سيد العجـلاتى وحكــاية محكــمة القطــط

25/11/2015 - 1:42:03

  أسامة عفيفي أسامة عفيفي

بقلم - أسامة عفيفي

هذه الحكاية يعرفها الجيزاوية تمام المعرفة ويحفظونها عن ظهر قلب ورغم رحيل صاحبها، مازال الآباء والأجداد يروونها للأبناء والأحفاد ومازالت تمثل ركنا ركينا من عالم الأشباح والعفاريت الجيزاوية التى تصل إلى حد اليقين. وبالرغم من أنها حكاية جيزاوية أصيلة ومثبتة فى وجدان الجيزاوية لكننى سمعتها فى «جدة» منسوبة إلى ساعاتى فى سوق «قابل» القديم وسمعتها أيضا فى بغداد منسوبة لترزى فى شارع الرشيد نفس الحكاية بتفاصيلها وأسبابها ونتائجها وفى البلدان الثلاثة تروى بيقين يصل إلى التقديس تتخلله دهشة المستمعين وقشعرة الأبدان وتهدج أصوات الرواة...


والحكاية الجيزاوية التي سمعتها مرارا وشاهدت بطلها وتعاملت معه صغيرا وكبيرا تروي قصة عم سيد العجلاتي الشهير بسيد قطة مع عالم العفاريت الجهنمي، ولقد قدر لي أن أتعامل مع الرجل لأن دكانه كان يقع أمام «أجزاخانة» جدي لأمي الذي كان يصيح بصوته الجهوري علي عم سيد بمجرد حضوري» ياسيد نقي عجلة نضيفة للولد» والولد كان أنا ، ذلك الولد المدلل لأنه أول حفيد في العائلة ويخرج سيد العجلاتي من ذهوله الدائم ويبتسم ويجلس الطاووس الصغير الذي كنت علي مقعد الدراجة هامسا في أذني بالنصيحة الغريبة» «اوع تدوس وأنت سايق أي قطة.. دي أرواح يابني» كنت أتعجب من نصيحته الهامسة وأتساءل ولماذا القطط بالذات ؟؟ لماذا لا يوصيني بعدم دهس الكلاب التي كنت أحبها أو لماذا لا يحذرني من دهس البشر؟؟ وكلما أوصاني بالقطط كلما ازدادت دهشتي.. إلى أن عرفت السر في دكان عم «حسوبة الحصري» الذي كان يجتمع على رصيفه كبار أدباء المحروسة الذين يسكنون الجيزة أيام ذاك فلقد كان الرجل مثقفا رغم عمله بصناعة الحصر وكان يرتاد صالونه اليومي زكريا الحجاوي ومحمود حسن إسماعيل وطاهر أبو فاشا والإذاعي طاهر أبو زيد ومحمود السعدني والشاعر طه أبو العلا وطوغان ونعمان عاشور ونجيب سرور وغيرهم من نجوم أدباء العصر، ففي عصر يوم أخذني جدي بعد أن لعبت بعجلة عم سيد وعبر الطريق إلى دكان عم حسوبة الحصري الذي كان يعج برجال أدهشني حديثهم في الموسيقى والثقافة والفنون الشعبية والخرافة والأساطير، وكان المتحدث هو زكريا الحجاوي الذي استأثر بالجلسة وفجأة قاطعه عم حسوبة الحصري قائلا:» أنا حاوريلك ياسي زكريا نموذج حي من اللي بتقوله «وصاح: «واد ياسيد تعالي احكي لعمك زكريا الحجاوي حكاية محكمة القطط» وجاء سيد العجلاتي متحمسا ولمعت عيناه بطريقة أرعبتني ولم لا؟ فلقد أصبح محور اهتمام الأفندية من ضيوف عم حسوبه وبدأ سيد يحكي، وخلاصة ماقاله أنه يعيش مع أمه ويفتح دكانه التي ورثها عن أبيه طوال النهار فإن جمع ثمن «رطل اللحمة» أرسل صبيه إلى الجزار ليشتريها وينتظر حتى يجمع ثمن الخضار، وعندما يكتمل الخضار واللحم يرسل صبيه بهم إلى أمه ويظل يعمل حتى يجمع ثمن الدخان ونصيب اليوم من إيجار الدكان، وما إن يكتمل معه المال اللازم يغلق دكانه ويعود إلى بيته الذي يقع خلف مقام «سيدي أبو داية» القطب الصوفي الذي يتبارك به سكان شارع سعد زغلول. وفي أحد الأيام وضع رطل اللحم في المحل وفجأة ظهرت قطة سوداء خطفت ورقة اللحمة وهربت ولم يستطع أن يلحقها وكانت النتيجة أن انهال ضربا علي صبيه الغافل، واضطر أن يعمل أكثر من المعتاد ليشتري رطلا آخر، وبعد يومين كررت القطة السوداء نفس الشيء وزاد غيظ سيد العجلاتي.. فعلت القطة السوداء نفس الفعلة أربع مرات, لكنه تربص لها في المرة الخامسة واستطاع ان يضربها بمنفاخ العجل الحديدي علي أم رأسها فماتت على الفور. وانتشى فرحا بانتصاره على القطة الغاشمة وفي المساء أغلق دكانه كالمعتاد وسار متمهلا عائدا إلى البيت، وما إن دخل شارعهم المظلم حتي ظهر له في الظلام عملاقان قالا له: «القاضي بعتنا نقبض عليك ياسيد عشان أنت قتلت بنت السلطان» ارتعب سيد العجلاتي وأقسم أنه لم يقتل أحدا وأنه مسالم وعلي باب الله، لكن العملاقين قبضا على ذراعيه بقبضة فولاذية، وضربا الأرض بعصا كانت في يد كبيرهم فانفتحت كوة في الأرض بها سلالم تؤدي إلى سرداب دخلوا فيها فإذا بمدينة كاملة تحت الأرض يسير في شوارعها مخلوقات لها جسد بشري ورأس قطة رجالاً ونساء من القطط والكل ينظر إليه كأنه أحد العجائب الغريبة وسيق إلى السجن ثم إلى المحكمة، ونظر إليه القاضي الذي كان رأسه أيضا رأس قط وجسده جسد إنسان وقال له: ياسيد لقد عينت لك المحكمة محاميا، وقال إنه قابلك هل قابلك فعلا فرد سيد مرعوبا نعم يافضيلة القاضي, هنا قال القاضي أنت متهم بقتل بنت سلطان القطط ما قولك؟ صاح سيد باكيا وربنا ماعرف أنها بنت السلطان، أنا افتكرتها القطة اللى كانت بتسرق رطل اللحمة، وشرح سيد للقاضي القصة كاملة، وقال في النهاية لقد كانت تسرق هذه القطة قوتي وقوت أمي وتتركني أعمل لساعات متأخرة من الليل لكي أشترى مرة أخرى رطل اللحمة، وبعد أن قرأ القاضي تقارير التحريات التي أكدت كلام سيد العجلاتي تشاور مع القضاة وقال له لقد أخطأت القطة وأضرت بك وبأمك، والمحكمة لا تنحاز إلا للحقيقة، هذه المرة سنفرج عنك لأنك كنت تدافع عن قوت يومك، ولكن حذار من أن تضرب أى قطة بعد ذلك.


وأفرجوا عنه وأوصلوه إلى منزله, ولم يفتح سيد العجلاتي دكانه لمدة ثلاثة أيام من الرعب وبعد أن عاد إليها وضع بجانب الدكان طبقين أحدهما به ماء والآخر به طعام لتأكل وتشرب منهما قطط الحي التي بدأت تتوافد على دكانه, ولو حاول أحد الصبية مشاكسة قططه سبه ولعن جدوده: «قائلا بلاش يابني لتتحاكم» ومع الوقت أطلق عليه أهل شارع سعد زغلول اسم «سيد قطة» ، وما إن انتهي من حكايته حتي قهقه أغلب رواد ندوة عم حسوبه الحصري وقال زكريا الحجاوي ضاحكا: الواد ده عاوز له جلستين كهرباء في مستشفي بهمان ويبقي زي الفل ورد عليه نعمان عاشور ضاحكا بس بصراحة الواد شكله «مقطقط «فانفجر الجميع في الضحك وقال عمنا طوغان «ده طبيعي الجعان يحلم بسوق العيش الراجل المسكين مالقاش العدل على الأرض حلم به تحت الأرض شيء طبيعي يا زكريا « وأكمل الجميع ضحكهم وانسحب سيد قطة متمتما : «اضحكوا اضحكوا لحد مايجرجروكم كلكم وتتحاكموا على ضحككم ده والقطط تنهش بدنكم..» تعجبت من الحكاية واندهشت من ضحك الضاحكين ولم أفهم معنى جلسات الكهرباء، وتعجبت كيف يكون هناك مستشفي يستخدم جلسات للكهرباء في العلاج، وظللت مصدقا عم سيد قطة حتى كبرت والتحقت بالجامعة وعرفت في دراسات علم النفس أن هناك مرضا اسمه الهواجس السمعية والبصرية وهو المرض المسئول عن ظواهر كثيرة ينسبها العامة إلي العفاريت والأشباح، وإن كثيرا من البسطاء يعالجون هذه الحالات عند الدجالين إلى أن تتفاقم فيذهبوا للأطباء النفسيين بعد أن يكون المرض قد تمكن من المصاب، وعندما سمعت الحكاية في جدة وبغداد بنفس تفاصيلها مع تغير أسماء ومهن أبطالها أصبحت أميل لتفسير الفنان طوغان الذي يرى أن البسطاء يحلمون بالعدل في العالم الأسطوري بعد أن انعدم على الأرض في العالم الواقعي أى أنهم يرون أن العفاريت المخيفة أكثر عدلا من حكامهم البشر، وهذا سر انتشار مثل هذه القصص بنفس تفاصيلها من بلد إلى بلد.... مع انهيار التعليم وسيادة المنهج الغيبي وانتشار إعلام الإثارة الباحث عن الأكثر مشاهدة والأكثر جلبا للإعلانات، انتقلت هذه الخرافات إلى شاشات الفضائيات لدرجة أن الدجالين والمشعوذين أصبحوا ضيوفا دائمين في محطات فضائية كثيرة في بلد ينهض بعد ثورتين لمحاربة التطرف والانحراف الفكري ويسعي لتنمية الوعي والمعرفة ويستهدف نهضة اقتصادية وسياسية وحضارية وسط أخطار ومؤامرات عالمية، رغم هذه الأهداف مجتمعة تصنع كثير من الفضائيات بيئة حاضنة للخرافة والتخلف بيئة ضد العلم والتفكير العلمي لدرجة استضافة بعض الدجالين الذين يمارسون إخراج العفريت من أصابع الملبوس على الهواء مباشرة، فيصدق البسطاء ويلجأون لهؤلاء الدجالين يوميا وتتوالى الكوارث من اغتصاب ونصب بل قد تؤدي إلى وفاة المريض المسكين كما حدث مع الفتاة التي نزفت حتى الموت علي يد دجال كان يحاول إخراج عفريت من أصابع قدميها ويضربها على الجرح حتى ماتت بين يديه وهو يحاول إقناع أهلها أنه يضرب العفريت حتى يخرج، وعندما قرأت هذه الحادثة بالذات تذكرت حكاية عم سيد قطة العجلاتي، وتذكرت قول عمنا زكريا الحجاوي الذي أوصي بمعالجته في مستشفي بهمان للأمراض النفسية، وعندما رويت الحكاية لأحد اصدقائي وهو أديب معروف وأخبرته بأنني سأكتب في هذا الموضوع, نظر إلىَّ مندهشا وهمس في أذني: «بلاش لحسن يضروك» اعتقدت لأول وهلة أنه يمزح ولكنني بعد أن نظرت في وجهه مليا اكتشفت أنه جاد تماما في تحذيره، وقال ردا على نظرتي المندهشة: «بلاش عشان خاطري دول سرهم باتع ياصاحبي» قلت له ضاحكا: «وربنا أنت اللي محتاج جلستين كهرباء في مستشفي بهمان».