نواب شراء الذمم

25/11/2015 - 11:43:33

  عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

بقلم - عبد اللطيف حامد

«الفلوس بتتكلم» فى الساعات الأخيرة، وسعر الصوت وصل إلى ٥٠٠ جنيه، «يا خوفى تعبنا هيروح هدر» استيقظت صباح يوم السبت الماضى على هذه العبارة من أحد أصدقائى الذى قرر خوض الانتخابات البرلمانية رغم تحذيرات الكثيرين من الأصدقاء والزملاء من هذه التجربة المريرة فى مواجهة عتاة المال السياسى، وحريفة شراء الأصوات، والذمم للوصول إلى كراسى البرلمان.


صديقنا الشاب كغيره من مئات وآلاف الشباب تحمس للفكرة، وأنفق الغالى والنفيس وقتا وجهدا وعرقا وليس أموالا ورشاوى انتخابية رغبة فى تخليص البلاد والعباد من سيطرة الوجوه القديمة، وخلق موطئ قدم فى صنع القرار للشباب الذين دفعوا دماءهم وأرواحهم فى ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه خصوصا أن حال البلد فى النازل لدرجة أن البعض من الغلابة والمطحونين من الغلاء، وضيق الحال عادوا يترحمون على زمن فات كان سببا فى كل كوارث البلد فى كافة المجالات والمستويات، لكن كما يقول الأديب العالمى نجيب محفوظ «آفة حارتنا النسيان».


نعود للمرشحين الشباب الذين راهنوا على وعى الناس، وخروجهم الكبير يوم التصويت لتغيير موازين القوى الانتخابية التقليدية لكنهم نسوا أن العوز والحاجة تجبر الإنسان على أن يفعل أى شىء، فلا مكان للقناعات والمبادئ بينما الجيوب خالية والبطون خاوية، وهنا ألفت الانتباه إلى عدة شخصيات نجحت فى المرحلة الأولى رغم توقعات المحللين والمنظرين بالخروج من المشهد الانتخابى بفضيحة لن ينسوا وقائعها حتى تصعد الروح إلى بارئها لكنهم أقاموا ليل نهار فى المناطق الشعبية والعشوائية والريفية فى دوائرهم، استخدموا لغة المال، والرشاوى الانتخابية على عينك يا تاجر، لم يشغلوا أنفسهم بالجولات والمؤتمرات فى الأحياء الراقية أو مع القوى السياسية والمثقفين، لم يقيموا وزنا لدعوات الشباب للمقاطعة، حتى الشعارات الانتخابية كانت تغازل المناطق الفقيرة لتحفيزهم على بيع أصواتهم بثمن بخس سيرا على المثل الشعبى القائل «عيشنى النهارده وموتنى بكرا».


لا أريد أن أكون قاسيا على أهالينا فى المناطق الشعبية والريفية لكنها للأسف الحقيقة بعيدا عن أى تزويق أو تجميل، وفى الوقت نفسه هم معذورون، فلا خدمات أساسية أو صحية، ولا مرتبات مجزية بل لا وظائف أصلا، ويكفى أن الأسرة الواحدة بها أكثر من خريج سواء دبلومات أو جامعات لا يجدون عملا، ويعيشون عبئا على الآباء والأمهات، والغلاء لا يوقر كبيرا، ولا يرحم صغيرا، أما فى الريف فحدث ولا حرج، الفلاحون والمزارعون يعيشون أسوأ أيامهم، فأسعار المحاصيل فى هبوط، ومستلزمات الزراعة فى صعود، الكثير منهم لم يعد قادرا على مواصلة المهنة، حتى أصحاب الحيازات الزراعية باتوا مفلسين فما بالنا بالأجرية، والعمال البسطاء، فهل يمكن أن نطالب هؤلاء المشردين فى الأرض، الذين ينامون من غير عشاء برفض ٣٠٠ أو ٥٠٠ جنيه سيحصل عليها الواحد منهم لمجرد الذهاب فى مشوار إلى لجنة الانتخابات لن يتجاوز نصف ساعة بحجة وجود برلمان تشريعى قوى، وتشكيل حكومة أفضل؟.. من المؤكد أن هذا الكلام المرسل لن يجد آذانا مصغية، ولا قلوبا مفتوحة ولا عقولا متدبرة لأنهم لا يثقون فيه، ويعتبرونه «طق حنك»، فالميه تكدب الغطاس كما يقولون، فهم سمعوا وجربوا هذه الشعارات عشرات المرات، ولم يتغير الأمر قيد أنملة، بل معيشتهم تزداد صعوبة، وضيقا، والحكومات المتعاقبة لم تفعل لهم شيئا، ودائما الأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يسقطون فى بئر الفقر أكثر.


الخلاصة أن شباب المرشحين لمجلس النواب نسوا فى سكرة حلم تمثيل جيلهم تحت القبة أن أباطرة المال والنفوذ من رجال الحزب الوطنى المنحل تربعوا فى البهو الفرعونى لسنوات طويلة، وذاقوا حلاوته نفوذا وحصانة ووظائف ومناصب للأبناء والأحفاد، وأحيانا الأقارب والشلة، ولا مانع من وضع تسعيرة لكل وظيفة من الكهرباء إلى الضرائب مرورا بالبنوك وليس انتهاء بالمحليات لمن يريد أن يجد فرصة عمل من الغرباء، وطبعا لن أتكلم عن هيئات وجهات أخرى حتى لا تطاردنى التهديدات والقضايا، هذه الشلة لن تتنازل عن قائمة المزايا والمكاسب الطويلة بسهولة، وسيجملون وجوههم المحروقة بمئات الآلاف والملايين من الجنيهات، فالغاية تبرر الوسيلة، وهم محترفون لعبة الانتخابات على مدى سنوات طويلة، ويعرفون خريطة الفقر جيدا، وعلى تواصل مع المسيطرين عليها لتوظيفهم وقت الضرورة، وحتى معظم من فاز من الشباب فى المرحلة الأولى كانوا من ورثة نواب شراء الذمم، وعلى نفس المنهج يسير أصحاب المال الحرام والممولون من الداخل والخارج، وما نتائج الجولة الأولى ببعيد.. والله أعلى وأعلم.