هل يسأل المواطن الفرنسى أو الأمريكى عن سياسة دولته؟

26/11/2015 - 9:13:48

  طائرات فرنسية تشارك فى القتال ضد داعش وسوريا طائرات فرنسية تشارك فى القتال ضد داعش وسوريا

بقلم - د. ناجح إبراهيم

أفرزت التفجيرات والاغتيالات التي قامت بها داعش في باريس يوم ١٣ نوفمبر الحالي قضايا فقهية وشرعية خطيرة .. فقد قامت داعش بقتل المدنيين الفرنسيين سواءً في الاستاد أو في المسرح أو غيرها. ولم تجد داعش تبريراً لأعمالها الإجرامية في حق المدنيين الفرنسيين إلا تبريراً واحداً وهو سياسة فرنسا ضد المسلمين في عدة دول .. وزادت مواقع التواصل الاجتماعي الأمر سخونة حينما ذكرت بعض جرائم الاحتلال الفرنسي ضد الجزائريين. فهل يجوز أن يحاسب المواطن العادي أو يقتل لأن قاتليه يعترضون على سياسة دولته؟ وهل المواطن العادي مسئول عن سياسة دولته؟


• وهل يحاسب الحفيد الفرنسي مثلاً على ما فعله بعض أجداده منذ قرابة ٧٠ عاماً ؟


• وهل رأيت أحداً يحاسب حفيداً - إن كان حفيده حقاً - على ما فعله جده من نفس الوطن - إن افترضنا أنه جده الحقيقي؟


• وهل يجوز لأحد أن يقتل الأتراك اعتراضاً على سياسة تركيا الخارجية؟


• أو يقتل الأمريكان اعتراضاً على سياسة أمريكا الخارجية؟


• وهل دفع المواطن العادي الضرائب للدولة يعد رضا عن سياستها الخارجية أو يعتبر بذلك شريكاً في سياستها؟


• لقد طرحت هذه الأسئلة عدة مرات؟ وأول مرة طرحت هذه الأسئلة حينما تبنت القاعدة أسوأ نظرية في كل تاريخ الإسلام والفقه الإسلامي وهي نظرية «القتل بالجنسية» وذلك بعد أن أصدرت في نهاية التسعينيات بياناً تدعو فيه لقتل كل أمريكي ويهودي .. وكانت هذه أول مرة تدعو فيها حركة تدعي الإسلام تدعو فيها للقتل بالجنسية.


• أما المرة الثانية التي أثيرت فيها هذه المسألة حينما بدا لداعش أن تقتل بالمذهب فتقتل كل شيعي بحجة أنه مسئول تضامناً عما فعله المالكي وكل الميليشيات الشيعية.


• وهذا بدوره كان رداً ساذجاً وخاطئاً وسقيماً ومجرماً من داعش على ما فعلته بعض الميليشيات الشيعية من القتل بالاسم والمذهب.


• ثم جاءت داعش فهددت في البداية بقتل الصحفي الأمريكي «ستيفن سوتلوف»إذا لم توقف أمريكا هجماتها عليها في العراق .. ظناً من داعش أن مثل هذا الصحفي البسيط يتحكم في السياسة الأمريكية العسكرية أو الدولية أو هذا التهديد سيوقف الهجمات.. فما كان من والدة «سوتلوف» إلا أن وجهت رسالة توسل إلى زعيم داعش ترجوه فيها أن يعفو عن ابنها اقتداءً بالنبي محمد «ص» وتعلمه قاعدة ذهبية بقولها «إن ابني ليست له سيطرة على السياسة الخارجية الأمريكية».


• ولكن أنيّ لداعش أن تفهم رسائل هذه الأم التي تحدثهم عن عفو النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» وتعرف عفوه أكثر منهم ..أو تخبرهم أن الإنسان ليس مسئولاً عن سياسة دولته لا في الدول الديمقراطية ولا في الدول الديكتاتورية.


• وأزعم أنني من أوائل من تصدي لهذه القضية وقتها بحثاً ودراسة .. وبعض ذلك في كتابي «برقيات مهمة إلى شباب الأمة» .. وكتاب «داعش السكين التي يذبح الإسلام» .. وكتاب «تفجيرات الرياض الأحكام والآثار».


• وقد طرحت هذا السؤال وأجبت عليه في كتبي القديمة أيضاً منذ أكثر من خمسة عشر عاماً حينما أحدثت القاعدة خرقا ً في الفقه الإسلامي بتبنيها لنظرية «القتل بالجنسية» عام ١٩٩٧حينما دعت إلى قتل كل أمريكي ويهودي في العالم في بيانها الشهير.


• لقد نسي هؤلاء جميعاً أن المسلمين الأوائل قاتلوا الروم والفرس ولم يقل أحد من فقهاء الإسلام بقتل كل رومي أو فارسي .. بل إن الإسلام سبق القانون الدولي الحديث في النهي عن قتل المدنيين وذلك بنصوص واضحة لا لبس فيها.. فهذا نبي الإسلام يهتف بميزان العدل في جيوشه أمرا ً «لا تقتلوا طفلا ً ولا امرأة ولا فانيا ولا زمنيا»أي المريض مرضاً مزمناً « ولا راهباً في صومعته».. وهؤلاء كانوا لا ينخرطون في الجيوش وقتها ..ويطلق عليهم الآن لفظ «المدنيون».


• وهذا عمر بن الخطاب يقول «لا تقتلوا الفلاحين الذين لا يناصبونكم العداء» والفلاحون تعبير يعبر في عصره عن المدنيين غير المقاتلين أو المنخرطين في الجيوش.. وقد أوضح عمر بن الخطاب العلة في عدم قتال المدنيين أنهم لا يناصبون أحداً الحرب أو القتال وأنهم ليسوا من أهل القتال والمقاتلة .. وإذا كان الإسلام قد أدخل امرأة النار في هرة حبستها ولم تطعمها فكيف إذا قتلتها بغير حق .. وكيف إذا قتلت إنساناً بغير حق .. وهل الهرة أعظم عند الله من دماء الإنسان المعصومة .. وكل الدماء معصومة .. وهذا الأصل لا يشذ أبداً .. ولا تزول العصمة عن الدماء إلا بدليل أنصع من شمس النهار.


• وهل خلق الله الكيان البشري ليهدمه البعض أو يسفك دمه البعض الآخر .. فالإسلام جاء بالإحياء والإسعاد ولم يأت بالقتل والإتعاس.


• وهنا نعود إلى سؤالنا الرئيسي مجدداً: هل المواطن مسئول عن سياسة دولته؟


• والإجابة أن المواطن ليس مسئولا عن أبيه ولا أمه ولا أخيه ولا حتى ابنه.. فكيف يكون مسئولاً عن سياسة دولته.. وهو ليس من صناعها ولا من أهل التأثير الحقيقي فيها.. قال تعالى»أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى».. وليس ما سعت فيه حكومته أو قامت به دولته .. إنها شخصية المسئولية والعقوبة أيضا ً التي سبق بها الإسلام القانون الوضعي بـ١٥ قرناً كاملاً.


• وينطبق هذا على الدول الديمقراطية أو الديكتاتورية.. ففي الديكتاتوريات لا قيمة للمواطن أصلاً ولا لريه يهأيه ولا يستطيع حتى أن يجهر برأيه فكيف يقتله البعض وهو لا رأي له أصلاً .. وفي الديمقراطيات قد يفوز الرئيس بفارق ١ ٪.. أي أن ٤٩٪ من شعبة قد لا يرتضونه ولا يوافقون على سياساته الخارجية فضلا عن الداخلية .. وهذا ما حدث مع جورج بوش الابن.. حيث كان ٦٥ ٪ من الأمريكان يرفضون غزو العراق في استطلاعات الرأي الأمريكية.. ولكن جورج بوش الابن ضرب بكل هذا عرض الحائط وغزا العراق وتسبب في كل الكوارث التي تمت بعد ذلك وكان تسريح الجيش العراقي وتفكيك العراق سبباً رئيسياً في نشأة داعش.


• وعندما رددت على هذه الفكرة الغريبة التي طرحتها القاعدة قام د. أيمن الظواهري بالرد علي قولي في أحد كتبه قائلاً: إن الأمريكي يدفع الضرائب التي تمول الجيش والسياسة الأمريكية فهو بذلك مسئول عن كل ما تفعله دولته؟ ولعل داعش الآن تدعي أن المواطن الفرنسي مسئول عن سياسة دولته لأنه يدفع الضرائب.


• وقد كتبت رداً وقتها على الظواهري وعلى هذه الفتوى العجيبة وغير المسبوقة قائلا ً: «الضرائب قديمة قدم الزمان.. وهي إجبارية وليست اختيارية.. وتصرف في مئات المصارف أحدها الإنفاق على الجيوش.. وقد كان الفرس والرومان وكل الأمم التي حاربها المسلمون يدفعون الضرائب ولم يحدث في تاريخ الفقه الإسلامي كله أن قال أحد الصحابة أو التابعين أو السلف أو العلماء بقتل كل رومي أو فارسي بحجة أنهم يدفعون الضرائب والمكوس.. أو يقولون بأن المواطن مسئول عن سياسة دولته.. أو أن المواطن العادي الذي جاء مع الحملة الصليبية مثل الزوجات والأبناء والأمهات مسئولون عن جرائم الحملة الصليبية.. رغم حضورهم معهم .. «فكل نفس بما كسبت رهينة « ولا تجازي الزوجة بفعل زوجها في عمله .. ولا يجازي الابن بفعل أبيه في عمله .. فالقاعدة القرآنية العظيمة التي ترسي العدل وشخصية المسئولية والعقوبة هي « أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى «.


• وهذا كله يذكرني بما فعلته المجموعات الليبية المسلحة ومنها أنصار الشريعة مع العمال المصريين الذين يعملون في ليبيا.. حيث ضربوهم بالرصاص أو داسوهم بالأحذية وهم يقولون لهم: «خلي السيسي ينفعكم».


• كما ذهبت هذه الميليشيات إلى مساكن العمال المصريين وقتلوا المسيحيين منهم بحجة مسئوليتهم عن عزل مرسي.. مع أن هذا المواطن المصري المسكين لا شأن له بالسياسة والحكم من قريب أو بعيد.. وقد يمكث شهوراً في ليبيا لا يعرف عن أخبار السياسة في مصر أو العالم شيئا ً.. ومعظمهم من أهالي الصعيد الذين تركوه بحثاً عن لقمة العيش الحلال وكابدوا المخاطر من أجلها ولم يأتوا بحثاً عن السياسة أو طلباً لها أو ترفاً .. ولو كانوا من أهل السياسة والترف والسعة ما غامروا بغربتهم ووحشتهم في هذه البلاد في ظروفها المعقدة .. ولكنه جهل داعش بالشريعة السمحة وقسوتها علي الإنسان المسكين المدني عادة وهروبها دوماً في ميادين القتال مع الجيوش وهم أسود علي المدنيين فحسب .


• إن هذه الفتاوى البائسة التي تتناقلها أجيال الجماعات التكفيرية أمثال القاعدة وداعش وأنصار بيت المقدس وأنصار الشريعة وجبهة النصرة جيلا ً وراء جيل تمثل أكبر خطرا على الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية الغراء الرحيمة والحكيمة.. وإذا كان الإنسان ليس مسئولا عن ابنه ولا يستطيع أن يتحكم في تصرفاته.. فهل يكون مسئولاً عن سياسة دولته؟!.


• فالطغيان الأمريكي لا ينبغي أن ينسينا قاعدة العدل القرآني «وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى».. وشنآن: أي ظلم وبغي.


• وإذا كان بعض الأجداد الفرنسيين في الجيش الفرنسي الذي احتل الجزائر قد سفكوا دماء الجزائريين أو قتلوهم بغير حق أو ظلموهم أو أخذوا أموالهم وديارهم، فهؤلاء الجنود الفرنسيون ومعهم الضحايا الجزائريون عند الله ولا يحاسب الأحفاد من الفرنسيين على ما ارتكبه هؤلاء الأجداد فلكل ما كسب أو اكتسب.


• لقد كانت أم ستيفن أعقل وأحكم من داعش حينما حاولت أن تفهمها أن ابنها وأمثاله لا يتحكمون في سياسة أمريكا.. وأنه أقل شأناً من ذلك.. ولكنها كانت تخاطب من لا يرحم ولا يعقل ولا يفقه ولا يعفو .. وها هي داعش تكرر الخطأ ألف مرة دون أن تستفيد منه أو تتعلم شيئاً جديداً.