قابــــوس سلطان.. أم صاحب رسالة؟ شهادة تاريخية

25/11/2015 - 2:15:10

بقلم - عادل سعد

«قابوس سلطان أم صاحب رسالة» عنوان لأحدث كتاب يصدر عن دار رياض الريس ببيروت للزميل الصحفى المخضرم بالمصور عاصم رشوان، ومدير مكتب جريدة الخليج الإماراتية بمسقط عاصمة سلطنة عمان.


الكتاب شهادة تاريخية مهمة بعد ربع قرن من السنوات، قضاها عاصم وهو يرصد أفلاجًا توفر المياه، ويقال إن من بناها الجن، وكهوف ساحرة وقلاع تاريخية عتيقة وحصون، ومزارات لا تنسى كشواطئ القرم وبيوت مطرح وخريف ظفار. مع الأيام صار عاصم رشوان عاشقا لسلطنة عمان، وجزءا من ملامح عاصمتها الواقعة بين الجبال والحاصلة لمدة أربع سنوات على التوالى على لقب: أنظف عاصمة فى العالم.


مفاجأة هذا الكتاب أن عاصم رشوان يتحدث بصراحة عن شخصية جلالة السلطان قابوس المعظم، هكذا يناديه أبناء شعبه هناك، ولا أحد ينكر أن السلطان لديه شعبية طاغية بين أبناء عمان، فقد كانت حنكته وحلمه فى إدارة الشؤون السياسية، وتوسعه فى مجالات ترقى بالبلاد، وحفاظه على البيئة، وعلى التوازن السياسى لبلاده مثلا يحتذى على مر العصور.


يقول عاصم رشوان:


فى هذا الكتاب أجتهد قدر استطاعتى لإلقاء الضوء على شخصية السلطان قابوس وفلسفته وأفكاره ومواقفه ورسائله بأبعادها المتنوعة.


والوقت حان للإدلاء بشهادة حق فى الإنسان البسيط، المواطن العمانى قابوس بن سعيد، الذى نجح فى إعادة صياغة مجتمعه، أخذًا بيده دون حرق للمراحل من التخلف إلى التقدم فى دولة قوامها العدل وسيادة القانون والديمقراطية، مخرجًا إياه من ظلمات الجهل إلى آفاق العلم.


طفولة وميلاد


فى الثامن عشر من نوفمبر ١٩٤٠م ولد قابوس بن سعيد بن تيمور آل بوسعيد فى مدينة صلالة بمحافظة ظفار، حيث تلقّى تعليم اللغة العربية والمبادئ الدينية على أيدى أساتذة متخصصين اختارهم والده رحمه الله، ـ كما درس المرحلة الابتدائية فى المدرسة السعيدية بصلالة.


فى سبتمبر من عام ١٩٥٨ أرسله والده إلى بريطانيا، حيث واصل تعليمه فى مدرسة «سافوك» الخاصة، التى أمضى بها عامين ليلتحق بعدهما بالأكاديمية العسكرية الملكية فى «سانت هيرست»، التى أمضى فيها عامين هما المدة المقررة للتدريب، ودرس خلالهما العلوم العسكرية ليتخرج برتبة «ملازم ثان» ثم ينضم إلى إحدى الكتائب العاملة فى ألمانيا الاتحادية آنذاك، لمدة ستة أشهر مارس خلالها العمل العسكري، ثم يعود بعدها إلى بريطانيا، حيث تلقّى تدريبًا على أسلوب الإدارة فى الحكومة المحلية هناك، ثم قام بجولة استطلاعية فى عدد من الدول استغرقت ثلاثة أشهر ليعود بعدها إلى عمان فى عام ١٩٦٤م.


على امتداد السنوات الست التالية تعمّق فى دراسة الدين الإسلامى وكل ما يتصل بتاريخ وحضارة عمان دولةً وشعبًا على مر العصور، وهو ما يشير إليه بقوله: «كان إصرار والدى على دراسة دينى وتاريخ وثقافة بلدى له عظيم الأثر فى توسيع مداركى ووعيى بمسؤولياتى تجاه شعبى والإنسانية عمومًا، وكذلك استفدت من التعليم الغربى وخضعت لحياة الجندية، وأخيرًا كانت لدى الفرصة للاستفادة من قراءة الأفكار السياسية والفلسفية للعديد من مفكرى العالم المشهورين».


وللسلطان قابوس اهتمامات واسعة بالدين واللغة والأدب والتاريخ والفلك وشؤون البيئة، تتبدى واضحة فى دعمه الشخصى الكبير للعديد من المشروعات الثقافية محليًا وعربيًا ودوليًا، سواء من خلال منظمة اليونسكو أو غيرها، ومن أبرز هذه المشروعات موسوعة السلطان قابوس للأسماء العربية، ودعم مشروعات تحفيظ القرآن الكريم سواء فى السلطنة أو فى عدد من الدول العربية الأخرى، وكذلك بعض مشروعات جامعة الأزهر وعدد من المراكز العلمية العربية والدولية، بالإضافة إلى جائزة السلطان قابوس لحماية البيئة، التى يجرى تقديمها من خلال اليونسكو كل عامين، ودعم مشروع دراسة طرق الحرير.


قابوس يتحدث عن هواياته قائلًا: «منذ طفولتى كانت لدى هواية ركوب الخيل، فقد وُضِعت على ظهر حصان فى الرابعة من عمري، ومنذ ذلك الحين أحب ركوب الخيل، لكن فى الآونة الأخيرة، ولكثرة الأعمال أصبحت ممارستها قليلة جدًا، إلّا أن هذه الهواية لا تزال قريبة إلى نفسى.. والرماية أيضًا من الهوايات المحبّبة كونى تدربت عسكريًا، وهى جزء مهمّ لكل من يهتم بالنشاط العسكرى وعاش فى مجتمع كالمجتمع العمانى، الذى يعتز بكونه يستطيع حمل السلاح عند الضرورة.


كذلك عندى حب التجربة لكل ما هو جديد من أسلحة فى القوات المسلحة ــ سواء بندقية أو مدفعا رشاشا أو مدفع دبابة ــ إلّا أن الرماية بالمسدس والبندقية تبقى هى الأفضل، وكذلك أستخدم القوس والنشّاب كنوع من الترفيه.. وهناك هوايات أخرى كالمشي، حيث أحب المشى منذ الصغر، فأجد فى ممارسته الراحة قبل الذهاب إلى النوم.. أحب أن أقضى وقتًا بالمشى على البحر فهو رياضة جيدة للجسم وفرصة للتفكير، كذلك أحب التصوير فقد كنت هاويًا لرسم المناظر الطبيعية فى وقت من الأوقات، إلّا أن الظروف والوقت أصبحا لا يسمحان بممارسة هذه الهوايات.. والقراءة أيضًا لكونها هواية، إلا أنها أصبحت جزءًا من العمل وأصبح من الصعب مطالعة الكتب حسب الهواية، إلّا ما هو فى مجال العمل والحياة اليومية»، وهو يحب أيضًا لعبة التنس ويمارسها ويتابع بعض مبارياتها على جهاز التلفاز، إلى جانب حبّه لمتابعة ألعاب القوى.ومن الهوايات المحببة أيضًا إلى السلطان قابوس علم الفلك ومراقبة الكواكب، حيث يمتلك مرصدًا صغيرًا يقضى بعضًا من وقته فى مراقبة الكواكب السماوية عندما تكون الفرصة سانحة فى الليالى المناسبة حسب النشرات الفلكية.


التلميذ والأستاذ


من أجمل صفحات الكتاب فصل التقى خلاله مؤلف الكتاب بمعلم السلطان قابوس فى طفولته وعن هذا يقول عاصم رشوان:


حين ذهبت إلى مكتبه ذاك الصباح من عام ١٩٨٩م فى ديوان البلاط السلطانى بمسقط لم أكن على موعد مع الحواجز والمتاريس كما ظننت فى البداية.. سألت مدير مكتبه: معالى الوزير المستشار موجود؟ وجاءت الإجابة: نعم «الأستاذ» موجود فى انتظارك.. كلمة «الأستاذ» سمعتها من سائق سيارته ومن السعاة العاملين فى مكتبه، ومن بعض موظفى الديوان حتى الذين لا يعملون معه، فما إن تَذكر اسمه حتى تسمع كلمة «الأستاذ».


كان مستشارًا صحفيًا للسلطان قابوس، وهو «الأستاذ» الذى تجاوز الخامسة والستين من عمره فى ذاك الوقت.. ولم يحمل لقب «الأستاذية» لكونه وزيرًا أو مستشارًا، إنما بصفته معلمًا للسلطان قابوس فى طفولته.


طفولة


بداية الأستاذ كانت من ظفار، وقتما كانت بلادًا مغلقة يعيش أهلها على طريقتهم البدائية، والدنيا عندهم يوم واحد يقبل التكرار اللانهائي.


وقتها كانت «حضرموت» هى المجال الوحيد لتلقّى المزيد من علوم الدين واللغة والفقة والنحو فهناك «رباط العلم»، وهناك كان الأولاد ينقطعون لعامين أو ثلاثة.


فى هذا الجو المنعزل والبيئة الهادئة الخالية، التى لم تكن على وفاق مع أحداث القرن العشرين.. نشأ الأستاذ واحدًا من بين «أواخر العنقود» فى البيت الكبير، وقدوته والده الشيخ المتدين المعروف بثروته وعلمه ومنزلته بين الناس.


وهكذا مرت الأيام والسنون ليصبح حفيظ بن سالم الغسانى مديرًا للمدرسة السعيدية، التى بدأ فيها تلميذًا نجيبًا، إلى أن اختاره السلطانُ سعيد حفيظ الغسانى ليكون معلمًا لابنه قابوس ما بين عامى ١٩٤٩م وأواخر سبتمبر من ١٩٥٨م، حيث سافر إلى بريطانيا ليواصل مسيرته التعليمية هناك.


يقول الأستاذ حفيظ: قال جلالة السلطان بأنه لا يفضّل إرسال قابوس إلى الخارج فى هذه السن المبكرة قبل أن يتعرف إلى أحوال وعادات وتقاليد بلاده، ثم سألنى عما إذا كان عندى ما يكفى من الوقت لتدريسه بينما هو يعرف جيدًا بأننى لا أملك الوقت اللازم للقيام بهذه المهمة، لكنه أردف قائلًا: «فى العصر إذا كان عندك وقت»؟ وشعر الغسانى حينها بضخامة المسؤولية التى ألقاها السلطان سعيد على عاتقه والثقة الغالية، التى أودعها فى شخصه


كل ذلك دفع حفيظ الغسانى إلى عدم التردد فى القبول مرحبًا على الفور بتخصيص ساعتين يوميًا من الثالثة والنصف إلى الخامسة والنصف، ومن التاسعة حتى الحادية عشرة بالتوقيت الزوالى الذى كان معمولا به آنذاك حيث كانت الشمس تعلن عن مغيبها فى الثانية عشرة.


قال والده السلطان سعيد، رحمه الله، بالحرف الواحد: «ترى عامله كأى تلميذ».. إلّا أن الأستاذ حفيظ لم يجد معه ما يستدعى توقيع العقاب، بينما هو يصغى بشكل رائع ويؤدى واجباته «بالتمام والكمال».. أحيانًا كان يستعصى عليه فهم جانب من الدرس أو يصعب عليه حل مسألة حسابية، لكن عندما تشرح ما كان غامضًا تراه مستوعبًا بشكل ممتاز.. كان يحفظ «جزء عم» من القرآن الكريم بالكامل «غيبًا» وكان يتلو القرآن عقب صلاة الصبح من كل يوم لمدة ساعة كاملة على الأقل، بالإضافة إلى ما تعلمه من المعانى وشرح المفردات.. وكان لدينا كتاب اسمه «هداية الناشئين» من مطبوعات دار المعارف فى مصر يشتمل على أحاديث نبوية شريفة وشرح وتفسير لسور من القرآن الكريم.


كان يقوم بتدريسه كل الموادــ التاريخ والحساب والجغرافيا والهندسة واللغة العربية ــ إلا الإنجليزية، وكان تدريسه للغة العربية من كتاب اسمه «أطواق الذهب»، الذى أرسله والده خصيصًا لدراسة معانيه، وهو كتاب يحتوى السجع والمقالات والحكم والتعابير القيمة، وحين بدأت بتدريسه كان فى التاسعة من عمره وواصلت المهمة، التى أتشرف بأننى أديتها حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره.. وعندها غادر إلى بريطانيا.


غرفة الدراسة فى جانب منها «سبورة» وفى الجانب الآخر المقابل كان يجلس إلى طاولته، ثم أنا وطاولتى والكرسى الخاص بى فى الناحية المقابلة لقابوس، الذى كان يأتى إلى منزلى حاملًا حقيبته على كتفه يرافقه اثنان من الخدم، لكنه يرفض أن يحمل أحد حقيبته التى يحملها بنفسه، وعند وصوله يضعها على الطاولة «بهدوء»، يفتحها ليخرج منها الكتاب المطلوب «حسب البرنامج المكتوب والمقرر» حيث لديه برنامج يومى بالدروس التى سنتناولها، وكان يجرى تقسيم الساعتين المخصصتين إلى أربع أو خمس حصص، بينما يكتفى فى يومى الاثنين والخميس من كل أسبوع بتدريسه لمدة ساعة واحدة، حيث كانت الساعة الثانية مخصصة للتربية الرياضية بالمدرسة السعيدية.


أريد وصفًا دقيقًا للتلميذ قابوس بن سعيد فى تلك الفترة، كيف كان مظهره العام، تصرفاته، نشاطه.. هكذا كان سؤال عاصم رشوان وأجاب الأستاذ: كان قابوس طفلًا كغيره من أبناء وطنه، يرتدى الدشداشة وفوق رأسه يضع «الكمة» العمانية المعروفة، ثم السترة أو الجاكت، الذى يشير إلى موعد لقائه مع دروس العلم التى كان يتهيأ لاستقبالها باحترام شديد.. وفوق كتفه يحمل حقيبته المملوءة بالكتب رغم ضآلة بنيانه الجسدى آنذاك، رافضًا أن يحملها أحد عنه بأثقالها التى تقسو عليه حتى تميل كتفه، وحتى والده رحمه الله لم يكن يسمح لأحد أن يحمل عنه الحقيبة.


الحصة لم تكن طويلة، مدّتها فقط عشرون دقيقة تتغير بعدها إلى نوعية أخرى من الدرس، وأحيانًا لم يكن الوقت كافيًا وكان يستوعب الحصة كلها فما هو مهم لديه هو ألّا يضيع لحظة من الوقت لأن برنامج تدريسه كان مكثفًا.


لحظة صمت يضيف بعدها: الحقيقة أن ما قمت به من مهمة تدريس قابوس كان تشريفًا وتكريمًا لى وأنا فخور بذلك. فقد كان للسلطان سعيد بن تيمور فضل كبير فى تعليمى ومواصلتى للدراسة حين أوفدنى إلى خارج البلاد على نفقة الحكومة العمانية، وأنا أشكره «رحمه الله» أن منحنى الفرصة شرف اختيارى لتدريس قابوس حتى أشعر بأننى «أوفيت بجزء بسيط جدًا من الجميل الهائل الذى أسداه لى السلطان سعيد بن تيمور».


كان متواضعًا منذ نعومة أظافره وأهل صلالة من ذاك الزمن البعيد يذكرون ويتذكرون قابوس الذى أثار دهشتهم، فهو الوقور حتى فى طفولته. هناك فى «حى الشاطئ» كان حريصًا على أن يقطع هذا الطريق ذهابًا وإيابًا فى ساعة المغربية.. وكل مواطن ومقيم بإمكانه أن يلتقيه ويصافحه ويتحدث إليه.. لكن لماذا يحرص على عادته التى كان يمارسها فى طفولته؟ ربما هو الارتباط بالماضى والحنين الدائم للجذور وحب الناس الذين أصبحوا منذ بداية السبعينيات يتطلعون إليه باعتباره المنقذ كلما حلّت ضائقة.


هكذا جاءت شهادة «الأستاذ» المرحوم حفيظ بن سالم الغساني، وهى رواية تخرج عن الإطار الرسمى فى تقديم شخصية السلطان، والتى تبرز بعض الخطوط والظلال، التى أحاطت بالبيئة التى نشأ فيها كل من «الأستاذ والتلميذ والوالد»، والتى تركت بصماتها بالطبع على شخصية هذا الطفل الذى أصبح سلطانًا حاملًا لرسالة جديدة بعقلية متفتحة آمنت مبكرًا بضرورات الحوار بين الحضارات المختلفة بعد أن ذاقت معنى الانغلاق على الذات، مدركًا أن الطريق إلى العلياء إن كانت مظلمة فلن يضلّ فيها من يحمل الشعلة.