«رمضان المسيحى» ذاكرة الثيران المهزومين

25/11/2015 - 1:44:18

  غلاف الرواية غلاف الرواية

بقلم - رضوان آدم

بريشة «السارد المتكلم» يرسم لنا الأديب عادل سعد فى روايته الأولى الكبيرة «رمضان المسيحى»؛ الصادرة عن دار الهلال لوحة تشكيلية أخّاذة، تنبهنا جميعًا إلى روائى متمكن من أدواته يلعب فى اللوحة – النص على مدار صفحات الرواية البالغة ١٢٤ صفحة.


بمجرد أن التهمت «رمضان المسيحى” مرتين متتاليتين شعرت أننى فى حاجة إلى قراءة ثالثة، وفى كل مرّة داهمنى شعوران: الأول بالحسرة، لأنها ليست ضخمة وطويلة، والثانى شعور بالتعاطف مع «هؤلاء الحميروالثيران»: أبطالها الخائبين الخمسين شابًا الذين وصلوا أثينا مع أستاذ جامعة نصّاب “مضمون مائة بالمائة وقت العصر وخيوط الشمس الحريرية تداعبهم فى ميدان (أمونيا) ومن بعده ميدان (سى دغما) الشهير قبل أن تبتلعهم بلاد (كازانتزاكس) ويطير الحمام. !


هذه الرواية المُمتعة مطرزة بصور ثقيلة لأبطال عفويين لا يقلون غجرية عن «زوربا» اليوناني، كما أن عادل سعد لا يقل براعة فى رأيى المتواضع عن الروائى الإسبانى الكبير «خوان مارسيه» صاحب «سحر شنغهاى” الرواية المؤلمة – الممتعة التى ترجمها أحمد حسّان للعربية والتى قدمت شريط سينما حفظ ذاكرة الأبطال التائهين فى زمن الحرب الأهلية الإسبانية.


اللغة فى الرواية سهلة ومباشرة، وتتعمد تحطيم السرد التقليدي، وهذا دفع البعض بتسرّع شديد إلى القول بأن هناك خللاً فى إحكام البناء الروائى وهو كلام غير موفق تمامًا فالرواية وإن بدت فى الظاهرواقعية تسجل أحداثا معينة محددة بروح تخلط بين التسجيلى والأدبى طيلة رحلة المؤلف فى اليونان إلا أن عادل سعد كان يقصد هذه الخلطة الفنية خلطة واقعية تتجاوز الواقع وتتعمق داخل التكوين النفسى للشخصيات.


وتلاحظ أن أولى صفحات الرواية تقدم ملخصا لمآلات باقى الشخوص، شخوص أصرّ الواقع على بتر النهايات السعيدة لقصصهم ومغامراتهم البسيطة، فمحمود العلوانى الذى كان يتدرب على العدو حافيًا فى قريته «علوان» بأسيوط كى يحصد المركز الأول فى ماراثون استاد القاهرة هزمه الواقع السخيف وبات أجيرًا فى الأرض وأبًا لأربعة أطفال. ليس هذا فحسب بل إن الشاب الذى كان يمكن أن يكون بطلا أوليمبيًا «على طريق أسيوط السريع مرت عربة نقل على ساقين حسدتهما الرياح ،وانزوى العلوانى فى قريته المُظلمة «علوان» مبتور الساقين».!


السرد فى “رمضان المسيحى” مربوط بخيط «نوستاجيا – حنين» إلى الإنسان. وهنا لا يفرّق عادل سعد بين المصرى واليونانى فكلاهما قريب فى الشخصية والسخرية من الحياة والأصل الحضاري، لذا كان من الطبيعى والبديهى أن تتداخل مصائر الشخوص وتتقاطع على صفحات الرواية.


فى الحقيقة حرص عادل سعد على ذكر غالبية الشخوص التى رافقته فى رحلته إلى اليونان، يعرج عليها ولو فى حكاية صغيرة لا تخلّ بالبناء الدرامى بل تُثريه، وهنا يجب أن نقول إن المؤلف يتحكم فى الإيقاع وهو سريع فى الأغلب الأعم ولو كان أبطأ قليلا لكان إضافة كبيرة للرواية، كما أن الحكاية عند الأديب عادل سعد هى الأساس والمكان والتوقيت يأتيان فى مرتبة تالية فكل شيء يجرى بمشيئة المخيلة الروائية ولحظة الكتابة، وفى رأيى كقارئ كنت أتمنى أن يكون هناك فرد أكثر للمشاهد التى تكشف العلاقة بين «سولا» وعادل سعد وكذا كان يمكن أن نستمتع بتفاصيل وصور درامية عن الرقص والغناء والجنون فى عيد الدقيق الذى أجاد المؤلف فى توصيله لنا وإن كان مكثفًا.


ففى مشهد ملىء بالصور الساخرة والنقلات الدرامية، يحكى عادل سعد»:»فى عامود نور بوسط الميدان، قضيت ساعتين مقيدًا وأصحاب الوجوه الملونة يتشممون رائحتى ويصرخون ويضربون صدورهم بعضهم على رأسه قرون كبش أو رأس أسد، ويبصقون على الأرض غضبًا عند رؤيتى ..... إحداهن جاءت من خلف ظهر الجميع، كان قميصى ممزقًا، ويداى خلف ظهرى، جميلة بشورت قصير ونهدين ولا أحلى نظرت نحوى وطبعت قبلة ناعمة على خدى.. أحضرت خلسة سكيناً وفكّت وثاقى واحتضنتنى، ... وكانت سولا قد استيقظت وتضحك. احتضنتنى بشدة قالت إن هذا تمثيل وأن اليوم عيد الدقيق عيد استقلال القرية وتدمير الأعداء تمهيدًا للاثنين النظيف لتطهير الطائرات الورقية ويبدأ الصوم الكبير عيد وثنى اختلط بالمسيحية يُطلق عليه باللغة اليونانية (كاثارى نفتارا)».
على أية حال نجد أن معظم الشخوص «الأسايطة» فاقدة لتوازن نفسى داخلى ومهووسة بالجنس، وهذا يرجع إلى فوران الشباب ويرجع إلى اختلاف المناخين الاجتماعيين: قهر فى جنوب المتوسط و”تحرر” فى أوربا: «جمعتنا تولا يوم الأحد وعيوننا شاردة قالت :”لماذا ليس لديكم صاحبات” ضحكنا وقال عاطف:»هذا حرام» نظرت فى شك نحونا وسألت :»ولا حتى قبلات وأحضان؟».


فى هذه الرحلة – الرواية الشيّقة لا نجد تركيزًا كبيرًا على رمضان المسيحي، حيث يظهر ويختفى ليترك مساحات لأشخاص آخرين من بينهم الراوى نفسه والخالة تولا والتى كان يمكن أن تُسمى الرواية على اسمها، والخالة تولا حدوتة لوحدها وأنا أجزم بأنها كانت المحرك الرئيسى ليكتب عادل سعد روايته هذه.


فالحنين إليها ظاهر جدًا فى النص فى الصفحة الأخيرة للرواية نقرأ بتعاطف شديد:” وفى الساعات الأخيرة تذكرت خالتى تولا نزلت كاليثيا وتجولت وحيدًا بالقرب من السينما والشارع التجارى وكانت تزيزيفير على بعد محطتين وتذكرت ملامحها جيدًا، كانت لا تبكى أبدًا لكنها احتضنتنى باكية وقلت لها إننى سأرجع لأسأل عنها وكنت أعرف أننى لا أكذب، وها أنا ذا أفعل وأسأل عنها كنت خائفًا أن أعرف أنها ماتت، تركتها وعمرها سبعون عامًا ومضت ثلاثون سنة وكنت أراها من بعيد فى ذلك المكان مازالت هناك... خالتى تولا».


فى مختلف مراحل الرواية يضعنا المؤلف أيضًا أمام “أركيولوجيا» المكان كمدخل لأبطاله، فاليونان القديمة قبل ثلاثين عامًا من الآن: زمن الرواية الأصلى ليست اليونان بعد هذا التاريخ، وهنا نرصد حرص عادل سعد على تقديم صور شعرية رقيقة عن الشوارع والمدن والقرى والمناخ والعادات والطقوس والأعياد اليونانية، نرصد منها على سبيل المثال: «بيوت تزيزيفيز الحميمة فقيرة فى طرقاتها لكن تسمع السلام بين الجيران».


وفى فقرة أخرى:» فى العطلات تنفتح البيوت كالشوارع، اليونانيون يسكنون الشرفات وفى الشقة المائة متر نصيب الشرفة ثمانون مترًا مزروعة بالنباتات النادرة والزهور والمقاعد البامبو والمساند المُريحة ومن داخل تلك الخميلة يشاهدون التليفزيون ويتناولون الطعام ويمارسون الحب والرقص والغناء».