انتخابات «لم يحضر أحد»

25/11/2015 - 11:36:01

  إيمان رسلان إيمان رسلان

بقلم - إيمان رسلان

كشفت نتائج الانتخابات الطلابية التى انتهت هذا الأسبوع، بعد توقف طال أكثر مما ينبغى لـ٣ أعوام عن عودة ظاهرة العزوف الطلابى عن التصويت أولاً وبدرجة أقل فى أعداد المرشحين ثانياً وكشفت لغة الأرقام فى جامعة القاهرة - الجامعة الأم لكافة الجامعات - أن نسبة الحضوركانت فى حدود ١٠ ٪ فقط لا غير فيما عدا التخطيط العمرانى التى تجاوز التصويت ٦٠ ٪.. بل من مفارقات الانتخابات الحالية التى غابت منذ عام ٢٠١٢ أن رئيس اتحاد طلاب مصر “محمد بدران” سابقا أصبح رئيساً لحزب “مستقبل وطن” ويشارك فى الانتخابات البرلمانية التى تتم مرحلتها الثانية هذا الأسبوع واستطاع حزبه أن يحتل المرتبة الثانية فى عدد الفائزين بمقاعد البرلمان بعد حزب “المصريين الأحرار” وكلاهما يموله رجال الأعمال!


فهل غياب الطلاب خاصة عند التصويت حالة من عزوف جماعى أم صيحة غضب أم احتجاج ولماذا عادت انتخابات الاتحادات الطلابية إلى شكلها قبل ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وهى التى أطلق عليها انتخابات لم يحضر أحد حيث شعار الفوز هو بالتزكية والتعيين كان شعار الجميع دولة وطلاباً بمعنى أن الدولة تظاهرت بأنها تجرى انتخابات كشكل ديمقراطى والطلاب تظاهروا هم أيضاً بأن ليس لهم فى الموضوع وأسسوا اتحادات طلابية موازية وإن كان قد سيطر عليها الإخوان فى عهد حسنى مبارك أى ثنائية مبارك والإخوان الشهيرة.


ولكن بعد الثورة تغير الأمر كثيراً وزادت نسبة المشاركة ترشيحاً وتصويتاً حتى إن الإخوان كانوا هم الأقلية وهزموا فى الانتخابات الطلابية والدليل وجود محمد بدران على رأس اتحاد طلاب مصر.


ولذلك دائماً يثور السؤال هل أسباب العزوف هى حالة عامة من الشباب سواء فى الانتخابات البرلمانية أو الطلابية أى أن الشباب “كبر دماغه” فى قضية المشاركة بشكل عام.. أم أن غياب السياسة بالمعنى العام أصبح عملاً غير مستحب أو أبغض الحلال ومكروه فى كثير من الأحيان.


يبدو أن الإجابة تحتمل الكثير من الأسباب وليس سبباً واحداً فقط فلغة الأرقام فى حالة جامعة القاهرة كمثال نجد أن فى كلية العلوم مثلاً حضر ٢٣٧ طالب وطالبة فقط من إجمالى ٢٤٠٩ وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حضر ٧٨٦ طالب وطالبة من ٢٧٩٣ طالب ٣٠ ٪ وهى من أعلى نسب المشاركة فى كليات الجامعة الأم إذا استثنينا كلية التخطيط العمرانى حيث حضر ٦٣١ طالب وطالبة من إجمالى ٩٢٣ طالب بنسبة تجاوزت الثلثين أى ما يقرب من ٦٥ ٪ وهى حالة لابد من دراستها بدقة.


هذه بعض الأمثلة التوضيحية لحالة تقول معها أنها ظاهرة عزوف ولا أستطيع أن أجزم هل هى حالة مقاطعة متعمدة أم لا؟ لأن هذا يستلزم إجراء استقصاء رأى علمى حول أسباب العزوف خاصة فى ظل غياب شبه تام لوجود التكتلات السياسية فى العمل الجامعى، وأقصد بالتكتلات السياسية الوجود الحزبى المعلن على اعتبار أن العمل الحزبى محرم تحريماً تاماً وباتاً ونهائياً فى الجامعات وإن كان مسموحاً فقط كما يردد المسئولين بالمناقشات والحوارات السياسية وتلك ازدواجية لم أفهمها إذا ماذا تعنى السياسة بدون أحزاب رغم أن الدستور ينص عليها؟!


ولكن يبدو أن فوبيا الحديث عن العمل الحزبى والخوف منه وهو أحياناً حق يراد به باطل كان للتخويف من خطر الإخوان وكذلك من تيار الإسلام السياسى الذى يتنكر الآن فى زى السلفيين وحزب “النور” وهم للحقيقة ليس لهم أى تواجد داخل الجامعة .


وليس عندى شك للحظة بل يصل الى حد اليقين أن طلاب مصر الذين هم جزء من شعب مصر الذى أسقطوا الإخوان فى الانتخابات الطلابية سابقاً ثم طردهم من الحياة السياسة قادرون على هزيمتهم حتى لو تستروا فى أى رداء، ولكن المدهش أن رعب الخوف من السياسة يمتد ليصل إلى عدم مناقشة أى قضية طلابية أو تعليمية وما أكثرها.


وللأسف وزارة التعليم العالى المصونة تضع العراقيل لأى نشاط طلابى مثل ضرورة توفر نشاط طلابى متميز.


ولكن بعيداً عن أن هذا الشرط هو البوابة التى يرفض فيها ترشيح «غير المرضى عنهم» لا أفهم كلمة توفر نشاط طلابى متميز مثلاً «كاتب الشعر» أو القصة كيف يكون نشاطه متميز؟.


فلم أسمع مثلاً عن تخصيص فترة العمل حملات انتخابية، وليس القضية هى السياسة فقط فمثلاً قضايا مثل التعليم المفتوح - المدن الجامعية - الساعات المعتمدة - أقسام المصروفات.. كلها قضايا تعليمية وطلابية بالضرورة ولم نسمع أن إحدى الجامعات مثلاً سمحت بالنقاش حولها ولكن يبدو أن مجرد طرحها سيدخل تحت بند النشاط الطلابى المتميز الذى يجب فضه!. ووأده من المهد .


إذن لن يتبقى إلا بند الخدمات، ولا أعرف فى الحياة الجامعية ما هى الخدمات التى ستقدم هل الكتب بالمجان، أم الملخصات أو توفير الدروس الخصوصية وطبعاً كلها كانت الأدوات السحرية التى دخل منها الإخوان إلى الجامعة.


أتفق تماماً مع مقولة إن الجامعة المدنية الحديثة لا دين لها وهى مؤسسة علمية وتعليمية وتربوية كما جاء فى حديث د. أشرف منصور رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية عند افتتاح العام الدراسى، لأن الجامعة مثل الوطن تماماً لا دين لها فهى لا تذهب إلى المسجد أو الكنيسة أو تصلى.


وإنما هى مؤسسات مدنية للمستقبل وأعرف بل عرفت من الانتخابات الطلابية فى الخارج بل وداخل الجامعات الأجنبية فى مصر أن هناك بالفعل قضايا تعليمية وطلابية هامة يطرحها الطلاب، بل وحضرت حملات انتخابية تستمر أكثر من أسبوع وكلها تبتعد عن السياسة «فيما عدا الحالة الأمريكية» حيث يسمح بالتواجد الحزبى المباشر داخل الجامعات، بالفعل وجدت فى هذه الجامعات التى تسمح بالحوار والنقاش بعيداً عن شرط نشاط الطلاب المتميز، حيوية من الطلاب لمناقشة مطالبهم التعليمية وبالتالى ارتفاع كبير فى معدلات التصويت، فى بعض الجامعات الأوربية تتجاوز نسبة التصويت ٩٠٪ .


فالقضية أنه بالرغم من أن الجامعات لا دين لها إلا إنها لا تعنى التأميم شبه الكامل لأى حوار أو نقاش أو برنامج أو منافسة، فذلك هو ما يقتل روح المشاركة وهو للأسف ما تعكسه مسألة انتخاباتنا الطلابية فى الجامعات الحكومية التى تستحق أن نطلق عليها انتخابات لم يحضر أحد بلا مضمون أو هدف.


ملحوظة أخيرة :أرجو دراسة ومقارنة نسب التصويت فى الجامعات الأجنبية فى مصر ونسبتها وشكلها فى جامعاتنا الحكومية، لنعرف الفارق الحقيقى.بين مايحدث داخل نفس الشريحة العمرية .


فجامعاتنا الحكومية لم تصبح لا دين لها فقط بل أصبحت بلا مضمون أيضاً والمهم الشكل فقط.. وكل انتخابات ونحن طيبون.