قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (٣-٧) إقامة الجيش العربى الموحد

25/11/2015 - 2:00:35

  ناصر وعامر وزكريا والسادات فى زيارة لموقع عسكرى قبل ١٩٦٧ ناصر وعامر وزكريا والسادات فى زيارة لموقع عسكرى قبل ١٩٦٧

بقلم - د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

التناقض بين سياسات "عبد الناصر" والسياسات الغربية من ناحية، والمخططات الإسرائيلية، من ناحية أخرى، حتى قبل باندونج، وقبل عقد صفقة الأسلحة التشيكية، قد أصبح واضحاً، فبينما كان "عبد الناصر" يسعى إلى مساعدة حركات التحرر في الوطن العربي كان الغرب يسعى إلى تكبيل هذه الدول ومعها مصر بقيود الاتفاقيات والمعاهدات، حتى يضمن استمرار سيطرته على مواردها وأسواقها وإرادتها أيضاً، وفي الوقت الذي كان "عبد الناصر" يفكر في تكوين حزام من الدول العربية حول إسرائيل، كان الغرب يخطط لعزله داخل حدوده ليواجه إسرائيل منفرداً. وفي نفس الوقت كان يخطط لإغرائه بين الحين والآخر بمزايا قبول "السلام الإسرائيلي" فضلاً عن مزايا الارتباط بترتيبات الدفاع الغربية.


كل هذا يفسر هجوم "عبد الناصر" العنيف على حلف بغداد، حيث تشير وثائق منشية البكري، إلى أنه كلف رجاله بالإسراع في إعداد تقارير وافية عن الدول والحكومات والبنى الاجتماعية لسكان الدول التي شرعت في الانضمام للحلف، ومن الواضح أنه كان يسعى لمعرفة طبيعة ظروف هذه الدول، وربما كان قد بدأ يخطط لتصدير الثورة إليها . كما تشير نفس الوثائق إلى انشغاله بصفقات الأسلحة التي كانت تقوم إسرائيل بعقدها . وخلال مقابلة "عبد الناصر" لرئيس الوزراء البريطاني "أنتوني إيدين" يوم ٢٠ فبراير ١٩٥٥، أكد له أن مصر ستظل ثابتة على موقفها العدائي من الأحلاف الغربية، كما أنه سيظل يحارب حلف بغداد، إذا ما حاولت العراق الضغط لضم دول عربية أخرى، كما أوضح له أنه فيما يخص إسرائيل لا يزال مُصراً على أن أية تسوية يجب أن تكون تسوية شاملة للمشكلة العربية الإسرائيلية برمتها .


وفي مواجهة إعلان حلف بغداد، حيث وقع الميثاق يوم ٢٤ فبراير١٩٥٥، وافق "عبد الناصر" على الاقتراح السوري، بإقامة جيش عربي موحد، يضم الجيش المصري والسوري لكنه مع ذلك كان يعرف أن مشكلته الحقيقية هي افتقاده للسلاح، وأن توحيد الجيشين لا يعني الشيء الكثير أمام ترسانة إسرائيل العسكرية التى كانت تتضخم يوماً بعد يوم بأحدث الأسلحة والمعدات الغربية.


ومع أن المخابرات البريطانية نقلت إلى إسرائيل، أن الجيش السوري على أقصى تقدير لا يزيد عن خمسة وعشرين ألف رجل وثماني طائرات نفاثة، وعليها بالتالي أن تطمئن فليست سوريا بالحليف العسكري الذي يمكن "لعبد الناصر" أن يعتمد عليه، إلا أن "بن جوريون" نظر إلى التحالف المصري السوري، على أنه خطوة في طريق الوحدة العربية وليس هناك أخطر على وجود إسرائيل ذاته من فكرة الوحدة العربية .


الغارة على غزة ٢٨ يناير ١٩٥٥ ونتائجها


وفي الوقت الحافل بالتطورات، والمشحون بالأزمات، أبت إسرائيل أن تقف بمعزل عن الفوران الذي كان في طريقه، لإعادة تشكيل خريطة منطقة الشرق الأوسط، سياسياً واقتصادياً وحضارياً وعسكرياً، ففجرت الموقف بالغارة الشهيرة على غزة يوم ٢٨ فبراير١٩٥٥ بهدف إظهار عجز مصر أمام الدول العربية، والنيل من كرامة "عبد الناصر" وزعزعة أركان النظام المصري، والأهم أن هذه الغارة استهدفت لفت أنظار الولايات المتحدة وانجلترا إلى أن إسرائيل طرف فاعل وأصيل في معادلة الشرق الأوسط، لا يجوز تجاهله، بل يجب أن يحتفظ له بدور في التنظيمات الدفاعية الجديدة.


ولقد كانت هذه الغارة، نقطة تحول جوهرية، ليس فقط في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بل وفي تاريخ الحرب الباردة، التي كانت قد ازدادت اشتعالاً بين الكتلتين بعد شروع الإمبريالية الغربية في تكوين سلسلة من الأحلاف تطوق بها الاتحاد السوفيتي، فنتيجة لتصاعد الخطر على الحدود المصرية الإسرائيلية، وشعور "عبد الناصر" بأن إسرائيل لن تتركه يُنفذ حلمه في تنمية وتحديث مصر، ونتيجة لإدراكه – من خلال تقارير السفير المصري بواشنطن- ومن مصادر أخرى استحالة حصوله على السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إذا وقع على ميثاق الأمن المتبادل الأمريكي، لم يكن أمامه إلا أن يحصل على السلاح من الاتحاد السوفيتي، وينفذ تهديده الذي طالما حاول من خلاله استفزاز الغرب ليعطيه السلاح.


ويبدو من ظاهر الحوادث، أن "عبد الناصر" كان قد نجح قبل انعقاد مؤتمر "باندونج" في فتح قناة اتصال مع قيادات الكرملين، وأنه استغل مشاركته في هذا المؤتمر ١٨ -٢٤إبريل١٩٥٥، فوسط "شواين لاي" ليسهل له حصوله على السلاح من الاتحاد السوفيتي وفي هذا المؤتمر أدار "عبد الناصر" معركة عنيفة وناجحة ضد إسرائيل انتهت بحرمانها من المشاركة في المؤتمر. وبعد عودته من "باندونج" قام بشن حملة عنيفة ضد إسرائيل، فأخذ يصفها بين الحين والآخر بأنها "الطفل المدلل للدول العظمى.. الذي قام بارتكاب أكبر جريمة في التاريخ الحديث حيث قضى على شعب فلسطين.." وفي يوليو١٩٥٥ أشار "عبد الناصر" إلى الضغوط التي تمارس عليه للدخول في مفاوضات مع إسرائيل "لقد دفعونا إلى التفاوض مع إسرائيل، لكننا رفضنا.. ولن ننخدع بنداءات السلام..".


وعلى الطرف الآخر، تزايدت الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة بعد عودة "عبد الناصر" من باندونج، حيث اجتازت قوة إسرائيلية، خط الهدنة، يوم ٣٠ مايو١٩٥٥، وقامت بمهاجمة أحد المواقع المصرية وحاولت احتلال مركز البوليس، وقطع الطريق بين غزة ورفح.


وفي السادس والعشرين من يوليو، جرت الانتخابات العامة في إسرائيل، وفاز بها "حزب حيروت" وترتب على ذلك عودة "ديفيد بن جوريون" إلى رئاسة الوزراء، وكان هذا التطور يعني، دق طبول الحرب، ووأد أية محاولة لتحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط، وبالفعل سرعان ما ازداد الموقف اشتعالاً على خطوط الهدنة بين مصر وإسرائيل فتكرر الاعتداء على المواقع المصرية في غزة يوم ٢٢ أغسطس واستخدمت القوات المهاجمة نيران الهاونات الثقيلة ومدافع الميدان، وردت قوات الصاعقة المصرية بالمثل، حيث تسللت داخل الأراضي التي تحتلها إسرائيل، ونفذت بعض العمليات بنجاح، وبعد ستة أيام صدت القوات المصرية هجوماً إسرائيلياً آخر على قطاع غزة، وفي نهاية شهر أغسطس، تعرضت "خان يونس" للهجوم، وردت قوات الصاعقة المصرية في نفس الليلة بقتل تسعة عشر إسرائيلياً، وفي الأول من سبتمبر حاولت القوات الإسرائيلية قطع الطريق للمرة الثانية بين غزة ورفح، لكن المحاولة أخفقت، ورد الفدائيون المصريون على الغارات بالمثل.


ونتيجة لانفجار الموقف على الحدود المصرية، تدخل السكرتير العام للأمم المتحدة "داج همرشولد" وطلب من الجنرال "بيرنز" قائد قوات المراقبة الدولية، أن يحاول تخفيف حدة التوتر في قطاع غزة، لكن مصر رفضت مقترحات "بيرنز" التي كانت تتطلب اجتماع ضباط مصريين مع نظرائهم من الإسرائيليين.


وفي هذا الوقت حمل السفير الأمريكي الجديد في القاهرة "بايرود" رسالة من "دالاس" استهدفت لفت أنظاره، إلى أن الولايات المتحدة ترى أنه قد آن الأوان لإجراء تسوية عامة في الشرق الأوسط، تتضمن إقرار الأمن بين الطرفين في مقابل اعتراف العرب بوجود إسرائيل، لكن عبد الناصر كان مهموماً وقتئذ بمشكلة السلاح وبضرورة تحقيق التوازن الاستراتيجي بينه وبين إسرائيل، فلم يُعر رسالة "دالاس" أي أهمية . بل نجده يزيد من فعالية نظام المقاطعة المصرية، في مدخل خليج العقبة فيصدر بياناً في الحادي عشر من سبتمبر ١٩٥٥، حذر بمقتضاه شركات النقل البحري والجوي من أن المرور عبر المضايق، جواً وبحراً، هو مرور في أراض ومياه إقليمية مصرية، ولذا يستلزم موافقة من السلطات المصرية. وعلى أثر هذا البيان بدأت السلطات المصرية، تطبق بحزم المقاطعة، وبالفعل شلت الحركة في ميناء إيلات(١٠٢) وتحول إلى شاطئ بحيرة مغلقة، الخروج منها رهن بموافقة عبد الناصر.. على حد تعبير "موشي ديان"(١٠٣). كما أوقفت شركة الطيران الإسرائيلية (آل عال) رحلاتها على خط إسرائيل – جنوب أفريقيا، الذي يمر فوق المضايق.


ولقد تبرمت إسرائيل بشدة، من تزايد فعالية نظام المقاطعة، وزعمت أن المضايق ممر مائي دولي، وحذرت مصر من أن هذا الإجراء "غير قانوني" وأنه سيؤدي إلى تفاقم الحوادث، بل إن "ديان" اعتبر هذا الإجراء - وقتئذ - بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير لكنها لم تكن كذلك، فبعد أيام قليلة وعلى وجه التحديد في السابع والعشرين من سبتمبر١٩٥٥، أعلن "عبد الناصر" عن صفقة الأسلحة التشيكية، وكان لهذا الإعلان دوي هائل في العالم العربي على امتداده، بل وفي العالم كله ووقف العالم بالفعل على حافة أزمة حرجة.


ولقد صُدمت إسرائيل، صدمة عنيفة، نتيجة لجرأة "عبد الناصر" وتجاوزه كل الحدود بعقده لصفقة أسلحة مع السوفيت. وسيطر على الرأي العام الإسرائيلي هاجس مؤداه أن خطر إبادة إسرائيل على يد الدول العربية، أصبح فجأة واقعاً قابلاً للحدوث.."، ونتيجة لمواجهة الهلع التي أصابت إسرائيل، هرع الآلاف من الإسرائيليين الذين استبد بهم القلق والخوف، للتبرع بأموالهم وجواهرهم، وبأشياء ثمينة أخرى للحكومة الإسرائيلية، من أجل مساعدتها على شراء السلاح، وصورت آلة الدعاية الإسرائيلية "عبد الناصر" على أنه شيطان، يهدد وجود إسرائيل وازدادت كراهية "بن جوريون" له فأخذ يصفه بين الحين والآخر بأنه "نموذج عربي مضلل ومخادع".


وطبقاً لما ذكره "موشي ديان" في مذكراته، فإن الحكومة الإسرائيلية نظرت إلى عقد "عبد الناصر" لصفقة الأسلحة التشيكية، على أنه خطة في الإعداد لصدام حاسم ومصيرى مع إسرائيل في المستقبل القريب، وربطت بين هذه الصفقة، وحصار عبد الناصر لخليج العقبة من ناحية، ومساعدته للفدائيين الفلسطينيين من ناحية أخرى، "إن سياسة عبد الناصر هذه لم تترك في نظرنا أية شكوك، بشأن نوايا مصر بطردنا، أو على الأقل تحقيق انتصار عسكري حاسم يحولنا إلى وضع مستسلم". ولعل هذا يفسر الاعتداءات العسكرية المتكررة التي قامت بها إسرائيل على المراكز العسكرية في قطاع غزة، خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، حيث تعرضت نقطة حراسة "الكونتيلا" في جنوب سيناء، لهجوم كبير في الثامن والعشرين من أكتوبر راح ضحيته إثنا عشر مصرياً، وجرح مثلهم تقريباً، وفي الثاني من نوفمبر قامت قوة إسرائيلية كبيرة، بهجوم مفاجئ على منطقة "الصبحة" بشبه جزيرة سيناء، وانتهت هذه الغارة بقتل حوالي ثمانية من أفراد السرية المصرية.


وحسب ما ذكره "موشي ديان" أيضاً في مذكراته فإنه اقترح في العشرين من نوفمبر القيام بعملية عسكرية في أقرب وقت يكون هدفها احتلال قطاع غزة باعتبارها قاعدة العمليات الفدائية، ثم الإعداد للاستيلاء على شرم الشيخ لتوجيه ضربة حاسمة للحصار المصري على خليج العقبة... كما فكرت الحكومة الإسرائيلية في تدمير الأسلحة السوفيتية قبل وصولها إلى مصر.


ومن ناحية أخرى تحركت الدبلوماسية الإسرائيلية، فذكرت الولايات المتحدة الأمريكية برأيها القديم في "عبد الناصر" وتكتيكاته الخادعة وطلباتها بالتعاون معاً في ضرب شعبية (الديكتاتور المصري) في العالم العربي، وإسقاطه، وحجب المعونة الاقتصادية عن مصر، كما طالبت إسرائيل الولايات المتحدة بإمدادها بالأسلحة بل بضمان وجودها كدولة ووصل الأمر إلى حد أن اقترح "بن جوريون" على الولايات المتحدة بأن تقبل "تحول إسرائيل كلها إلى قاعدة لها تستخدمها في حالة وقوع اضطرابات في الشرق الأوسط على أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء المطارات والطرق والموانئ وتقدم التجهيزات الصناعية المطلوبة".


لكن الولايات المتحدة، تحت تأثير الرسائل المهمة التي كانت تأتيها من مصر. رفضت الاستجابة للمخططات الإسرائيلية، وأبلغ "دالاس" السفير الإسرائيلي في واشنطن، بأن الولايات المتحدة الأمريكية، ليس بمقدورها ضمان خطوط هدنة مؤقتة، وإنه يجب على إسرائيل أن تحدد أولاً حدودها، قبل أن تطلب من الولايات المتحدة ضمان هذه الحدود. ومعروف أن "بن جوريون" كان يرفض بإصرار أي حديث عن حدود إسرائيل، كما كان يرفض أي اقتراح يُقيد من إمكانية تعظيم فرص إسرائيل فى الحصول على السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية.


وفي هذا الوقت، استغلت إسرائيل انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية في جنيف، وحاولت الحصول على السلاح، فأوفدت "موشي شاريت" ليتسول السلاح لإسرائيل، على حد تعبير "موشي ديان" . وبلغت جرأته أنه حاول حث، وزير الخارجية السوفيتي "مولوتوف" على تقييد مبيعات الأسلحة لمصر، وحسب ملاحظة "أبا أيبان" الذي شارك "شاريت" في زيارة لجنيف، فإن "مولوتوف" لم يُعر "شاريت" أدنى اهتمام، واعتبر سلوكه تطفلاً لا علاقة له بمؤتمر جنيف.. فموضوع المؤتمر لم يكن علاقة إسرائيل بمصر والدول العربية، وإنما علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالاتحاد السوفيتي.


أما "بن جوريون" فلم يُعلق أي آمال على مساعي "شاريت" فبينما كان "شاريت" يتجول في أوروبا ليتسول السلاح لإسرائيل، كان بن جوريون يصوغ وينسق استراتيجية الحرب ضد مصر، وكان الهدف الرئيسي من اعتداءات إسرائيل في هذا الوقت "منطقة العوجة" وهي منطقة منزوعة السلاح، تقع على الحدود المصرية، جنوب شرق مدينة العريش الساحلية. وكانت السيطرة على منطقة العوجة هذه التي تبلغ مساحتها حوالي ١٤٥ كيلو متراً مربعاً، أمراً بالغ الأهمية للهجوم الإسرائيلي الذي كان يفكر فيه بن جوريون وموشي ديان على شمال ووسط سيناء، حيث تتحكم العوجة في ملتقى طرق شديدة الأهمية، تتجه شمالاً إلى الساحل وغرباً إلى قناة السويس، حيث الطريق الوحيد الممهد الذي كان يربط فلسطين بمصر وقتئذ، لذا أخذت إسرائيل تحشد قواتها العسكرية بالقرب منها، وأخذت تعتدي عليها بين الحين والآخر تمهيداً لاحتلالها.