضا الرغبة فى تعزيز الشراكة المصرية الروسية، خاصة فى ظل الأوضاع العالمية والظروف الإقليمية التى تتطلب تحقيق التوازن فى العلاقات، فالعلاقة السياسية والعسكرية تحتاج أن تدعمها مصالح اقتصادية وهو ما يمكن أن تحققه اتفاقية المحطات النووية، لكن بالطبع دون أن يكون هذا على حساب الأمان المصرى، فروسيا واحدة من أفضل دول العالم فى إنشاء المحطات النووية.


أيضا كان هناك سبب علمى تمثل فى رغبة مصر فى تكوين قاعدة علمية كبيرة تعتمد على المشروع النووى، لأن المحطات التى تم التعاقد عليها من الجيل الثالث الذى يمكن استغلاله فى تكوين هذه القاعدة من خلال تكوين مراكز بحثية وتدريبية ترتبط بهذه المحطات.


كما أن هذا المشروع سيكون سببا فى دعم الصناعة المحلية، لأن الاتفاق مع الجانب الروسى تضمن أن تكون نسبة المكون المحلى فى المحطة الأولى ٢٠ فى المائة ترتفع إلى ٣٥ فى المائة بالمحطة الثانية.


التخوفات من مخاطر المحطات النووية لم تكن مؤثرة فى القرار ليس، لأن الرئاسة لا تهتم بها، وإنما لأن الاتفاق تضمن كل الضوابط التى تحقق أعلى نسبة أمان، فبجانب أن المحطات نفسها من الجيل الثالث التى تعد من أعلى ما وصلت إليها التكنولوجيا من عوامل أمان، فجسم المحطة يتحمل قنبلة تزن ألف رطل، كما يتحمل اصطدام طائرة تزن أربعمائة طن.


بجانب هذا فالوكالة الدولية للطاقة النووية لديها كود أمان تطبقه على الجميع ولا يمكن أن تسمح ببناء محطة على خلاف هذا الكود.


وكما يقول الدكتور إبراهيم العسيرى نائب رئيس مجلس علماء مصر فكل الدول النووية لم تشهد كوارث أو مخاطر تسيئ للطاقة النووية أو تجعلها اختيار صعب، بل على العكس تؤكد تجارب هذه الدول أهمية اللجوء لهذا النوع من الطاقة، حتى كارثة تشرنوبل التى أثارت ضجة فى العالم لم يتوف بسببها سوى خمسين شخصا فقط، لكن الضجة التى جرت حولها كانت سياسية متعمدة.


مصادر تكشف حقيقة خطيرة وهى أنه لم يحدث فى العالم أن تم طرح موقع إنشاء محطة طاقة نووية للحوار المجتمعى، لأن هذا يعد من الأمور المرتبطة بالأمن القومى للدولة، لكن فى مصر ضرب أصحاب المصالح عرض الحائط بهذا الأمر وطرحوا الموضوع للنقاش وحولوه إلى أزمة بحجة أن المنطقة سياحية والحقيقة أنها لا تصلح للسياحة والمسافة بينها وبين الساحل تؤكد هذا، لكن كان مقصودا أن يتحول الموضوع إلى قضية رأى عام وإثارة الجميع ضد المشروع بحجج واهية لخلق حالة من الرفض المجتمعى له، لكن الشعب المصرى كان رده عنيفا واحتفل بالمشروع وتوقيع الاتفاق حتى أهالى الضبعة أنفسهم كانوا أكثر المرحبين به، ليؤكدوا أن الأمن القومى مقدم على المصالح الشخصية، ويكتشفوا أن القصة لا تتعدى مجموعة من أصحاب المصالح الراغبين فى تعطيل الدولة.