الإرهاب والعلاقة المصرية الروسية

26/11/2015 - 9:28:13

  حادث الطائرة الروسية على الأراضى المصرية لم يفسد العلاقات المصرية الروسية حادث الطائرة الروسية على الأراضى المصرية لم يفسد العلاقات المصرية الروسية

بقلم - جمال أسعد

اعتمدت الظاهرة الاستعمارية منذ أن ظهرت إلى الوجود على الاستغلال إلى أقصى حد لتلك الدول المستعمرة بفتح الميم، وقد بدأت تلك الممارسات الاستعمارية مع ظهور الإمبراطوريات التى اجتاحت العالم وسيطرت عليه اعتماداً على مبدأ القوى الذى يسيطر على الضعفاء. ولذا لم يكن هناك مجال لعلاقات متوازية تراعى المصالح المتبادلة والمشتركة بين الأطراف ولا كان هناك قانون دولى يحدد الحدود ويحمى الأوطان حتى كانت حروب الثلاثين عاماً والتى انتهت بمعاهدة وست فاليا عام ١٦٤٨ تلك التى أقرت حدوداً للدول يجب الحفاظ عليها، ولكن للأسف فهذه المعاهدة وتلك الحدود لم تحترم غير القوى حتى إننا وجدنا معاهدة سايكس بيكو عام ١٩٣٦ والتى قسمت الحدود فى المنطقة حسب إرادة ووقف مصالح بريطانيا وفرنسا فى ذلك الوقت.


ظلت مصر ودول المنطقة بل دول العالم الثالث أسرى تلك الإمبراطوريات فتضمحل هذه وتظهر تلك حتى كان عصر الاستقلال الذى توسع وتجذر فى النصف الثانى من القرن العشرين. واستطاعت مصر بعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وبعد معاهدة الجلاء عام ١٩٥٤ أن تحافظ على استقلالها بقدر الإمكان إلا أن أمريكا كانت قد ورثت الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية وكان قد تغير شكل الاستعمار فلم يعد فى إطار الشكل الاستيطانى بل تعددت أشكاله بين سياسى واقتصادى وثقافى وإن ظلت فكرة السيطرة والاستغلال.


لم تتغير وقامت مصر بكسر الحصار الأمريكى العسكرى والاقتصادى بعقد صفقة الأسلحة عام ١٩٥٥، وهنا كانت البداية الحقيقية لبناء علاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى وعلى كل المستويات وكان هذا فى ظل الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتى، نعم كل دولة تسعى إلى مصلحتها ولايوجد فى العلاقات الدولية ما يسمى حباً فى سواد العيون بل لايمكن أن تبنى دولة دولة أخرى على حسابها ودون مكاسب محددة لها.


ولذا فقد كانت العلاقات فى ذلك الوقت تعتمد على الصراع الأمريكى - السوفيتى، فأمريكا وريثت الإمبراطوريات الغربية الرأسمالية حينئذ والسوفيت كانوا يسعون لحلفاء معهم في المعسكر الاشتراكى ذلك المعسكر الذى كان يتوافق ولا يتناقض مع التوجهات الاشتراكية التى تعتمد على العدالة الاجتماعية والتى كانت على رأس أهداف ثورة يوليو، فكان الفارق بين العلاقتين أن العلاقة الأمريكية هى علاقة تبعية فلا سلاح ولا معونة ولا مساعدات على أى مستوي دون مقابل.


أما العلاقة مع السوفيت فكانت علاقة مشاركة وتوافق حول مبادئ، ولذا فقد وجدنا بعد رفض الغرب والأمريكان تمويل السد العالى وقد كان رد فعل ذلك تأميم القناة الذى أعقبه العدوان الثلاثى ١٩٥٦ وهنا تعمقت العلاقة مع السوفيت فكان السد العالى ومجمع الألومنيوم بنجع حمادى وبناء ألف مصنع وتسليح القوات المسلحة. وهذا يعنى أن العلاقة لم تكن على أرضية استعمارية تاريخية ولكنها كانت علاقة فيها المصالح المشتركة متحققة بشكل متواز يرضى الطرفين.


ودليل ذلك أنه حتي بعد تسليح الجيش وبعد حرب ١٩٧٣ كانت حجم الديون للسوفيت لاتصل إلى مليارى دولار. وحدثت فى الأمور أمور وارتمى السادات فى حضن الأمريكان ووضع كل الأوراق فى السلة الأمريكية وكان الانفتاح الاستهلاكى بعيداً عن أى أرضية رأسمالية اقتصادية صحيحة والأهم أن السادات مع بعض دول المنطقة هم الذين أسسوا وساعدوا لظهورهما يسمى بالصحوة الإسلامية التى قدمت لأمريكا خدمة العمر لمساعدتها فى إنهيار الاتحاد السوفيتى والأخطر هو ظهور الظاهرة الإرهابية بداية من طالبان والقاعدة وحتى داعش الآن.


وظلت مصر رهن الإرادة والقرار الأمريكى وصولاً لمبارك والذي كان بمثابة الكنز لأمريكا ولإسرائيل وكانت هبة يناير ٢٠١١ والتى سرقت لجماعة الإخوان بمساعدة أمريكا حيث كانت الجماعة قد قدمت أوراق اعتمادها لدى الأمريكان لمواصلة خضوع مبارك بل قد كانت الجماعة متجاوزة هذا الخضوع وكانت ستقدم سيناء هدية لإسرائيل إلى أن كانت هبة ٣٠ يونيو والتى أعادت مصر إلى طريق الاستقلال الحقيقى وإيقاف هذا المخطط الذى كان ولايزال يستهدف مصر حيث هى الجائزة الكبرى فى مخطط تقسيم المنطقة والتى بدأ التقسيم فيها بالفعل.


وقام السيسى ممثلاً لنظام يونيه للشعب المصرى بالانفتاح على العالم بعلاقات متوازية والأهم دائماً وأبداً هو تعدد مصادر السلاح خاصة فى ظل الانحياز الكامل لإسرائيل لتمكينها من السيطرة على المنطقة.


فكانت صفقات السلاح مع الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا نعم والأهم هو إعادة العلاقات مع روسيا وعلى كل المستويات حتى إن بوتين قد استقبل السيسى بحفاوة غير عادية عندما كان وزيراً للدفاع.


فهل هناك علاقة غير عادية وتختلف عن العلاقات الأخرى؟ نعم العلاقة بين مصر وروسيا غير عادية. ذلك لأن روسيا بوتين تستعيد أمجاد السوفيت ممثلاً فى روسيا.


روسيا تريد تثبيت موضع قدم فى المنطقة بعد سيطرة أمريكا عليها خاصة بعد خروج مصر إلى الحضن الأمريكى حتى يونيه ٢٠١٣ وبعد سحق ليبيا، والأهم بعد تحول سوريا إلى بؤرة صراع دولى بين كل القوى الإقليمية والدولية فكل يريد حجز مكانه وعلى ذلك قد وجدنا التوافق المصرى الروسي فى سوريا والذى تمثل فى موافقة مصر دون غيرها على التواجد الروسى فى سوريا وتأييد الضربات الجوية ضد داعش تلك الضربات التى كشفت العلاقة المريبة بين داعش وتلك الدول ومنها أمريكا وبريطانيا وتركيا وقطر، فالضربات الروسية أظهرت كذب الادعاء الغربى بمحاربة داعش. كما كشف التواطؤ بينهما حيث إن هؤلاء يستغلون داعش لتمرير مصالحهم فى المنطقة تحججاً بإسقاط الأسد وكأن إسقاطه سيحل المشكلة مع العلم أن إسقاط الأسد سيهدم الدولة السورية وهذا ما تريده أمريكا تحقيقاً للمخطط التقسيمى للمنطقة ولذا فهناك اتصال مصالح بين أمريكا ومن معها وبين داعش فقد توحدوا على رفض التواجد الروسى فى سوريا إضافة إلى رفض الطرفين كل بمبرراته لاستعادة مصر قوتها ودورها وعلاقاتها مع روسيا.


فهل بذلك نستطيع أن نقول إن هناك تعاوناً ما بينهما على إسقاط الطائرة الروسية فى سيناء، حتى تسوء العلاقة بينهما وحتى يكون هذا مبرراً لما حدث في مواجهة مصر من محاولة اسقاطها بعد سحب السياح الحملة الحقيرة التى أظهرت مصر وكأنها دولة ونظام وحكومة وشعب إرهابى يصدر الإرهاب للعالم. فى الوقت الذى شاهدنا فيه العكس مع فرنسا بعد تلك الهجمات السبع في باريس، وبالرغم من هذه العلاقة الموضوعية والمتوازية المصالح بين مصر ورسيا وجدنا فى مصر من يستدرج إلى تحليلات لا علاقة لها بالسياسة ولا معرفة لها بالعلاقات الدولية وسئ إلى روسيا وإلى بوتين بمجرد أنه اتخذ قرارات كان لابد منها لمصلحة شعبه تلك القرارات التى قد
أستوعبتها القيادة المصرية وأن كان ذلك متأخراً، نعم العلاقات المصرية الروسية لابد أن تدعم وتعمق وتجذر لصالح البلدين ولا أكون مبالغاً لو قلت لصالح المنطقة فهل هناك دليل على قوة العلاقة بعد توقيع اتفاقية قرض إقامة المحطة النووية المصرية والتى ستكون بعد أربعة مفاعلات من الجيل الثالث وهو أحدث ما وصل إليه العلم الحديث، بل فهذا القرض سيسدد على خمسة وثلاثين عاماً وهو أفضل العروض لهذا المشروع، ولذا فهذا القرض وذلك المشروع هو رسالة للعالم كله بحجم العلاقات مع روسيا. ولذا لايجب أن نتوقف عند سفاسف الأمور، فالعلاقات بين الدول لها حدودها ولها أهدافها وتتوجها المصالح المشتركة. ولذا يجب أن تكون حادثة الطائرة فرصة لمزيد من التعاون أيضاً فى مجال محاربة الإرهاب، بمصر روسيا دولتان تعانيان قبل غيرها من الإرهاب ونظرتهما واحدة تجاه هذا الموقف وما يجمعها أكثر كثيراً مما يغرقهما وسيكون الموقف الروسى المصرى من الإرهاب طريقاً صحيحاً للعالم كله لمحاربة هذا الداء الذى لن يسلم منه أحد ما يزرعه الإنسان أياه يحصد.