درس الجزائر وفلسطين

20/11/2015 - 10:25:18

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

استبق الفلسطينيون ذكرى وعد بلفور «2 نوفمبر 1917» بانتفاضة جديدة، ثورة على الاحتلال الصهيوني بإمكانات متاحة، تمرد على الثمار السياسية لاتفاقيات أوسلو التي عارضها في حينها ذوو البصائر. في العالم العربي «كل يغني على ليلاه»، بعد حقبة طالت فيها أعمار الاستبداد، احتلال وطني يتذرع بالممانعة، وحراسة «القضية». الآن وقد انخفضت أسقف الأماني، فلا تصل حدودها القصوى إلا إلى حلم الحفاظ على وحدة التراب الوطني، يبقى العزاء في صعود الوعي. هذا ما انتبه إليه الفلسطينيون مبكرا، منذ انتفاضة 1987، حين تأكد لهم أن الحل من الداخل، وأن الاحتلال عبر التاريخ لم يهب المستضعفين وطنا، ولم يمنح «دولة» لأصحابها. كان للفلسطينيين عبرة بأهم ثورة استقلال وطني في القرن العشرين. الجزائر.
في مثل هذا اليوم «1 نوفمبر 1954» انطلقت الثورة الجزائرية. لم يكن لأكثر المتفائلين أن يتوقع «استسلام» فرنسا لإرادة شعب يراهن على الحياة. التجربة الدامية عام 1945 كانت ماثلة، ففي الحرب العالمية الثانية شارك الجزائريون ـ «السكان الأصليون» إذا استعرنا عنوان فيلم رشيد بوشارب ـ في مقاومة الغزو النازي لباريس، ثم أنكرت فرنسا بطولاتهم، وتخلت عن وعدها بمنحهم الاستقلال، فانتفضوا في مظاهرات سلمية، واجهها الجيش الاستعماري بمذابح راح ضحيتها 45 ألف شهيد، في قسنطينة وقالمة وسطيف. وحين كان لا بد من الثورة الشعبية فعلوها، وبعد خمس سنوات سيقول الجنرال شارل ديجول، وهو يخطب في جيشه عام 1959: «إننا نعيش تمردا دام خمس سنوات، وخسارتنا للجزائر كارثة لنا وللدول الأوروبية»، في إنكار جهول لجغرافيا اسمها الجزائر، وشعب ينشد الحرية. وانتهى «العنف المقدس» بنجاح ثورة استهلكت مليونا ونصف المليون شهيد، ثمن كبير دعا الجنرال إلى تغيير لهجته، لم يعتذر ولا قدم العزاء لعائلات الشهداء، وإن قال للشعب الجزائري: «فهمتكم»، واكتفى بالكلام عن آفاق التعاون المشترك بين بلاده وبين الجزائر.
يكرر الاحتلال الصهيوني جريمة فرنسا الاستعمارية التي أنكرت صيرورة التاريخ، دون الوعي بأن كل استعمار إلى زوال. ربما يخسر الفلسطينيون جولة، ولكنهم سيربحون الحرب، وينتزعون «الدولة»، فالهزيمة في معركة ليست عارا، الأهم ألا تنكسر الإرادة. هزمت مصر في يونيو 1967، ولم تنكسر إرادتها، أدرك الشعب طبيعة المؤامرة. كان أكثر وعيا من القوى الكبرى (أمريكا وفرنسا وبريطانيا) التي راهنت على إنهاء تجربة الاستقلال الوطني، أكثر وعيا من عبد الناصر نفسه. بإرادة الشعب ظل عبد الناصر «المهزوم» يخيف أعداء مصر، وفي مقدمتهم العدو الصهيوني، واحتفظ الشعب بصلابته وتفاؤله بتجاوز محنة الهزيمة، وحين تحقق النصر لم تكن الإدارة السياسية في مستوى طموح شعب أصابه الإحباط، وهو يتابع تنازلات وتواطؤات تفرط في دماء الشهداء، وتشتري بالنصر رضا الأمريكان، فيقول أنور السادات إن في أيديهم 99 بالمئة من أوراق اللعبة، في تغييب للإرادة الوطنية، وإهانة لكبرياء محاربين دافعوا عن وطن، ولم يشاركوا في «لعبة»، لكي يقرر الرئيس أنها انتهت، وتتحقق نبوءة نجيب سرور بجلوس الإسرائيليين في مقهى «ريش» بالقاهرة.
في عصر كبرياء ـ لم تخل من أخطاء وخطايا ـ كان توقيت القاهرة في مطارات العالم، بجوار مثله في طوكيو ونيويورك ولندن وباريس. اختفى هذا التوقيت لأن مصر ـ الدور تراجعت، وتخلت عن الاستقلال ورضيت بالتبعية المختارة. زرت الهند أربع مرات، لا وجود لشيء يشير إلى مصر، لا يعرفون منها إلا «الهرم وناصر»، وفي معظم الدول العربية طاردنا وصف «أولاد الكامب»، وكلما أثيرت مشكلة مع دولة عربية استدعيت معاهدة السلام، فلا نكون إلا «أولاد الكامب». لم تنس فرنسا موقف مصر المساند لثورة الجزائر، فعاقبتها بالاشتراك في العدوان الثلاثي (الفرنسي البريطاني الإسرائيلي) عام 1956. ولم تكن العشرية السوداء بعيدة عن فكرة عقاب الجزائر التي كانت منصة إعلان «الدولة الفلسطينية» عام 1988.
أستعير عنوان كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» لأبي الحسن الندوي، وأتساءل: عن خسارة القضية الفلسطينية «بانحطاط مصر» لا تحتاج الإجابة لأكثر من قراءة المشهد بعد كامب ديفيد، في انفتاح إسرائيل على عالم كان سندا لقضية فلسطين. أنهى السادات تلك القطيعة، فمد العالم يده إلى إسرائيل، بحجة أن مصر عقدت معها سلاما، ولن تكون الدول الإفريقية والهند والصين وأمريكا اللاتينية بأحرص منا على قضايانا.
كان للسلام ثمن باهظ، بعيدا عن الكبرياء، هناك «كسرة النفس» بانحسار الإرادة الوطنية ولو عن شبر من تراب البلد. أعود إلى مذكرات ـ شهادة إسماعيل فهمي وزير الخارجية، حين رفض زيارة السادات للقدس، في صلابة تنطلق من حساب الأرباح والخسائر، فالزيارة «ستؤثر عكسيا على: الأمن المصري، وعلاقة مصر بالدول العربية الأخرى وتكاملها معها... كان لهذه الزيارة آثار مركبة على الكيان العربي كله.. كمفعول الزلزال.. لذلك لم يكن غريبا أن تبدأ إسرائيل ـ ولأول مرة بعد زيارة السادات للقدس، وتحت راية السلام ـ بالعربدة في الضفة والقطاع... ثم تغزو لبنان غزوا كاملا تحت شعار تأمين الجليل». أبلغ الوزير السادات بخطورة أمرين: الاعتراف بإسرائيل، وإنهاء حالة الحرب، «فنحن نلعب بكارتين أساسيين في السياسة دون أن نجني أي شيء، فالمكسب كله يعود لمصلحة إسرائيل». واستقال قبل يومين من رحلة السادات.
تطبيق التوقع السابق كتبه محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية في شهادته، حيث اتصل تليفونيا بالسادات صباح اليوم التالي لغزو إسرائيل لجنوب لبنان (مارس 1978)، ليعرض عليه بيان وزارة الخارجية حول الاجتياح، وممارسة «عملية إبادة منظمة للفلسطينيين». كان السادات نائما، وفي الحادية والنصف ظهرا كلم الوزير، وسأله عن سبب اتصاله المتكرر في الصباح، فقال الوزير إن الأمر يخص العدوان الإسرائيلي، «فقال السادات ضاحكا: هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟ ولم يخطر ببالي ما يقصده فقلت متسائلا: أفندم؟ فقال: يعني أدبوهم ولا لسه؟ وفهمت أنه يقصد إن كان قد تم للإسرائيليين تلقين الفلسطينيين درسا بسبب العملية التي قام بها الفدائيون داخل إسرائيل منذ أيام. وكان الدم يندفع إلى شرايين رأسي وأنا أجيبه: لقد حدث العكس ولقن الفلسطينيون الإسرائيليين درسا. وشرعت أقص عليه آخر المعلومات التي وصلتني عن المقاومة الباسلة التي يتصدى بها الفلسطينيون والقوى الوطنية اللبنانية للهجوم الإسرائيلي».
استقال كامل عشية توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، بعد متابعته تنازلات لا يقوى على احتمالها، حتى أن السادات صاح في حضور بطرس غالي وآخرين: «وماذا أفعل إذا كان وزير خارجيتي يظن أني أهبل».
وينقل إسماعيل عن مذكرات وزير الدفاع الإسرائيلي عيزرا وايزمان «المعركة من أجل السلام» أن السادات دعاه إلى الإسماعيلية في مارس 1978 وأبلغه بالتالي: «استبعدت منظمة التحرير من قاموسي.. لا يمكنني أن أقول هذا إلا لك وليس لبيجن؛ لأن بيجن سيعلن في اليوم التالي أن السادات استبعد منظمة التحرير الفلسطينية»، وسأله وايزمان: «أفهم أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية؟ فأجاب السادات: تماما.. لا دولة». ولم يصدق وايزمان أذنيه، وكتب في مذكراته: «وقد جعلني تلخيص حديثي في حالة نفسية أفضل؛ فالرئيس المصري شأنه شأننا ليس مهتما بدولة فلسطينية».
كان للمعاهدة شروط قاسية، يكفي المراقبة الدولية على تحرك الجيش في سيناء، وتقسيمها إلى ثلاث مناطق، لا توجد في خط «أ» شرقي القناة إلا فرقة مشاة ميكانيكية (22 ألف جندي)، في حين قام 80 ألف جندي (خمس فرق) بزلزال العبور يوم 6 أكتوبر 1973. وكأن نبوءة الشاعر تتحقق: «يا خوفي من يوم النصر ـ ترجع سينا وتضيع مصر». ثم كان من ثمار ثورة 25 يناير بسط الإرادة الوطنية على سيناء، في إلغاء صامت لكامب ديفيد.
القضية الفلسطينية تخص أصحابها، ولا داعي لمن فشلوا في إدارة بلادهم أن يسدوا نصائح، ويفرضوا وصاية، من المؤكد أن طعنات أصحاب الأرض لن تنهي المشروع الصهيوني، ولكنها تؤكد أن للأرض أصحابا يراهنون على استعادتها، ولهم في درس استقلال الجزائر عبرة.
في هذا العدد استعادة لطرف من ثورة الجزائر، وملف عن وعد بلفور.