عناصر الأمان والسلامة فى المحطة النووية بالضبعة

26/11/2015 - 9:34:00

  ماكيت المحطة الروسية التى ستكون  المحطة المصرية على غرارها ماكيت المحطة الروسية التى ستكون المحطة المصرية على غرارها

بقلم - م. محمد مجدى بدر الدين

بتاريخ ١٩ نوفمبر ٢٠١٥ تم توقيع الاتفاق الحكومى للتعاون فى إنشاء وتشغيل مجمع نووى مكون من أربعة وحدات كل منها بقدرة ١٢٠٠ ميجاوات أى بقدرة كلية ٤٨٠٠ ميجاوات فى موقع الضبعة على الساحل الشمالى، وذلك بين جمهوريتى مصر العربية ممثلة فى وزير الكهرباء والطاقة محمد شاكر، وجمهورية روسيا الاتحادية ممثلة فى المدير العام لمؤسسة روساتوم Rosatom النووية الحكومية الروسية.


وتوقيع هذا الاتفاق يتوج مرحلة طويلة وقديمة من العلاقات مع الاتحاد السوفييتى بدأت مع ثورة يوليو ووصلت إلى أعلى نقاطها مع بناء السد العالى، والتعاون العسكرى السوفييتى لإعادة بناء القوات المسلحة بعد نكسة ٦٧، ويدشن فى نفس الوقت مرحلة جديدة من التعاون الثنائى بين مصر وروسيا الاتحادية فى كل المجالات.


جدير بالذكر أن علاقة مصر بالاتحاد السوفييتى فى المجال النووى قديمة ورائدة فى المنطقة، وتعود إلى منتصف الخمسينات عندما قررت مصر أن تقتحم مجال العلوم النووية فى إطار النهضة العلمية فى ذلك الوقت. وعندما تم إنشاء مؤسسة الطاقة الذرية المصرية فى منتصف الخمسينات، ورغم تشعب علاقاتها مع العديد من دول العالم المتقدمة، إلا أنه كانت هناك دائما العلاقة الوثيقة المتفردة بالاتحاد السوفييتى، حيث تلقت مصر فى ذلك الوقت الكثير من الدعم العلمى والفنى المتمثل فى إنشاء المفاعل الأول بأنشاص سنة ١٩٦١، وتزويد مصر بالعديد من المعامل العلمية البحثية، وكذلك المنح الدراسية للفنيين والمتخصصين المصريين.


إلا أنه بالنسبة لتوليد الكهرباء تحديدا باستخدام الطاقة النووية، فإنه عندما شرعت الجكومة المصرية فى بحث ذلك الموضوع فى منتصف الستينات، فإنها توجهت مباشرة إلى الولايات المتحدة حيث تعاونت مع شركة وستنجهاوس فى التخطيط لانشاء محطة نووية فى برج العرب، ذلك المشروع الذى توقف بسبب حرب ١٩٦٧.


وبعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ امتد التعاون فى مجال توليد الكهرباء نوويا ليشمل فرنسا بعد زيارة الرئيس ديستان لمصر ١٩٧٤، وكذلك شمل الولايات المتحدة بعد زيارة نيكسون للقاهرة فى نفس الفترة. وظل التنافس قائما بين فرنسا والولايات المتحدة على الفوز بالمشروع المصرى فى هذا المجال من خلال الأمر المباشر وبكثير من الضغوط السياسية لقرابة العشر سنوات، حتى قررت الحكومة المصرية طرح المشروع فى مناقصة دولية مفتوحة فى منتصف الثمانينات. ولم تتقدم الشركات السوفييتية لتلك المناقصة التى اقتصرت على العرض الفرنسى، والأمريكى اليابانى، والألمانى فقط. إلا أنه فى ذلك الوقت فقد استغل النظام الحاكم حادث تشيرنوبل لتبرير رغبته فى التخلص من صداع المشروع لمدة عشرين عاما اقتصر فيها التعاون الدولى على كندا وكوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفى العام ٢٠٠٧ أعيد إحياء المشروع بمبادرة رئاسية، حيث استمر العمل للتجهيز لطرح مناقصة جديدة لتنفيذ المشروع حتى قامت ثورة يناير٢٠١١ وتم الاعتداء على موقع الضبعة وتدميره من قبل فلول النظام المنهار. وبقيام ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه وتغير معادلات التواجد الدولى فى مصر تلقت مصر لأول مرة منذ الستينات عرضا روسيا فنيا وماليا لانشاء محطة نووية .


وعلاقة روسيا الاتحادية بالطاقة النووية قديمة عموما باعتبارها أحد القوتين الأعظم عسكريا ونوويا، وبتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة النووية خصوصا باعتبارها إحدى الدول الرائدة على مستوى العالم صناعيا وعلميا. ومما هو جدير بالذكر فإن الاتحاد السوفييتى كان أول من أنشأ محطة نووية تجريبية لتوليد الكهرباء فى العالم فى عام ١٩٥٤، وهى محطة أوبننسك بقدرة ٥ميجاوات، وفى العام ٦٣-٦٤ بدأت أول وحدتين من طراز٤٤٠ VVER على مستوى تجارى التشغيل لتوليد الكهرباء، وجدير بالذكر أن الوحدات المزمع إنشاؤها فى مصر هى من نفس العائلة أى مفاعلات الماء العادى المضغوط التى اختارتها مصر كأساس للبرنامج النووى السلمى منذ الثمانينات.


وحسب الأرقام المعلنة لمؤسسة روساتوم Rosatom وهى المؤسسة الحكومية الروسية المسئولة عن إنشاء وتشغيل المحطات النووية الروسية فإن إنتاج الكهرباء نوويا فى روسيا الاتحادية، قد وصل إلى ٢٣٥٠٠ ميحاوات ساعة بنسبة ١٧٪ من قدرة كلية للشبكة الروسية التى تصل إلى ١٣٨٠٠٠ ميجاوات ساعة.


وتعتبر المحطات الروسية من طراز VVER-١٠٠٠ – V-٣٢٠ بقدرة ١٠٠٠ ميجاوات التى تعمل بالماء الخفيف المضغوط وتنتمى لعائلة مفاعلات مزيج من الجيل الثانى – الثالث هى السلف التصميمى للمفاعلات VVER-١٢٠٠ بقدرة ١٢٠٠ ميجاوات وتنتمى للجيل الثالث والمنتظر استخدامها للمشروع المصرى.


وهذا الطراز VVER-١٠٠٠ – V-٣٢٠ الذى استحدث فى بداية الثمانينات، ويعمل منه عدد ٣١ واحد وثلاثون وحدة بنجاح فى العديد من الدول بروسيا وشرق أوروبا وفنلندا وحتى الهند ( ٢٠١٣ ) بخبرة وأقدمية تشغيلية ناجحة وآمنة تصل لـ ٥٠٠ سنة- مفاعل. ويعتمد هذا الطراز مبدأ « حوادث ما بعد الأساس التصميمى « الذى يقوم على التوازن فى الاستخدام بين نظم الأمان السلبية والإيجابية الفعالة.


وبالنسبة للمحطة المخطط إنشاؤها فى مصر فستكون من طراز VVER-١٢٠٠ – AES -٢٠٠٦ الحديث ( التى تم تطويرها فى العام ٢٠٠٦ )، والذى يوجد منه تحت الإنشاء الوحدتان ١ و٢ فى محطة Novovoronezh II نوفوفرونزه ٢، والوحدتان بالتيك ١، ٢ فى محطة Leningrad II لينينجراد ٢، فى روسيا الاتحادية ، والمحطة Belarus ١ فى بيلاروس، ويوجد عدد ٤ وحدات تحت الإنشاء فعليا فى تركيا من نفس الطراز، ويحتمل أيضا الوحدتان ٣ و٤ فى تاميلين فى جمهورية التشيك، ووحدة فى فينلندا.


تنتمى المحطة المذكورة إلى تصميمات الجيل الثالث التى تتميز بشكل عام بأعمار تشغيلية قابلة للتمديد من ٤٠ إلى ٨٠ عاما قبل الحاجة لإجراء الاستبدال الكامل لوعاء ضغط المفاعل، وكذلك فإن الاحتمالات الاحصائية للتلف الكامل لقلب المفاعل أقل كثيرا من تلك الاحتمالات لمفاعلات الجيل الثانى. وتصمم مفاعلات الجيل الثالث لكى تستخدم اليورانيوم بشكل أكثر كفاءة حراريا وبمعدل استهلاك أقل بنسبة حوالى ١٧٪ لكل وحدة قدرة كهربية مولدة. وتتميز مفاعلات الجيل الثالث كذلك بانخفاض ملموس فى تكلفة الصيانة الدورية والطارئة ومعدلات إتاحية أعلى، وكذلك الاعتماد الموسع على نظم الأمان السلبية.


ووفقا لبيانات الشركة المنتجة فإن تصميم محطة (VVER-١٢٠٠ (AES-٢٠٠٦ جاء لتلبية متطلبات السلامة العامة الروسية الصادرة فى عام ١٩٩٧، والتى تتفق مع مجموعة توصيات الأمان النووى الدولية (INSAG) الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية. تلك التوصيات INSAG التى أدت إلى تطوير ما يطلق عليه «الجيل الثالث من « محطات الطاقة النووية، وكذلك مع معايير السلامة النووية الحالية الخاصة بسلامة تصميم محطات توليد الكهرباء النووية، الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى ٢٠١٢.


وكذلك تتفق متطلبات السلامة العامة الروسية المطبقة فى تصميم تلك المحطة أيضا مع الشروط المحددة من قبل WENRA وهى رابطة «المنظمون النوويون» لأوروبا الغربية، الصادرة فى عام ٢٠١٠ فيما يخص محطات الطاقة النووية الجديدة.


وتصميم محطات الــ (VVER ١٢٠٠ (AES-٢٠٠٦) يأخذ فى الاعتبار شروط تمديد التصميم زمنيا (DEC)، المتفقة مع معايير السلامة الحالية للوكالة الدولية، وكذلك فإن تصميمات محطات VVER-١٢٠٠ تحت الإنشاء قد استفادت أيضا من «حادث فوكوشيما فى اليابان عام ٢٠١١» وتأخذ فى الاعتبار بشكل رئيسى الدروس المستفادة منه، وذلك يشمل على سبيل المثال :


التبريد طويل المدى لقلب المفاعل فى حالة الحوادث دون احتياج للطاقة الكهربائية.


إزالة طويلة المدى للحرارة المتبددة لا تعتمد على المصب الحرارى الرئيسى للمحطة سواء كان البحر، النهر، أو أبراج التبريد.


حماية سلامة وعاء الاحتواء للمفاعل عبر نظم مخصصة لذلك فى حال وبعد حدوث انصهار لقلب المفاعل.


وقد تم تزويد التصميم بأنظمة السلامة التى لديها القدرة على ضمان التشغيل المستقر فى ظل الظروف المعاكسة الناتجة عن الظواهر الطبيعية مثل الزلازل، الفيضانات والرياح العاصفة والأعاصير والثلوج، والنهايات العظمى والصغرى للحرارة.


وبالطبع فإن هذا التصميم يقاوم تلك الحوادث التى قد يسببها الإنسان كالاصطدام بطائرة ( أو تصادم مع أجزاء منفصلة عن الطائرات)، أو الموجات التصادمية للهواء، وكذلك مقاومة النيران، أو الغمر الداخلى الناجم عن كسر مفاجئ فى أنابيب المياه.


وتشمل المبادئ الرئيسية للأمان فى التصميم المذكور :


مبدأ السلامة الكامنة، وهو قدرة المفاعل على ضمان السلامة بناء على أسس فيزيائية طبيعية تعتمد عمليات التغذية المرتدة وخصائصها.


مبدأ الدفاع فى العمق، وهو استخدام الحواجز المتعاقبة التى تحول دون التسرب الإشعاعى أو المواد المشعة إلى البيئة، فضلا عن المنظومات التقنية والتدابير التنظيمية لحماية هذه الحواجز.


ويعتبر المفهوم الرئيسى لتوفير وظائف السلامة الرئيسية لهذا التصميم هو :


اعتماد مبدأ السلبية، حيث تستخدم الوسائل السلبية ( التى لاتحتاج لمصدر طاقة للتشغيل) للتعامل مع كل من «شروط تمديد التصميم» و«الحوادث التى تتجاوز أسس التصميم» مثل النظام السلبى لتبريد مولد البخار، والنظام السلبى لتبريد وعاء الاحتواء للمفاعل، وكذلك توفير عمل بدائل احتياطية تبادلية لأنظمة السلامة النشطة.


تستخدم المحطة أربعة نظم تبادلية للأمان ونظم التحكم الخاصة بها.


التنوعية : أنظمة الاحتياطية للأنظمة التى تتولى توفير وظائف السلامة الأساسية تستخدم معدات خاصة بها، وإذا أمكن أيضا مبدأ تشغيل مختلف.


الفصل المادى الكامل لجميع نظم السلامة الأربعة التى تواجه الحوادث والانهيارات بسبب الحريق، حوادث الطائرات أو الحوادث الإرهابية. وكذلك فإن غرف التحكم (غرفة التحكم الرئيسية وغرفة التحكم للطوارئ ) منفصلتان فصلا فيزيائيا كاملا وتقعان فى أماكن مختلفة بالنسبة للمحطة.


وبشكل عام من الناحية الفنية البحتة فإن المهندسيين والخبراء المصريين الذين تعودوا لأربعين عاما على دراسة التصميمات الغربية لمفاعلات الماء الخفيف المضغوط سيجدون فى التصميم الروسى عاليه العديد من الملامح الخاصة المختلفة عن التصميمات الغربية من حيث الشكل والمضمون ولعل أهمها، استخدام عدد ٤ أربعة مولدات بخار أفقية لكل مفاعل بدلا من الرأسية، واستخدام خلايا الوقود ذات المقطع السداسى، وكذلك المنع الكامل تصميميا لاى فتحات أو اختراقات فى النصف السفلى لوعاء ضغط المفاعل لمزيد من الأمان فى مواجهة حالات فقد سائل التبريد، وكذلك استخدام ضواغط Pressurizers ذات سعة أكبر.


حاولت جهدى فى السطور السابقة أن أستعرض ملامح المشروع الوطنى الجديد لإنشاء المجمع النووى لتوليد الكهرباء بالضبعة، وحاولت بقدر الإمكان عرض ملامح الأمان والسلامة بالنسبة للتصميم محل التفاوض (وهى تتفق مع المعايير العالمية) بشكل مبسط مفهوم للقارئ العادى وأرجو أن أكون وفقت فى ذلك.


وعلى هذا الأساس وبناء على ماتم توقيعه من اتفاقية حكومية فإننا نتمنى أن تستكمل المفاوضات لاستكمال التعاقد لاحقا ليتوج جهدا تفاوضيا مضنيا استمر لما يقرب من العام، ويكون ذلك التعاقد واضح المعالم والمسئوليات والواجبات، وأن يتضمن بنودا واضحة لا لبس فيها للتمويل والتدريب والإشراف ومعايير الجودة والأمان، وتعظيم متصاعد للمشاركة المحلية للشركات والهيئات العلمية المصرية فى كافة الأنشطة من الوحدة الأولى للوحدة الرابعة. ولعل كل ما سبق يكون مناسبة لإعادة التأكيد على واجبات الحكومة المصرية داخليا تجاه المسارعة بتجهيز المؤسسات الوطنية المشرفة على تنفيذ المشروع بالكفاءات العلمية والهندسية والتدريب الكافى لآداء المهمة الوطنية دونما أى احتمال لتعريض الأمن القومى للخطر. ولعلنا نعيد التأكيد بمناسبة هذا الحدث الوطنى الجليل على تقديرنا لكل الأجيال المتلاحقة من العلماء والخبراء المصريين الذين عملوا بدأب خلال الستين عاما الماضية منذ منتصف الخمسينات على توطين العلوم والصناعات النووية فى مصر فى وجه كل الظروف المعاكسة سياسيا ودوليا.