خبراء: خفض قيمة الدولار أمام الجنيه يأتي بنتائج عكسية.. والحكومة الخاسر الأكبر عصا طارق عامر .. وأفعى الدولار !

26/11/2015 - 8:38:52

تحقيق: أميرة إبراهيم

يتولى طارق عامر منصب محافظ البنك المركزي رسميًا ٢٧ نوفمبر الجاري، لكن الرجل بدأ العمل على حل أزمة الدولار قبل تقلد مهام منصبه رسميًا، بقرارات لم تأت نتائجها بعد.


وبعد صدور قرار من رئيس الجمهورية بقبول استقالة هشام رامز وتعيين طارق عامر، قرر الأخير خفض سعر الدولار أمام الجنيه المصري، وهو القرار الذي أثار التعجب كونه أسهم في إنعاش السوق السوداء لاتساع الفجوة بين السعر الرسمي وغير الرسمي والذي وصل وفقا لمستوردين وبعض مكاتب الصرافة إلى ٨٦٠قرشا.


وأثار قرار الخفض أسئلة حول السياسات النقدية التي يعتزم طارق عامر اتخاذها فترة ولايته، وهل هي سياسة تدعم الجنيه بغض النظر عن قيمته العادلة وبغض النظر أيضا عن شح العملة الأجنبية في السوق الرسمية أم لا؟، وهل يراهن عامر علي الودائع الدولارية الموجودة في البنوك محاولا اجتذابها بعد أن قامت البنوك العامة الثلاثة)  الأهلي – مصر والقاهرة) برفع سعر العائد على بعض الأوعية الادخارية لـ ٪١٢.٥ في مواجهة أسعار فائدة للودائع الدولارية تتراوح بين٪ ١- ٣ على أقصي تقدير.


«قرارات البنك مركزي الأخيرة – تخفيض سعر الدولار وزيادة سعر الفائدة علي الودائع وضخ مليار دولار في السوق – أثارت جدلا واسعا في السوق المصرفي بين مؤيدين ومتحفظين علي الإجراءات الأخيرة. وفي جولة لـ «المصور» بين شركات الصرافة، اتضح أن الشركات لا تلتزم بسعر صرف الدولار الرسمي المعلن من البنك المركزي، وكذلك هامش الربح المقرر.


يقول موظف بإحدى شركات الصرافة بمنطقة وسط البلد، إن السعر الدولار المتداول في السوق يتراوح بين ٨٦٠ قرشا و٨٦٥ قرشا، في مقابل سعر رسمي معلن من البنك المركزي بـ ٧٨٣ قرشا، مشيرا إلى أن بائعي الدولار يلجأون لتغييره من شركات الصرافة لا من البنوك كونها تمنح سعرا أفضل من البنك.


وقال مدير إحدى شركات الصرافة بمنطقة الدقي إن سعر الدولار ارتفع بشكل ملحوظ عقب قرار البنك المركزي بخفض قيمة الدولار، لأن جميع المتعاملين علي الدولار والمضاربين عليه يدركون جيدا أن الخفض في قيمة الدولار لم ينتج عن زيادة في المعروض وإنما مجرد  «مراوغة « من البنك المركزي حتي يتخلى حائزو الدولار عنه متوقعين ارتفاعه مجددا، وهو الأمر الذي أدي إلى الاحتفاظ بالدولار، مما تبعه نقص في المعروض وبالتالي ارتفع السعر أي أن النتيجة التي استهدفها المركزي جاءت عكسية .


نتائج عكسية


بدوره، يوضح محمد النجار، عضو الشعبة العامة للمستوردين، أن سعر الدولار شهد ارتفاعا تدريجيا في السوق السوداء علي مدار الأسبوعين الماضيين بشكل ملحوظ، لافتا إلى أن السعر قفز لـ متوسط ٨٦٠ قرشا خلال الأسبوع الجاري مقارنة بـ٨٥٠ قرشا خلال الأسبوع السابق عليه فيما لم يتجاوز السعر ٨٤٠قرشا قبل أسبوعين ماضيين، ما يعني أن القرار أدى إلى نتائج عكسية.


وأشار النجار إلى أهن كلما استمر النقص في العملة الأجنبية انتعشت السوق السوداء للعملة، مشيرا إلى أن أغلب المستوردين يلبون احتياجاتهم من تجار العملة لا من البنوك نظرا لان البنوك تضع أولويات لصرف الدولار، مؤكدا أن السوق بعد ما ضخت البنوك ٨٠٠ مليون جنيه لسداد احتياجات المستوردين للإفراج عن السلع المحتجزة بالموانئ لم يشهد عمليات ضخة بهذا الحجم، وهو ما يكشف عن حقيقة المعروض من النقد الأجنبي بالأسواق .


في السياق ذاته، أبدى الدكتور أحمد قورة الرئيس السابق للبنك المصري الوطني، تحفظه علي تدابير البنك مركزي الأخيرة وتحديدا خفض قيمة الدولار وزيادة سعر الفائدة علي بعض الأوعية الادخارية، لافتا إلى أن هذة التدابير لا تخرج عن كونها مسكنات لمشكلة الدولار الأمريكي ونقص العملة الأجنبية، لافتا لأن البنك المركزي تعاون مع البنوك لتغطية الطلبات الدولارية للمستوردين من الموارد الذاتية للبنوك.ز


وقال إن تخفيض قيمة الدولار لم ينتج عن زيادة المعروض منه، موضحا: البنك المركزي يؤدي لعبة من طرفين الأول هم مضاربو السوق السوداء والثاني أصحاب المدخرات الدولارية حتي يحفزهم علي بيع ما بحوزتهم من الدولار، مؤكدا انه طالما كان خفض قيمة الدولار ناتجا عن قرار أقرب إلى كونه سياسيا.


وتابع أن الفجوة ستتسع بين السعرين في السوق السوداء والرسمية، وهو ما يدعم نشاط السوق السوداء، لأن المضاربين بها يعلمون أنه لم يحدث أي زيادة في المعروض ومن ثم سيقومون بالاحتفاظ بما لديهم من دولارات وشراء المزيد منها لا بيعها بعكس ما يتوقع البنك المركزي وهو ما قد يضر بسوق الصرف مستقبلا.


الحكومة الخاسر الأكبر


واعتبر قورة أن محاولة البنك المركزي جذب العملة الأجنبية من خلال زيادة الفائدة علي العملة المحلية لـ ٪١٢.٥  أمر محفوف بالمخاطر المصرفية لأنه في الوقت الذي تستهدف فيه الشهادات جذب مدخرات العملاء الدولارية فإنه من المتوقع أن تقوم البنوك الثلاثة التي رفعت الفوائد علي الشهادات لتصل إلى  ١٢.٥ ٪إلى   تعويض ارتفاع تكلفة تمويل الودائع هذه من خلال رفع تكلفة الإقراض، وباعتبار أن الحكومة أكبر مقترض علي الإطلاق من السوق المصرفي المصري فإن ذلك يجعل التوقعات قوية حول رفع أسعار الفائدة علي أدوات الدين المحلي.


ولفت إلى أن سعر الفائدة علي الدين المحلي شهد ارتفاعا ملحوظا حتي قبل طرح هذه الشهادات حيث كان العائد على أذون ١٨٢ يوماً  وصل إلى مستوى ٪١١.٦٢٣، فى المزاد الذى طرحه المركزى الخميس قبل الماضى، مقابل٪١١.٥٦٦ سجلها فى مزاده الأخير لشهر أكتوبر، ومقترباً من أعلى مستوياته التى سجلها نهاية يونيو الماضى عندما بلغ ٪١٢.٣٠٤، وذلك قبل أن يتخذ اتجاهاً هابطاً فى الشهور التالية، كما قفز العائد على أذون ٢٦٦ يوماً إلى مستوى ٪١١.٧٢٥ مقابل ٪١١.٤٤٦ سجلها فى مزاد سابق.


إسماعيل حسن المحافظ الأسبق للبنك المركزي، ورئيس بنك «مصر ايران» قال إن طبيعة سعر الصرف تعتمد علي الصعود والهبوط، مضيفًا أن خطوة البنك المركزي الأخيرة (تخفيض قيمة الدولا ) جاءت لإعلان أن كل الاحتمالات قائمة في سعر الصرف، فكما ينخفض الجنيه من الوارد ايضا أن ينخفض قيمة الدولار في سوق الصرف المصري تأكيدا علي أن اتجاه الدولار ليس في الصادر فقط، وهو الأمر الذي يشجع حائزي الدولار علي بيعه خوفا من تراجعات جديدة في سعره مستقبلا، وهو الأمر الذي دعمه البنك المركزي بإجراء سابق لتخفيض الدولار ألا وهو رفع سعر الفائدة علي بعض الأوعية الادخارية ) شهادات ادخار ( لـ ١٢.٥ ٪ حتي يخرج المدخر من وعائه الادخاري الدولاري ويجد وعاء ادخاريا اكثر جاذبية، وأكد حسن انه قام بمثل الخطوة وقت توليه منصب المحافظ ونجحت في جذب مبالغ لايستهان بها من المدخرات الدولارية.


وشدد حسن على أنه ليس بالضرورة أن يعبر هذا الاجراء عن سياسة طويلة الأمد للمحافظ الجديد بدعم الجنيه المصري، «بل يمكن أن يكون إجراء خفض قيمة الدولار أمام الجنيه مجرد خطوة إيحائية للسوق أن الدولار في النازل، وحتى يعطي انطباعا لدى سوق الصرف أن الجنيه عملة ليس ميأوس منها»، حسب وصفه.


وأوضح حسن أن تخفيض قيمة الدولار مؤخرا يمكن اعتباره محاولة لجذب الدولار للقطاع المصرفي، وحتى يقوم العاملون في السوق السوداء بالتخلص مما لديهم من عملة خوفا من المزيد من التراجع في سعر الدولار، ومع ضخ مبالغ إضافية من قبل البنك المركزي والبنوك العاملة في السوق يصبح الاتجار في العملة من خلال السوق السوداء أمرا بالغ الخسارة للعاملين فيه .


عجز الموازنة


أما الدكتور سامي السيد، أستاذ المالية العامة ورئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد العلوم السياسية، فأشار إلى أن الدولة التي تعاني عجزا بالغا في الموازنة العامة يوازيه عجزا في ميزان المدفوعات لصالح الواردات التي سجلت ٦٤ مليار دولار وتراجعا حادا في الموارد الدولارية، ومن المنطقي جدا أن تقوم بخفض العملة الأجنبية لتسكين آلام فاتورة الواردات من جهة وتخفيض عجز الموازنة العامة من جانب آخر.


ويرى السيد أن قرارات البنك المركزي الأخيرة استهدفت في الأساس خلق انطباع لدي السوق المصرفي بانتعاش الجنيه في مقابل الدولار، ليحدث طلب علي الجنيه في مواجهة الدولار، وهو ما قد يخلق انتعاشة حقيقية للجنيه بالتوازي مع طرح مليار دولار في سوق الصرف لتغطية احتياجات المستوردين والإفراج عن السلع المحتجزة في الموانئ، وكذلك رفع سعر الفائدة علي بعض الأوعية الإدخارية لخلق طلب حقيقي على الجنيه قد ينعشه بشكل حقيقي>


وشدد السيد على أن معالجة أزمة النقد الأجنبي ليست مسؤولية البنك المركزي وحده وانما مسئولية جميع جهات الدولة، مؤكدا أهمية الإسراع في حل مشكلات المصدرين واعتماد آليات تحفيزية جديدة للتصدير لجذب المزيد من العملة الأجنبية، بالإضافة إلى ضرورة فتح أسواق تجارية جديدة أمام المنتجات المصرية لتعويض الفاقد من العملة، الذي كانت تدره الأسواق التي فقدتها مصر بسبب الربيع العربي أو الركود الاقتصادي الذي أدي تراجع الاستهلاك العالمي وانخفاض الاسعار العالمية بالتبعية.


وواصل: يجب تنظيم دخول وخروج النقد الأجنبي لسوق الصرف المصري بشكل أكثر مرونة من القواعد المعمول بها حاليا والتي تضح حدودا قصوي للسحب والإيداع الدولاري، وهو ما أدي إلى هروب العديد من تحويلات العاملين بالخارج وكذلك فقدان جزء كبير من حصيلة الصادرات المصرية للخارج .


 ومضى أستاذ المالية العامة يقول: من الصعب في الوقت الحالي التنبؤ بالسياسات النقدية للبنك المركزي في ظل قيادة طارق عامر، لافتا إلى أن هناك خطورة حقيقية من الخطوة التي قام بها البنك المركزي والمتعلقة بخفض سعر الدولار إلا أن هذا الخفض يمكن أن يشجع المستوردين علي الاستيراد وهو ما يمثل مزيدا من استنزاف عملة ليست متوفرة في الأساس .


ضرب السوق السوداء


في المقابل، قال علاء سماحة، المستشار السابق لوزير المالية، إن البنك المركزي استهدف من قرار خفض قيمة الدولار اللعب علي نفسية المتعاملين وخاصة تجار الصرافة والسوق الموازية، لافتا إلى أنه ليس السعر العادل للجنيه في الوقت الراهن.. وتابع: لابد من إنقاذ الموقف بشكل مؤقت لزيادة الطلب علي الجنيه وضرب السوق السوداء التي توقفت فيها حركة البيع والشراء بعد قرار خفض قيمة الدولار، فالتجار يخشون الشراء بأسعار مرتفعة، وفي نفس الوقت يخشون أيضا البيع بأسعار متدنية تكبدهم الخسائر، وهو الأمر الذي سيجعل العرض يمتد للجهاز المصرفي.


ونوه إلى أن التوجه نحو الدولار أصبح اتجاها حكوميا بحتا بعد قيام الحكومة بتوفير السلع من منافذ تابعة للدولة، ومن ثم باتت الدولة مستوردة للسلع، وهو الدافع نحو تخفيض قيمة الدولار لتخفيف العبء علي الدولة وإجبار المستوردين علي تخفيض وارداتهم حتي يتمكنوا من المنافسة مع الدولة.


وأكد سماحة بالرغم من أن خفض قيمة الدولار لم تنتج عن زيادة في المعروض منه إلا أن قرار البنك المركزي بالخفض كان بمثابة تكنيك – بحسب تعبيره – والعبرة بالناتج الذي تبع ذلك حتي وإن كان مؤقتا، حيث أصيبت السوق السوداء بالجمود فلا بيع ولا شراء فيها، وهو ما تبعه كذلك تنسيق واضح بين المركزي والحكومة التي تسعى هي الأخري لتوفير الدولار من خلال الاقتراض من البنك الدولي وطرح سندات باليورو، وكلها إجراءات تخلخل السوق السوداء والتي بمجرد القضاء عليها سيتم ترك سوق الصرف للسعر والطلب .