هل تتعرض مصر لمؤامرة بالفعل؟

25/11/2015 - 1:37:30

بقلم - السفير د. عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة

يعتقد قطاع عريض من الإعلاميين المصريين أن مصر كدولة تتعرض لمؤامرة لاسقاطها وتفتيتها، وأن هذه المؤامرة لا تنفصل عما يجرى فى الشرق الاوسط من تحولات جذرية لم تكن متوقعة، ويصعب التعرف على اتجاهات مسارها فى المستقبل، ويخلط أبناء هذا التيار بين ما حدث فى ٣٠ يونيو من إسقاظ الحكم الدينى فى مصر ممثلا فى حكم الاخوان المسلمين، وبين هذه المؤامرة التى يرون أنها بقيادة أمريكية وباستخدام دول شرق أوسطية مثل قطر التى تعانى عقدة نفسية معروفة فى علم النفس بعقدة سلوك صف الضابط الذى يلعب دورا محوريا مع كل من الجنود والضباط كل على حدة، ولكنه لا يمكنه الجلوس مع أى منهما ولا يمكنه مصادقتهما لمحدودية دوره ومحدودية إمكانياته وتركيا التى يعانى رئيسها من تدهور فى دوره السياسى بانتقاله من منصب رئيس وزراء إلى منصب رئيس جمهورية شرفى فى نظام برلمانى وفى ظل رغبة حميمة لإعادة إحياء الامبراطورية العثمانية ومثل الولايات المتحدة الامريكية التى تعيد ترتيب أوراقها فى الاقليم فى ظل اهتمامها بآسيا الصاعدة بقوة فى النظام العالمى على حساب المنطقة وبخاصة الخليج العربى.


يزيد من أهمية نظرة المؤامرة توقيت اطلاقها، فهى تتواكب مع الانتخابات البرلمانية فى مصر وهى انتخابات لها أهمية خاصة بوصفها الاستحقاق الثالث والاخير لخريطة الطريق المصرية بعد انتخابات الرئيس والتصويت على الدستور، ومن ثم يتم فور الانتخابات تطبيع الحياة السياسية فى مصر وتدفن للأبد أى أفكار حول انقسام السلطة فيها٣ ومن ثم تدفن أى آمال لجماعة الاخوان للعودة إلى الحياة السياسية، وهو ما أدركه بعض رعاة فكرة المؤامرة فى مصر فربطوا بين مؤامرة اسقاط الدولة وبين ضرورة استكمال هذه الانتخابات.


هذه الأوضاع تطرح تساؤلات عديدة من طراز ما هى طبيعة الفكرة التآمرية؟ ومتى تظهر؟ بمعنى الظروف التى تؤدى إلى ظهورها ؟ وأسباب اللجوء للفكرة التآمرية؟ وهل فعلا مصر تواجه مؤامرة لاسقاطها؟ وما هى مخاطر الاستسلام للفكرة التآمرية؟


بداية الفكرة التآمرية فكرة تقوم على التضخيم والتهويل، إضافة إلى انها فكرة سهلة لتفسير الواقع، خاصة أنها تظهر فى وقت غياب المعلومات، أو توقع حدوث حدث جلل ولا نملك مقومات تحليله كالمعلومات كما ذكرنا أو طبيعة الحدث نفسه التى تتسم بالغموض، وقد اشرت إلى ارتباط ذلك برؤية محددة لأدوار بعض الدول والخلط بين هذه الادوار وتوجاهات النخبة الحاكمة أو الشعب أو كليهما معا تجاه دول معينة مثل الولايات المتحدة وقطر وتركيا، كما أن الفكرة التآمرية سهلة ويمكن تداولها بسرعة وتحل اشكالات فى وقت غياب المعلومات، بل انها تحل محل المعلومات نفسها، أو تفسر موقفا عجزنا عن تفسيره.


الوجه الاخر للفكرة التآمرية هى التفسيرات الغيبية وتظهر عادة وقت الازمات أو الانجازات غير المتوقعة التى يصعب ايجاد أسباب لها وقد حدث ذلك فى مصر خلال حربى ١٩٦٧ ثم ١٩٧٣ ففى حالة حرب ١٩٦٧ ظهر تفسير للنكسة بعدها مباشرة مفاده أن سبب النكسة البعد عن الله والبعد عن الدين وروج له عدد من الشيوخ بالجوامع ولكن سرعان ما اختفى هذا التفسير مع ظهور معركة رأس العش والإعلان عن إغراق المدمرة ايلات ثم بدء حرب الاستنزاف, أما بعد حرب ١٩٧٣ فقد ظهر هذا التفسير مرة أخرى مصحوبا بروايات عن كتابة الله أكبر بدخان المدافع فوق سيناء خلال الحرب، وبروايات عن ادعاءات بأن بعض الجنود رأوا خلال الحرب ملائكة تحارب فى صفوف المصريين، مما دعا عددا من الشيوخ لتناول هذه الظواهر فى خطب الجمعة، مما دفع د. فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة لكتابة مقال ندد فيه بهذه الخزعبلات التى تبخس الجندى المصرى حقه وما حققه من إنجازات.


إذن غياب المعلومات وعدم وجود تفسير مقنع لبعض الاحداث وتوقع حدوث حادث جلل دون وجود تفسير له كلها عوامل تؤدى لظهور الفكر التآمرى والغيبى أيضا، وكلها كما نرى من صنعنا نحن وليست من صنع الآخرين، فكيف نعاملها على أنها مؤامرة؟ هل نحن نتآمر ضد انفسنا؟غير معقول وغير منطقى.


يزيد من فرص اللجوء للتفكير التآمرى فى الوقت الراهن حالة اللا يقين التى تسيطر على التحولات السياسية التى يمر بها الوطن العربى منذ اربع سنوات، وظهور تحولات لم تكن متوقعة من قبل وهو ما جرى وصفه بالبجع الاسود فى مراكز الفكر الاستراتيجى نسبة إلى نظرية علمية طرحها نسيم نيقولاس طالب بهذا الاسم للتنبؤ ببعض الظواهر التى تفاجئنا وكان يمكن التعرف عليها مسبقا اذا ما غيرنا اسلوب تفكيرنا أو حللنا الاحداث بطريقة تركيبية تسمح بتفتيت الحدث الواحد إلى احداث اصغر وعوامل مختلفة، فثورات الربيع العربى لم يتنبأ بها قبل حدوثها مركز تفكير واحد على مستوى العالم، بالرغم من كل المؤشرات التى كانت تدل على خطورة الوضع، فثلثا السكان العرب من الشباب، ومستويات المعيشة تدنت، والفساد وصل إلى ذروته حتى انه وصل لانتخابات مجلس الشعب، والبطالة انتشرت، واستخدامات الانترنت توسعت، ومواقع التواصل الاجتماعى المختلفة انتشرت، ومعدلات القراءة والزواج تراجعت، ومعدلات تدهور الخدمات التعليمية والطبية زادت وزادت معها معدلات الطلاق وبخاصة بين حديثى الزواج ومعدلات اللجوء إلى العنف، أليست كلها مؤشرات تشجع على الثورة؟


ولكن ما هى مخاطر انتشار التفكير التآمرى؟ ولماذا أرفضه؟ بل أطالب بمحاربته والتوقف عن نشره؟ إن اللجوء للتفكير التآمرى فى الوقت الراهن يختلط بمؤشرات الواقع الذى نعيشه بحيث يؤدى إلى حالة قوية من الالتباس للامور مما يزيد من مخاطر حالة الغموض ونقص المعلومات التى نعانى منها، مما يزيدنا ارتباكا من ناحية، ومما يصعب علينا من ناحية أخرى تقدير الموقف تقديرا سليما لأننا خلطنا الحابل بالنابل حينما خلطنا عناصر الـتآمر بما توافر لدينا من معلومات محدودة حتى وإن لم تكن كافية.


إضافة لذلك فإن للتفكير التآمرى مشكلة أخرى تتمثل فى أنه يؤدى إلى إصابة الشعب بحالة من التوتر النفسى ومن ثم فاستمرار قطاع عريض من الشعب فى هذه الحالة من التوتر النفسى ستؤثر على الحالة الصحية والفكرية للشعب، فتختلط عليه معايير التآمر بما هو موجود من معايير للواقع فيعجز عن الابقاء على قوة الانتماء الوطنى لديه، لأنه قد ترسخ فى ذهنه ضعف قدرته على الحفاظ على وحدة تراب الوطن امام المؤامرة التى حيكت ضد الوطن ومن دول كبرى فى بعض الاحيان.


أيضا يصعب استمرار الشعب والإبقاء على هذا التوتر النفسى لمدة طويلة لأن استمراره يعنى أن الشعب سيتعود على حالة الخطر ويتعامل معها باعتبارها الحالة الاعتيادية اليومية الروتينية، ومن ثم إذا تدهور الموقف – لا سمح الله- نتيجة مواجهة خطر حقيقى بالفعل فمن المؤكد أن الشعب لن يكترث وسيظل على حالته المعتادة التى سبق وتعود عليها فى ظل معايشته لفكرة المؤامرة، ولم لا فقد سبق وعاش فى ظل مخاطر اقوى بهذا الاسلوب واستمرت الحياة ولم يحدث شىء.


لقد قدمت لنا ثورات الربيع العربى وأكررها ثورات الربيع العربى مصطلحا عرفناه نظريا وعلميا ولم نكن نعرفه بصورة عملية وهو مفهوم “الانومى” أو اختلاط المعايير فقد وصل حال الدول العربية إلى مرحلة الانومى التى تضعف فيها قيم الولاء للوطن وقد تدفعهم إما إلى الهجرة أو إلى الانتحار أو عدم الاكتراث أو إحياء الولاءات الأولية كالقبيلة والدين والمذهب والعرق بعد المرور بتجربة الاغتراب والشعور بأنهم لا يرتبطون بالوطن ولا يفيدهم ولا ضرورة لوجوده، وهى الحالة التى وصل إليها الشباب العربى قبيل الربيع العربى مباشرة وهى الحالة التى تفسر لنا ضخامة المشاركة الشعبية فى صفحة خالد سعيد، ثم فى النزول لميادين الثورة فى مختلف المحافظات، فالثورة لم تكن مؤامرة لدى الملايين التى شاركت فيها.


كذلك هناك فارق ضخم بين مفهوم المؤامرة وما يحدث اليوم، فالمؤامرة سبق وخبرتها مصر فى حرب ١٩٥٦ حينما اجتمعت ثلاث دول سرا فى إحدى المدن الفرنسية (سيفر) ووضعوا خطة العدوان الثلاثى ونفذوها، ولكن ما يحدث اليوم مجرد تنفيذ لسياسات سبق إعلانها منذ مطلع الألفية بوضوح تام لإقامة الشرق الأوسط الجديد أو الموسع وتقاعس الجميع عن مواجهة الموقف باستثناء حادث الخلاف الحاد الذى وقع بين وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط عام ٢٠٠٥ وكونداليزا رايس خلال مناقشة مشروع “صندوق المستقبل” الذى استهدفت واشنطون من إقامته تقديم دعم مالى لمنظمات المجتمع المدنى، وكان الخلاف ليس حول تقديم المساعدات من عدمه وإنما حول المنظمات التى يقدم لها الدعم فالوزير أبو الغيط طالب بتقديمها للمنظمات المسجلة لدى الدولة فقط بينما أصر الجانب الامريكى على تقديمها لمن تقرر أمريكا، ونظ را لعدم حسم القضية فقد تجدد الخلاف فى اجتماعات أخرى فى واشنطون عام ٢٠٠٦ بينما كان الخلاف الأول قد جرى على أرض البحرين الشقيقة وحضرته الدول العربية ولكنها لم تتدخل فى هذا الجدل.


فما يجرى اليوم هو تطبيق واشنطون لهذه السياسات المعلنة منذ سنوات طوال مع انتهاز كل الفرص الممكنة بما فيها تجنيد دول عميلة مثل قطر وتسليح جماعات معارضة وتدريبها عسكريا ونشر حالة من الفوضى وكلها اساليب يمكن بسهولة وصفها بأنها غير أخلاقية أو غير مطلوبة أو غير مرغوب فيها من جانبنا إلا أنها أدوات قديمة فى العلاقات بين الدول ونجاح واشنطون أو غيرها فى استخدام هذه الأساليب يتوقف علينا نحن والجهد الذى نبذله من جانبنا لإفشال جهود واشنطون أو غيرها.


إن إصرار تيار سياسى أو مجموعة سياسية على اطلاق مفهوم المؤامرة وتضخيمه أمر جلل يمس عصب الأمن القومى المصرى سلبا ومن ثم يحتاج الأمر لتدخل مباشر من الدولة فى الإعلام لوقف هذه الجريمة فى حق الوطن حماية للشعب وللدولة، وانتظارا لمستقبل أكثر استقرارا بعد انتخاب مجلس النواب وأكثر أمنا بعد التنسيق الجارى لوضع استرتيجية عالمية جديدة لمكافحة الإرهاب ودحره.