بعد ١١٣ عاما من عمره: خطة تطوير أهم متاحف مصر تنتظر قرار مجلس الوزراء

25/11/2015 - 1:57:52

تقرير: أمانى عبد الحميد

للمرة الثالثة تطالب الحكومة وزارة الآثار بتقديم كافة المستندات التى تثبت أحقيتها فى أرض الحزب الوطنى المطلة على النيل للنظر فى عودتها إلى حوزة المتحف المصرى بالتحرير, فى كل مرة يجتمع مجلس الوزراء تحت قيادة حكومة جديدة للنظر فى مصير الأرض بعد هدم مبنى الحزب المحترق وفى كل مرة تحصل الآثار على الموافقة, إلا أن المسألة تتوقف دون إبداء أسباب, الأمر يتكرر مع حكومة د.شريف إسماعيل مرة أخرى بعد الحصول على موافقات سابقة مما قد يهدد الخطة التى تتبناها وزارة الآثار لتطوير المتحف المصرى لإعادته إلى حالته الأولى وقت افتتاحه فى عام ١٩٠٢, الأمر الذى دفع وزارة الآثار للبدء فى خطة قصيرة المدى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ميزانية زهيدة قدرها مليون جنيه فقط، حتى يصبح قابلا للزيارة بالرغم من مرور ١١٣ عاما من عمر أقدم متاحف العالم المتخصصة فى حضارة مصر القديمة.


لاتزال وزارة الأثار حائرة ومكتوفة الأيدى أمام تنفيذ خطتها لتطوير المتحف المصرى بالتحرير بإعادته إلى حالته الأولى وقت افتتاحه عن طريق عودة أرض الحزب الوطنى المتهدم إلى حوذتها واستكمال مشروعها الطموح لحفاظ على شخصية المتحف وطابعه المميز, الحكومة متمثله فى مجلس الوزراء تقف أمام طموحاتها وتحد منها, فلايزال قرار تمكين الآثار من أرض الحزب حائر بين وزارة الآثار وبين أدراج مجلس الوزراء, ووسط تلك الحيرة ظل الحال هو الحال داخل المبنى الوردى المطل على ميدان التحرير, آثاره مكدسة داخل فاترينات مغبرة وردهات وقاعات مظلمة تكاد ترى ضوء الشمس من خلف شبابيكها الزجاجية من كثرة الأتربة المتراكمة منذ زمن, تلك أحد مشكلات المتحف المصرى بالتحرير، لكنها ليست آخرها, المتحف المصرى أقدم المتاحف الأثرية يواجه حالة من حالات تقرير المصير فى ظل إقامة المتحف المصرى الكبير بميدان الرماية، ومتحف الحضارة فى الفسطاط, يحتاج المتحف الذى يعتبر الأصل إلى تحديد هويته من جديد، بالتالى معرفة القطع الأثرية التى سيتم عرضها داخله والأخرى التى سترحل عنه, تلك المشكلات تواجهها وزارة الآثار بالصمت والعمل على تنفيذ «خطة قصيرة المدى» على حد قول د. إلهام صلاح الدين رئيس قطاع المتاحف بالوزارة, حيث أكدت أن الوزارة تمر بأزمة مالية حادة لذا اكتفت الوزارة بتحسين الصورة فقط من خلال اعتماد مالى لتحسين الإضاءة الداخلية، رغم أنه تحسين طفيف «لا يليق بالمتاحف العالمية» على حد وصفها, ثم القيام بتنظيف فاترينات العرض المتحفى عن طريق دهان أخشابها وتغيير كسوتها الداخلية وتنظيف الزجاج, مشيرة إلى أن الخطة ستشمل إعادة تنسيق العرض المتحفى ليقوم على سيناريو موضوعى يهتم بالمعلومة التاريخية وليس القطعة الأثرية, وتضرب مثال قائلة: «نهتم داخل كل قاعة بقطعة أثرية كبطل لقصة تاريخية ومن حولها قطع أخرى مكملة طبقا للأهمية التاريخية للقصة..»وبالتالى سيتم تغيير بطاقات الشرح الخاصة لكل القطع المعروضة, على أن يتم ذلك بشكل تدريجي، حتى يشمل كل قاعات المتحف, وتضيف قائلة: «الخطة ستشمل الاتفاق مع شركة نظافة متخصصة بعدما أصبح الوضع داخل المتحف مزري.. وتؤكد د.»إلهام» أن الوزارة خصصت ميزانية مليون جنيه لتنفيذ خطة التطوير قصيرة المدى, أما الخطة طويلة المدى فإن الأمر يختلف كثيرا على حد قولها: «هناك لجنة علمية متخصصة دورها إعادة تصنيف سيناريو العرض المتحفى طبقا لهوية المتاحف الثالثة المعنية بالحضارة المصرية القديمة, وبالتالى اختيار القطع الأثرية التى سيتم عرضها...» مشيرة إلى متحف التحرير سيكون متخصصا فى الفن المصرى القديم, وفى الوقت نفسه أوضحت د.»إلهام» أن من ضمن اعتبارات الخطة الاهتمام بالمجتمع المصرى وتشجيع زيارة المتحف من خلال خلق فعاليات جاذبة, ودعم مدرسة المتحف المصرى للأطفال.


بعد الحصول على أرض الحزب الوطنى تحلم وزارة الآثار ببناء كوبرى واصل بين المبنى القديم وبين المبانى التى سيتم إنشائها على الأرض المطلة على النيل، والتى ستحوى متحفا للطفل وقاعات للعرض الأثرى المتغير وقسم للمكاتب الإدارية علاوة على حديقة متحفية لعرض القطع الأثرية المعمارية الضخمة وتخصيصها لاستعراض النباتات المصرية والتاريخ الفرعونى للزراعة, وقد تحوى الأرض أيضا جراج تحت سطح الأرض وبازارات ومحال تجارية وكافتيريات, وإن أكدت أن الوزارة ستعيد استخدام المرسى النيلى القريب من المتحف للقيام برحلات نيلية لزيارة المواقع الأثرية المطلة على النيل مثل قصرى المنيل والمانسترلي, ركن حلوان واستراحة الملك فاروق.


ومن داخل المتحف المصرى وقف د.حسن سليم أستاذ المصريات بجامعة عين شمس وعضو اللجنة العلمية المسئولة عن اختيار سيناريو العرض المتحفي, من أهم مهامها الحفاظ على هوية المتحف المصرى فى ظل خروج عدد من القطع الفريدة منه وعرضها بالمتاحف الأخرى مثل الحضارة والمتحف الكبير حيث يكون مخصصا لعرض ملامح الفن المصرى القديم، فى حين سيتولى المتحف الكبير عرض تاريخ الملكية والأبدية المصرية، أما متحف الحضارة سيكون مخصصا لاستعراض ملامح الحضارة القديمة، ويوضح أن مبنى المتحف بالتحرير مكون من بدروم وطابقين, ويحوى حوالى ١٠٠ ألف قطعة أثرية, والطابقان الأول والثانى يحويان حوالى ١٥٠ ألف قطعة, لذا المطلوب من اللجنة التعامل مع القطع الأثرية واختيار أفضل القطع التى ستمثل الفن المصرى القديم وتكون فى الوقت نفسه عنصر جذب للزوار أيضا.


«الحفاظ على القطع الفريدة لفنون المصرى القديم..» هو المسئولية الأهم بالنسبة للجنة العلمية على حد قول د.»سليم», موضحا أن اللجنة ستعتمد على كتالوج المتحف المصرى للقطع الأساسية والمميزة, والذى قام بإعداده د.محمد صالح وسوليزيان, باستثناء مجموعة الملك توت عنخ آمون التى سترحل الى المتحف الكبير, ومجموعة «سنجم» ومجموعة المومياوات الملكية التى سترحل الى متحف الحضارة, وبالرغم من رحيل تلك القطع المميزة عن المتحف إلا أنه أكد أن العرض سيحوى قطع أثرية «رائعة الجمال ومتميزة.. «على حد قوله, مشيرا إلى الاهتمام بالحقب الزمنية ويضرب مثال بفنون ما قبل الأسرات مثل رأس «ماريمدة» التى تعود إلى عصور ما قبل التاريخ, أول منحوته فى العالم القديم وتم العثور عليها منذ عشرين عاما فى منطقة بنى سلامة, ووضعها بجوار قناع «هيراكليوبوليس» الذى عثرت عليه حديثا بربارة آدمز, لاستكمال تلك الحقبة والأسلوب الفنى المتميز, علاوة على عرض أكثر من خمسين تمثال من العاج تم العثور عليها فى منطقة «تل الفرخة» منذ خمس سنوات وهى من أجمل ما تم العثور عليه ومعها تمثالان من الذهب سيذهبان إلى المتحف الكبير فى حين سيحتفظ المتحف بالتحرير ببقية التماثيل العاج النادرة والتى يرجع تاريخها إلى ماقبل الأسرات, علاوة على عرض قطع أثرية من الفخار داخل فترينات مع ترتيبها طبقا للترتيب الزمنى ويضرب مثال بطبق من الفخار يحوى رسم لشروق وغروب الشمس يعود الى عصر نقاده الأول, وآخر يحوى علامة «آخت» بالهيروغليفى يبين الجبل الشرقى والجبل الغربى وبينهما تشرق الشمس يرجع لعصر ما قبل الأسرات, ويؤكد أن اللجنة قررت الاستعاضة عن عرض ١٥٠ ألف قطعة والاكتفاء بسبعة آلاف قطعة فقط مميزة فنيا ومتكاملة على حسب الترتيب الزمنى.


وأكد د.»سليم» أن اللجنة العلمية قررت الاستعانة بعدد من القطع الأثرية المخزونة داخل المتاحف الأخرى لعرضها داخل السيناريو الجديد ويضرب مثالا بقطعة فريدة لا مثيل لها عبارة عن رأس للملك منكاورع متمثلا فى هيئة أجنبية إغريقية مخزونة داخل صندوق بمتحف بورسعيد لضمها لمجموعته الملكية بالمتحف, كذلك تمثال زوجة الملك «جدف رع» وهى أول ملكة تمثلت على هيئة أبو الهول, وهو تمثال داخل متحف السويس, من الممكن جلبه وعرضه لأنه من القطع المميزة, للتأكيد على جماليات الفن المصرى القديم بقطع مميزة تحكى تاريخ إبداعات المصريين القدماء, موضحا أن الدور الأرضى سيتم تخصيصه للقطع النحتية الضخمة وللنقوش الحجرية والعناصر المعمارية, ومنها تمثال أمنحات الرابع أمام تماثيل رمسيس الثانى كأول ما يقابل الزائر, فى حين سترحل تماثيل الإله بتاح إلى المتحف الكبير, وهنا يوضح أن اللجنة ستراعى سيناريوهات عرض المتاحف الثلاثة خلال عملية اختيار القطع الأثرية طبقا لهوية كل منهم, لذا فإن السيناريو الجديد سيختم بعرض المجموعات الأثرية داخل الطابق الثانى خاصة بعد رحيل مجموعة الملك توت عنخ آمون, مثل مجموعة «ميكت راع» ومجموعة «يويا وتويا», علاوة على كنوز «تانيس» الذهبية والتى تعتبر فى جمال كنوز الملك توت لكنها تحتاج إلى عرضها بطريقة لائقة تسمح الزائر الاستمتاع بها فى مساحة مناسبة لها, وهنا يؤكد أن اللجنة تضع عين اعتبارها هوية المتحف فى اختيار القطع وطريقة عرضها خاصة أن يحوى قطع أثرية رائعة الجمال لا يعلم عنها أحد نتيجة التكدس داخل القاعات والفاترينات.


اللجنة العلمية لخطة تطوير المتحف المصرى برئاسة د.محمد صالح مدير المتحف السابق, د.علا العجيزى أستاذة الحضارة المصرية بجامعة القاهرة, د.خالد العنانى المدير الحالى للمتحف المصرى ومتحف الحضارة, ود.طارق توفيق أستاذ المصريات ومدير المتحف المصرى الكبير, والأثرية صباح عبدالرازق من أمناء المتحف والمسئولة عن قاعات العرض , ود.حسن سليم.


ويذكر أنه فى عام ١٩٨٣ تم تسجيل مبنى المتحف المصرى بميدان التحرير كمبنى أثرى يجب الحفاظ عليه على اعتبار أنه قيمة معمارية فريدة من نوعها, وبالرغم من قيمة المبنى وما يحويه من كنوز أثرية إلا أن المبنى المتحفى تعرض طوال سنوات لعدة تشوهات معمارية أخفت كثير من جماليات تصميمه الأصلي، لذا قامت وزارة الآثار بتكريس مبادرة لصياغة الدور المستقبلى للمتحف المصرى وسط المتاحف العالمية ومنحه المكانة التى يستحقها واطلقت فى مايو ٢٠١٢ مبادرة لوضع خطة لإعادة تأهيله لحالته الأصلية وفقا لتصميمات المعمارى الفرنسى مارسيل دورنيون فى نهاية القرن الـ١٩, وكان من أهدافها تجديد العلاقة بين مبنى المتحف ونهر النيل عن طريق التخلص من مبنى الحزب الوطنى المنحل، والذى تعرض للحريق خلال أحداث ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وعودة المتحف المصرى لحالته الأصلية القديمة ليطل من جديد على النيل.