نحن ندعو لمحاكمة أمريكا وبريطانـــــــيا

25/11/2015 - 1:33:12

  مذحة باريس الأسبوع الماضى اثارت حفيظة العالم كله مذحة باريس الأسبوع الماضى اثارت حفيظة العالم كله

بقلم - حمدى الكنيسى

«رب ضارة نافعة!!» لكن ذلك لا يتحقق فعلا إلا إذا كانت الدولة التى تتعرض للضرر إحدى دول «الغرب» مثل «فرنسا»، حيث إن العنصرية تكشف عن نفسها عندما تتعرض تلك الدول لضرر ما حيث تقوم الدنيا ولا تقعد، وتنطلق التصريحات النارية المتعاطفة والمهددة بالويل والثبور وعظائم الأمور لمن يتسبب فى ذلك الضرر، وتنعقد المؤتمرات الإقليمية والدولية لبحث ما حدث للدولة العزيزة الغالية. هذا ما حدث بالضبط عقب ارتكاب «داعش» لمذبحتها البربرية فى «باريس»، وهذا ما لم يحدث إطلاقاً عندما سقط عشرات الضحايا من اللبنانيين منذ أيام قلائل نتيجة لعمل إرهابى داعشى، وهذا ما لم ومالا يحدث عند سقوط المئات من السوريين والعراقيين والليبيين، والمصريين واليمنيين ضحايا إرهاب داعش ومثيلاتها من التنظيمات التكفيرية، وهذا ما لم، ويغرق منهم فى البحار من يغرق، ويتعرض من ينجو منهم للقهر والإذلال فى الدول التى يلجأون إليها.


هكذا.. بحكم «العصر الظالم» الذى تربعت على عرشه دولة واحدة، لم يعد للحكمة القائلة «رب ضارة نافعة» وجوداً إلا مع دول من القبيلة «الغربية الأمريكية»، وقد رأينا كيف حركت مذبحة «باريس» العالم كله.. تحرك الاتحاد الأوربى ودعا إلى اجتماع عاجل لأهم وزراء دول الاتحاد، وتحركت أمريكا فقال رئيسها إن ما حدث جريمة ضد العالم كله ثم ترأست واشنطن قمة مجموعة العشرين التى انعقدت فى تركيا لتخرج نفس القرارات الساخنة لتؤكد هدفاً واحداً وهو القضاء على «داعش» و«نصرة الإسلام» وغيرهما من التنظيمات الإرهابية، ويتنازلون من أجل ذلك عما كانوا يرددونه عن إسقاط «بشار الأسد» أولاً!!


لكن السؤال المنطقى يفرض نفسه: هل يكتمل العمل ضد الإرهاب بتدمير داعش وشقيقاتها وتقول: «ليس فى الإمكان أبدع مما كان»؟!!


الإجابة - بالتأكيد - كلا فلابد من اقتلاع «جذوره السياسية» و«الدينية» و«الاقتصادية».


ونبدأ بالجذور السياسية التى تتجلى فيمن خلقوا الإرهاب وجعلوه ينمو ويترعرع فى أحضانهم، والذين لا مناص من محاسبتهم ومحاكمتهم لأنهم - بأفكارهم ومخططاتهم - لن يتخلوا نهائيا عن تلك التنظيمات الإرهابية، وإن اشتركوا فى ضربها اليوم سيخلقون غيرها غداً. لذلك فإننا نرى أنه لا بديل عن التحرك فوراً لتشكيل «جبهة دولية موحدة» تقودها الدول التى عانت وتعانى من الإرهاب لبحث أسباب نشوء تلك التنظيمات، و«محاكمة» من وراءها، ومن البديهى أن هذه الجبهة سوف تستبعد أمريكا وبريطانيا إذ إن المعروف للقاصى والدانى أنهما ضالعتان فى خلق الإرهاب، ولابد من وضعهما داخل «قفص الاتهام» حيث تصفعهما الحقائق الدامغة التى تقول: بدأ زرع بذور الإرهاب عندما قررت أمريكا توجيه ضربة قاتلة للاتحاد السوفيتى، فقامت بإنشاء جماعات من العرب المسلمين ودربتهم على أساليب القتال العنيف، وأرسلتهم إلى أفغانستان حيث نجحوا فى طرد الاتحاد السوفيتى منها بعد معارك دامية، ومع ذلك ظلت أمريكا تشجع وتدرب «طالبان» وغير «طالبان» إلى أن نشأت «القاعدة» فاحتضنتها أمريكا ودعتها، بأمل استخدامها فى أماكن أخرى، لكن السحر انقلب على الساحر وشاء السميع العليم أن تنقل «القاعدة» عملياتها الإرهابية إلى عقر دار أمريكا فضربت برج التجارة العالمى وقذفت الرعب فى قلوب الأمريكيين، لكن إدارة «بوش الابن» بدلا من مواجهة التنظيم الإرهابى الخطير، اتجهت إلى العراق زاعمة أن «صدام لديه أسلحة الدمار الشامل» وانطلقت الصواريخ والطائرات الأمريكية والبريطانية تدك الدولة العربية العريقة، وتمزقها، وتفتتها لتسقط صريعة تحت أقدام حرب أهلية لا تبقى ولا تذر، فعلت أمريكا وبريطانيا ذلك بالرغم من توالى الشواهد التى أكدت خلو العراق من أية أسلحة دمار شامل، (وبالمناسبة «بلير» شريك بوش فى الجريمة الإرهابية التى أخرجت العراق من التاريخ والجغرافيا ليعترف - وبراءة الأطفال فى عينيه - أن حكاية أسلحة الدمار الشامل العراقية لم تكن حقيقية) قالها بعد ١١ عاما من ارتكاب جريمتهم التى مازالت أسر الملايين الذين قتلوهم تبكى ضحاياها مثلما يبكى كل العراقيين ما جرى ويجرى لدولتهم. وطبعا لم تعتذر أمريكا.. ولم تعتذر بريطانيا لكنهما لم يفهما أن ما حدث للعراق أوجد مناخا ملائما لظهور شباب ناقمين محبطين حاقدين صاروا فريسة لأفكار «القاعدة» على الأقل بهدف الانتقام ممن دمروا العراق وأيضا أفغانستان، لكنهم - وغيرهم من الشباب الناقم - لم يوجهوا انتقامهم فى البداية صوب الوجهة الصحيحة بالنسبة لهم، فانتقلوا بعملياتهم الإرهابية إلى الصومال ونيجيريا ثم عدة دول صغيرة!


ولمزيد من الاستغلال الدنىء للفكر والعمل الإرهابى اخترعوا تنظيم «داعش» الذى ينافس بقوة وشراسة تنظيم «القاعدة» ،إن كان من المحتمل أنه ينسق معها، وهكذا بدأ استخدام التنظيم الإرهابى فى تنفيذ الفوضى الخلاقة التى تؤدى إلى تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد، ويكفى أن أشير إلى ما تضمنه كتاب «مهندسوا الكارثة» لمؤلفه الأمريكى الذى يقول «إن بعض ثورات الربيع كانت معدة جيدا ولها أهداف محددة»، حتى ثورة يناير الحقيقية فى مصر حولتها أمريكا إلى فرصة تقتنص جماعة الإخوان خلال مقاليد الحكم، واتضح أيضا فتح أبواب سيناء للتنظيمات التكفيرية حتى تستخدمها فى الوقت المناسب، وهذا ماظهر واضحاً عندما ثار الشعب فى ٣٠ يونيه وأسقط النظام الفاشى الفاشل فانطلقت تلك التنظيمات فى أعمالها الإرهابية بإشارة علنية من قيادات إخوانية، بل إن عناصر من شباب الإخوان انطلقوا هم أيضا فى مظاهرات مسلحة، وعمليات قتل وتفجيرات بهدف الانتقام من الشعب. حدث ذلك - ومايزال أحياناً - برعاية خفية من أمريكا وبريطانيا لعلها افتضحت بما صار معروفاً عن احتضان بريطانيا لقيادات التنظيم الدولى للإخوان، واستقبال وترحيب أمريكا بوفود القيادات الإخوانية الهاربة فى قطر وتركيا، ونراها تتردد على واشنطن لتنسيق أية عمليات أو حملات إعلامية ضد مصر !


ونعود إلى كتاب (مهندسو الكارثة) الذى يقول بالحرف الواحد «إن أوباما وحلفاءه أداروا ظهورهم لنداءات القذافى من أجل حل سياسى ، وأصروا على دعم التيار المتطرف للوصول إلى حكم ليبيا التى توطأت أمريكا فى تحويلها إلى مفرخة للإرهاب فى الشرق الأوسط، حيث تتواصل عمليات الجماعات الإرهابية التى أشرف عليها وخطط لها عسكريون قطريون بتعليمات أمريكية ! والمعروف أن أمريكا وبريطانيا تقودان مؤامرة حظر تسليح الجيش الليبى الوطنى حتى الآن لكى لا ينجح فى ضرب داعش وغيرها !


ويمتد الحديث عن رعاية أمريكا وبريطانيا للإرهاب إلى مايجرى فى سوريا والعراق واليمن والصومال، وإن كانت مصر بفضل جيشها البطل وشرطتها الرائعة قد نجحت إلى حد كبير فى إجهاض المخطط الإرهابى وتلقين داعش ومثيلاتها دروسا رهيبة .


هكذا تحيط كل عناصر الاتهام بخلق وتشجيع الإرهاب حول «عنق كل من أمريكا وبريطانيا» ، فهل يمكن أن تتشكل فعلا - وفى أقرب وقت - جبهة دولية موحدة - لمحاسبة ومحاكمة الدولتين (الإرهابيتين فكرا وتخطيطاً!) هل يمكن إجبارهما على الاعتذار، والتعهد بالتوقف فورا عن رعاية التنظيمات الإرهابية وبالمرة التوقف عن الانحياز الفاقع الذى يشجع اسرائيل على ارتكاب جرائمها ضد الشعب الفلسطينى الذى قد يخرج من بينه شباب تستقطبهم الجماعات الإرهابية؟


ثم هل يمكن لمحكمة العدل الدولية أن توقع غرامات مالية على واشنطن ولندن تقدم حصيلتها للدول التى تعانى من الفقر الذى يولد معه أحياناً الإرهاب؟ وبذلك تتم المواجهة الفعالة مع الجذور الاقتصادية للإرهاب؟


أما جذور الإرهاب الدينية فتستدعى العمل فورا فى تجديد الخطاب الدينى كما دعا إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى ، ولكى يتحقق ذلك لابديل عن مراجعة الفكر «الإخوانى» و«السلفى» و«الوهابى» - هذا إلى جانب رفع المستوى الثقافى والتعليمى .


ويبقى أن أعود إلى مابدأت مقالى به .. وهو «رب ضارة نافعة» خاصة لو تمت المواجهة الحقيقية الحاسمة مع جذور الإرهاب السياسية، والثقافية والدينية والاقتصادية .. وعندئذ نقول : «شكرا لباريس التى كان لمذبحتها المفجعة الفضل فى اقتلاع جذور الإرهاب ، وعودة الأمن والأمان».