الوجبة الاقتصادية اعتراف مهم من الحكومة

26/11/2015 - 8:51:03

بقلم - نجوان عبد اللطيف

«إنتم عايزين إيه من الحكومة؟ قدمت لكم وجبة فيها لحمة وخضار وسمنة وطماطم وكمان عصير بـ٣٠ جنيها فقط، مفيش حاجة عجباكم»، هذا رد صديقتى الغاضب على كلامى «ليس هذا هو الحل» تعليقاً على قيام وزارة التموين بتوفير وجبات فى المجمعات الاستهلاكية تتضمن، بروتين حيوانى نصف كيلو لحم مستورد أو فرخة وزنها كيلو، أو كيلوكبدة مستوردة أو سمك أو لحم مفروم، بالإضافة إلى خضار من نصف إلى كيلو حسب النوع وكيلو طماطم ومثله بصل و٣٥٠ جرام مسلى صناعى وعلبة صلصة وعلبتى عصير صغير، يتراوح سعرها بين ٢٥ جنيها و٣٠ جنيهاً.


قلت لها هذا اعتراف من الحكومة (أحد رجالها قال إن المصرى يقدر يعيش بفلوس كتير ويقدر يعيش بـ٢ جنيه فى اليوم) إن وجبة الغذاء التقليدية للأسرة المصرية متوسطة الحال صغيرة العدد كما قال وزيرها للتموين: هذه الوجبة تكفى أربعة أفراد وتتضمن أرزا وخضارا ولحمة أو فراخا أو سمكا، إذا تناولتها الأسرة يومياً لكانت تكلفتها ٩٠٠ جنيه فى الشهر.


وإذا أضفنا ٢٠ جنيهاَ فقط للإفطار والعشاء (أضعف الإيمان) لأصبحنا بحاجة لـ٦٠٠ جنيه إضافية، المجموع ١٥٠٠جنيه و١٠ جنيهات لساندوتشات المدارس، و٦ جنيهات مصروف الطفلين فى المدرسة و٤ جنيهات ثمن كوبين من اللبن، وصلنا إلى ألفي جنيه و٢٠٠ جنيه تقريباً، ولو قلنا نتقشف وليس ضرورياً كل يوم لحمة وفراخ، نقسم الوجبة على يومين أوناكلها يوم والتانى ناكل فول، إذن الأسرة المصرية الملتزمة بتنظيم الأسرة تحتاج بالكاد لـ١٧٥٠جنيهاً شهرياً للطعام فقط، مع إضافة شاى وقهوة وسكر وفاكهة ٣٥٠ جنيها تصل تكلفة الغذاء والشراب ٢١٠٠جنيه دون حساب تكلفة الغاز والكهرباء والإيجار والمواصلات، والكساء ومصروفات التعليم والعلاج.


بدأت صديقتى المدرسة التى تتقاضى ألفا و٥٠٠ جنيه راتبًا شهريأ بالحوافز والمكافآت ومتزوجة من طبيب يعمل فى أحد مستشفيات الحكومة راتبه ألفا جنيه، ولديها طفلان فى المدارس التجريبية، تشكو حالها تقول أنها تتكلف مواصلات يوميا ١٠ جنيهات، وإذا احتاجت تاكسى ذات مرة تنهار الميزانية والشهر الفائت احتاجت الذهاب لطبيب الحساسية بعد أن عانت مع التأمين الصحى وطبيب لم يستطع تشخيص حالتها، اضطرت للذهاب للطبيب الأستاذ بـ٣٠٠ جنيه للكشف وعلاج ٢٠٠ جنيه، ولولا مساعدة والدتها لما استطاعت العلاج لأنها تدفع إيجارا شهريا ١٢٠٠ جنيه، وزوجها يحاول العمل فى المستوصفات لتوفير بعض النفقات، ويهمل الدراسات العليا مضطراً. ثم قالت أنا لا أعرف إيه الحل؟ حتى السفر إلى الخارج ليس متوفراً، ابنى سألنى ليه ما نشجعش السياحة ونساعد مصر ونروح شرم الشيخ، ضحكت وقلت له إنت عارف الرحلة تكلف كام؟ أقل أسعار ألفين جنيه لأسرتنا، إحنا عايزين مصر تساعدنا.


تضيف صديقتى: أقول لك أنا استقبلت قصة وجبات المجمعات ببعض الراحة، لأنها تعنى فقط إن إحنا على بال الحكومة، لكن بالفعل ليس هذا الحل، وطالما هم فاهمين وعارفين إن الأسعار ارتفعت فوق احتمالنا -إحنا الطبقة الوسطى – لازم يبحثوا عن حلول حقيقية.


«أنا دايماً أتساءل لما إحنا حالنا كده.. أمال الفقرا عاملين إيه؟»


ارتفاع أسعار الغذاء بالفعل يلتهم دخل الأسرة المصرية الذى هو دون المستوى، يشير تقرير الدخل والإنفاق للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لعام ٢٠١٣ إلى أن متوسط نسبة إنفاق الأسرة المصرية على الغذاء ٣٧.٦ ٪ من الدخل الكلى وهى نسبة مرتفعة بالنسبة لدول العالم وتزداد النسبة بين الـ١٠٪ الأكثر فقراً لتصل إلى ٤٨٪ تقريباً من دخلهم، بينما تنخفض ذات النسبة إلى ٢٧٪ للـ٩٠ ٪ الأعلى.


الأرقام تؤكد أنه كلما انخفض مستوى الدخل ترتفع نسبة الإنفاق على الغذاء وفى دراسة للجهاز المركزى عن ميزانية الأسرة نجد نسبة الإنفاق على الغذاء بالنسبة للدخل الكلى تصل بين سكان المقابر والأحواش والعشوائيات إلى ٦٣٪، فى الوقت الذى تنخفض فيه إلى ٥٠٪ للأسر التى تعيش فى سكن غرفة وأكثر وتصل إلى ٣٨٪ للذين لديهم سكن خاص و٢٤٪ للأسر التى تعيش في فيلات.


هل هذه الوجبة ذات الثلاثين جنيهاً يمكن أن يستفد منها الـ١٠٪ الأفقر؟، سألت عامل النظافة فى الشركة التى تقوم بتنظيف مجموعة من العمارات الفاخرة، قال: أنا عندى ٤ عيال ومراتى وأبويا وأمى ومرتبى ألف جنيه ولولا طيبة وكرم بعض السكان كنا ملقناش اللقمة، فرخة واحدة تكفى مين ولا مين إحنا كبيرنا فى الأكل الأجنحة والهياكل واللحمة فى المواسم من أهل الخير، أكلنا مكرونة بطاطس محمرة جبنة بقوطة، الدنيا صعبة عايزين يساعدونا يرجعوا كمية الزيت الزيادة على البطاقة، ويزودوا السكر والأرز، ويفرضوا على الشركات الخاصة ترفع الحد الدنى للاجور.


هذا حال مصر تقف من بين أواخر الدول الفقيرة فى العالم التى ينفق فيها أهلها الجانب الأكبر من دخلهم على الأغذية، بينما نجد النسبة فى كندا لا تتجاوز ٩.٦٪ طبقا لدراسة لقسم البحوث الاقتصادية فى الخارجية الأمريكية لعام ٢٠١٣ وفى ألمانيا ١٠.٦٪ أما النسبة فى تركيا ٢١.٦٪ وفى الهند ٢٩ ٪ وتشير دراسة أخرى لجامعة واشنطن عن العلاقة الطردية بين زيادة نسبة الإنفاق على الغذاء وسوء التغذية، حيث تشير إلى ارتفاع معدل زيادة الإصابة بسوء التغذية لدى الأطفال المصريين من ٢٠ إلى ٣٠٪ بينما تصل فى كندا والدول المتقدمة إلى ٥٪ فقط من بين إجمالى عدد الأطفال.


القصة ليست قصة وجبة ولكن منظومة كاملة هل يعقل أن الدولة تخصم ضرائب من العاملين الذين يتجاوز دخلهم ٩آلاف جنيه سنوياٌ، أى أقل من ألف جنيه شهريا أى أن هذا المرتب الذى لا يغطى تكلفة هذه الوجبة الاقتصادية وحدها يتم خصم ضريبة منه! بينما تقوم الدنيا ولا تقعد عندما تقرر الدولة زيادة ضريبية ٥٪ فقط على الدخل الذى يتجاوز مليون جنيه سنوياً ولمدة ٣ سنوات فقط، وترضخ الدولة أمام مليونيراتها وتلغى هذه الضريبة التى كان متوقعا أن توفر ٣ مليارات جنيه، كما تخفض الضريبة من ٢٥٪ لـ٢٢.٥.٪، وبعد أن قررت ضريبة على أرباح البورصة واستجابت للتعديلات التى طلبها الكبار تعود وتلغيها تحت ضغوط هؤلاء الكبار الذين لا يرد لهم طلب، بل وتلغيها بأثر رجعى وتعيد بعضا ممن جمعته، وتخسر موازنة الدولة ٣.٥مليار جنيه، بينما ترفض طلب الغلابة لرفع حد الإعفاء لـ١٢ ألف، جنيه سنوياً، لن يشفع للحكومة عند الفقراء فرخة أو طبق لحم، منظومة الاقتصاد كلها بحاجة إلى إعادة نظر خذوا (وجبتكم) ولكن أعطونا عدلاً يأخذ من الكبار لصالح الصغار.