بروتين الفقراء.. سعد زغلول أول من اهتم به وعاطف صدقى آخر من حافظ عليه الحكومة تتخلى عن ساندوتش الفول

26/11/2015 - 8:57:30

  عدسة: محمد فتحى عدسة: محمد فتحى

تحقيق: محمد السويدى - عدسة: محمد فتحى

منذ قديم الأزل، والمصريون يعشقون وجبة الفول «بروتين الفقراء»، داخل البيت تجد الأسرة المصرية تجتمع على طبق الفول فى الصباح الباكر ومعه بعض قطع الطعمية والبصل الأخضر والباذنجان المقلي، وخارج البيت يصبح ساندوتش الفول لا غنى عنه فى الشغل والنادى والمدرسة والجامعة والمقهى، حتى فى جلسات الأحبة على الكورنيش صباحا، تجد ساندوتش الفول ثالثهما، ليس هذا فحسب، ساندوتش الفول اجتمع على عشقه والتمسك به الغنى والفقير، الوزير والغفير، الطفل والشيخ الكبير، حتى السائح الذى يحل ضيفا على مصر، لا يبدأ مزاراته اليومية بدون ساندوتش فول فى مطعم الفندق.


أهمية ساندوتش الفول عند المصريين، جعلت المساس به، بمثابة مساس بالأمن القومى للمواطن نفسه، وغير مقبول أن يخرج العامل أو التلميذ صباحا لشراء ساندوتش الفول، فيقول له البائع : مفيش فول النهاردة، هذا يهز عرش الحكومة، وهى دائما حريصة على ألا يهتز عرشها بسبب ساندوتش فول، فمثلما هى حريصة على توفير القمح بكميات كبيرة ولشهور كثيرة قادمة كمخزون استراتيجي، تجدها أيضا مهمومة بتوفير الفول، ومثلما كان بعض رؤساء الحكومات فى مصر يدركون أهمية الفول جيدا ، ويبذلون قصارى جهدهم على عدم المساس به سواء من حيث السعر أو مكوناته، بداية بسعد باشا زغلول ومصطفى النحاس باشا فى عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي، مرورا بحكومات محمد نجيب وجمال عبد الناصر وعلى صبرى بعد ثورة يوليو ووصولا لآخر رؤساء حكومات احترموا ساندوتش الفول ولم يقبلوا بالمساس به مثل د. عاطف صدقي، تجد رؤساء حكومات آخرين قبلوا بملطشة ساندوتش الفول وحدوث زيادات مضاعفة فى عهدهم ولاسيما فى مطلع الألفية الثالثة، وعلى رأسهم عاطف عبيد وأحمد نظيف.


فى الآونة الأخيرة تضاعف سعر ساندوتش الفول بشكل مبالغ فيه، فأصبح ثمنه فى المناطق الشعبية ١٢٥ قرشا و١٥٠ قرشا وهذا بالنسبة لنصف رغيف بلدى، ويزيد سعره مع الرغيف الشامى بمقدار ٢٥ قرش، وفى المناطق الراقية وسلاسل المطاعم الشهيرة مثل جاد، والتابعي، وآخر ساعة، وأرابياتا، يتراوح سعره بين ٢٠٠ قرش و ٢٥٠ قرشا من العيش الشامي، فى حين يتراوح الثمن بين ١٥٠ قرشا و٢ جنيه فى محلات الشبراوي، والبغل، والجحش، وهى من المطاعم الشهيرة فى قلب القاهرة، ويزيد السعر بمقدار ٢٥ قرشا لساندوتش الطعمية، لدرجة أن قرص الطعمية الواحد فى تلك السلاسل يبلغ سعره جنيها واحدا، فى حين أنه فى المناطق الشعبية يبلغ ٢٥ قرشا بعد أن كان سعره قبل ٥ سنوات عشرة قروش، أى أن الفرد الواحد يحتاج خمسة جنيهات كحد أدنى لتناول فطوره من ٣ ساندوتشات فول وربما لا تكفى لسد جوعه، وبالتالى فالأسرة المكونة من ٥ أفراد يذهب عائلها لعمله، والأبناء الثلاثة فى مدارسهم وجامعاتهم، والأم بمفردها فى البيت، يحتاجون لتناول وجبة الإفطار من ساندوتشات الفول والطعمية فقط بـ ٢٥ جنيها يوميا وبدون أى إضافات أخرى من ساندوتشات الجبن والمربى والبيض، وهو مبلغ كان فى الماضى وحتى أواخر التسعينيات كبيرا ويكفى لأسرة أن تأكل به وجبة غذاء مكونة من فرخة وصينية بطاطس فى الفرن وأرز وسلاطة، الحال بالطبع تبدل وأصبح غلاء الأسعار سمة العصر، فى ظل غياب الرقابة والمصيبة أكبر بالطبع فى المطاعم وبصفة خاصة فيما يتعلق بلحم الفقراء «الفول”.


فى شهر فبراير الماضى خرج علينا وزير التموين الحالى الدكتور خالد حنفي، بتصريحه الشهير المتعلق بساندوتش الفول، وقد تناولته جميع وسائل الإعلام المقروءة منها والمرئية قائلا: إن الوزارة تدرس حالياً مشروعا للتعامل مع عربات الفول، المنتشرة فى كل محافظات الجمهورية، وتعد السبيل الأساسى لغذاء الأسر فى المناطق الفقيرة، وتخفيفًا عن كاهل هذه الأسر سيتم تخفيض الساندوتش بقيمة ربع جنيه تقريبًا.


فرح المواطنون الغلابة بكلام الوزير، رغم أنهم كانوا يأملون فى تصريحه تخفيضا أكثر يصل إلى ٧٥ قرشا أو حتى ٥٠ قرشا، انتظروا حتى صباح اليوم التالى واليوم الذى يليه ومرت الأسابيع والشهور ولم ينفذ الوزير وعده بخفض سعر ساندوتش الفول، بل وصل الأمر إلى قيام بعض المطاعم ولا يستثنى من ذلك تلك الموجودة فى الأحياء الشعبية أو فى المناطق الراقية برفع سعر ساندوتش الفول بحجة رفع سعر الدولار، وتساءل معه المواطنون عشاق عربات الفول وساندوتش الفول: حتى الدولار مش سايب ساندوتش الفول فى حاله ؟!


قمنا بجولة صباحا فى عدد من مطاعم الفول بالأحياء الشعبية، وجدناها مكتظة وأصوات الزبائن تعلو وتختلط، أحدهم يطلب ٣ ساندوتشات فول وآخر يطلبها بالطحينة وثالث يرفع كميته إلى ٤ ساندوتشات ولكن هذه المرة بالزيت الحار، البداية كانت فى مطعم ظهر عليه قدم الزمان بمنطقة عزبة عثمان بك بشبرا الخيمة، زحام شديد من الطلبة وعمال المصانع وبعض الموظفين ، قدرة الفول يتصاعد منها أدخنة المدمس برائحته الجميلة، ويقوم على بلاسى صاحب المطعم بإخراج الفول بـ «الكبشة الطويلة» من القدرة فى طبق ستانلس كبير، ثم يقوم بهرسه ووضع الزيت والملح والليمون والكمون وقرن الفلفل، وبعدها يصبح ساندوتش الفول جاهزا ، تلك المدة لا تستغرق دقيقتين ، ودفع الزبون بعدها ١٢٥ قرشا للساندوتش الواحد واستمر الزحام فترة طويلة وبعد نصف ساعة تقريبا فرغ على بلاسى من مهمته وقام آخر باستكمال المهمة بدلا منه.


سألناه لماذا هذا الغلاء فى ثمن ساندوتش الفول؟ فقال: أسعار الفول والزيت زادت، شيكارة الفول سعة ٢٥ كجم ارتفع سعرها بشكل كبير فى الأشهر الأخيرة من ١٣٠ جنيها إلى ١٥٠ جنيها والآن ثمنها ١٦٥ جنيها، أى أن سعر الكيلو جرام الواحد حوالى ٦.٦٠ جنيه، وده للفول المستورد، فى حين أن الفول البلدى سعره تخطى عشرة جنيهات، ولا تستخدمه المطاعم ، لأنه فى حال استعماله سيرتفع سعر ساندوتش الفول إلى ٢ جنيه فى المطاعم الشعبية وثلاثة جنيهات فى المطاعم الكبيرة، زجاجة الزيت هى الأخرى لم تسلم من غلاء سعرها، وصار سعر جركن الزيت سعة ٣٠ لترا حوالى ٢٧٠ جنيها، هذا فضلا عن ارتفاع أسعار فواتير الكهرباء فى المطاعم، فلا تقل الفاتورة عن ألف جنيه فى الشهر، ونشترى أسطوانات الغاز الكبيرة فى أشهر الصيف بـ ٤٠ و٥٠ جنيها وفى الشتاء تصل إلى ٨٠ جنيها، رغم أن التعريفة الخاصة بها من قبل الحكومة ٢٠ جنيها وهذا بسبب غياب الرقابة، ناهيك عن رغيف العيش نحن نشترى الخبز غير المدعم الرغيف بـ “ربع جنيه « ورغيف الشامى بـ ٢٠ قرشا، وهناك أيضا فاتورة المياه وقد زاد ثمنها هى الأخرى، فضلا عن أجرة العاملين، فتصل يومية العامل فى المطعم إلى ٦٥ جنيها وتزيد إلى ٨٠ جنيها لمن يقف أمام نار صينية قلى الطعمية، وأنا لدىَّ ٤ من العاملين يتقاضون يوميا ٣٠٠ جنيه وأقوم بشراء خضار للطعمية من كرات أخضر وبقدونس وكسبرة وملح بحوالى ١٠٠ جنيه يوميا، كل هذا تسبب فى رفع سعر ساندوتش الفول والطعمية فى السنوات الأخيرة، وكانت الزيادة الكبيرة فى عهد الرئيس الأسبق مبارك بسبب ارتفاع الأسعار بشكل جنونى وغياب الرقابة ثم زادت فى أعقاب ثورة ٢٥ يناير، لا سيما أسعار مكونات الفول والطعمية من فول تدميس وفول مدشوش وزيت وخضراوات وخبز.


ذهبنا إلى مطعم آخر فى حى إمبابة ولم يختلف الوضع كثيرا عما يوجد فى مطعم بلاسى بشبرا الخيمة، يقول عم إبراهيم رمضان « ٦٥ سنة « صاحب مطعم فول وطعمية بجوار سوق إمبابة: أنا ورثت المهنة أبا عن جد ونقوم بعمل ساندوتشات الفول والطعمية منذ أربعينيات القرن الماضي، وكان سعر ساندوتش الفول آنذاك مليما واحدا، ثم زاد فى أواخر الأربعينيات إلى ٢ مليم، وعقب ثورة يوليو ٥٢ صار سعر الساندوتش المفضل لدى المصريين ٤ مليمات، وقد مر والدى بكل هذه المراحل وعند وفاته فى عام ١٩٨٥ كان ساندوتش الفول بـ ٥ قروش، الآن أصبح ثمنه ١٢٥ قرشا نصف رغيف بلدى و١٥٠ قرشا للرغيف الشامى ونفس السعر لساندوتش الطعمية، مضيفا اشتكى كثيرون من الزبائن من غلاء أسعار ساندوتشات الفول والطعمية، لكن الموضوع خارج عن إرادتنا، فالأمر بيد الحكومة، هى الوحيدة القادرة على خفض أسعار حبوب الفول والزيت وفواتير الكهرباء والمياه وأسطوانات الغاز، وحينئذ سينخفض سعر ساندوتش الفول.


سألنا أحد الزبائن قام بشراء ساندوتشات فول وطعمية من مطعم فى منطقة باب الشعرية وآخر من مطعم أرابياتا الشهير بشارع شبرا، الأول قال إنه قام بشراء ٢ ساندوتش طعمية و٢ ساندوتش فول ودفع ٦ جنيهات، والثانى اشترى نفس كمية الساندوتشات ونوعيتها من المحل الشهير ودفع ٩ جنيهات، سألنا الأول وهو موظف بمكتب الصحة، هل أنت راضٍ عن ساندوتش الفول، فأجاب : مش راض عنه، لم يعد كما كان فى الماضى حجمه قل وكمية الفول قلت بداخل الساندوتش، حتى المذاق اختلف، مشيرا إلى ولديه أحمد وخالد فى المرحلتين الإعدادية والثانوية وكلاهما يشترى من نفس المطعم بـ ٦ جنيهات يوميا، وسألنا الثانى وهو مهندس مقيم فى منطقة شبرا مصر، لماذا تشترى من أرابياتا، فقال حاجته نضيفة بس غالية.


الوضع لم يختلف كثيرا أمام عربات الفول المنتشرة أمام المصالح الحكومية والمدارس فى وسط ميادين القاهرة بالسيدة زينب والجمالية والعباسية والمطرية والهرم، الأسعار كما هى فى المطاعم، ساندوتش الفول نصف رغيف بلدى بـ ١٢٥ قرشا وعربات أخرى بـ ١٥٠ قرشا، ولا يزيد الثمن عن ذلك، فى حين أن سعر رغيف الشامى الصغير جنيه واحد والرغيف الوسط بـ «١٥٠ قرشا».


يقول عم أحمد صاحب عربة فول فى منطقة المنيرة بالسيدة زينب: غصب عننا نرفع السعر على المواطن، بس نعمل إيه، العيشة بقت غالية والأسعار كل يوم فى غلاء والحكومة مش بتعمل حاجة فى الناس اللى بترفع أسعار المواد الخام ومنه لله الدولار هو سبب مصايب البلد، مضيفا أن أغلب زبائنه من العاملين بمستشفى قصر العينى وطلبة الطب والصيدلة وكذلك الموظفون فى وزارتى التموين والتعليم العالى لقربهم من عربة الفول، ولثقتهم فى الساندوتش بتاعى اللى واقف بعمله هنا من ٣٥ سنة، ويبدأ يوم عملى الساعة صباحا وينتهى الساعة ٣ عصرا، وبسؤاله عن كمية الفول وصغر حجم رغيف العيش، فقال رغيف العيش صغر حجمه بالفعل، وبالتالى كمية الفول قلت فى الرغيف بسبب حجمه، بس ده مش ذنبنا، التموين ومخابز العيش هى المسئولة عن ذلك.