وعد بلفور .. 98 عاما من ضرب الجهاز المناعي لفلسطين

20/11/2015 - 10:24:15

الأمير عثمان وجمال باشا فى مدرسة الصالحية فى القدس عام 1917 الأمير عثمان وجمال باشا فى مدرسة الصالحية فى القدس عام 1917

أعدت الملف وقدمته: بيسان عدوان - كاتبة فلسطينية مقيمة بالقاهرة لها مؤلفات ودراسات في الصراع العربي الإسرائيلي

عزيزي اللورد روتشيلد:
يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود الصهيونية وقد عرض على الوزارة وأقرته.
إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جليا أنه لن يؤتي بعمل من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين ولا بالحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الأخرى.
وسأكون شاكرا لو تكرمتم بإحاطة الاتحاد الصهيوني علما بهذا التصريح.
المخلص
آرثر جيمس بلفور
2 تشرين الثاني/ نوفمبر (1917)
98 عام مرت على هذا الخطاب الذي عرف في التاريخ الحديث بـ"وعد بلفور" منح البريطانيون للحركة الصهيونية وطنا قوميا في فلسطين، ضد إرادة أصحابها الشرعيين، وهذا التصريح يمثّل إعطاء حق ممن لا يملك لمن لا يستحق. وبعد مرور 98 عاما اعترف مجلس العموم البريطاني بالدولة الفلسطينية في اقتراع رمزي بأغلبية 274 صوتا مقابل 12 صوت، ورفع علم فلسطين في سبتمبر أيلول 2015 على مبنى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك.
سنوات طويلة مرت قبل إعلان دولة "إسرائيل" عام 1948، لم يكن الوضع هادئا بين الفلسطينيين، ولم يكترثوا لكل ما قامت به سلطات الانتداب البريطاني من قمع واعتقالات وقتل وتشريد، والاستيلاء على الأراضي بكل الطرق الممكنة لمنحها لليهود القادمين من أوروبا. رغم الويلات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني بين نهاية حقبة العثمانيين وبداية حقبة الانتداب البريطاني.
سنوات قليلة سبقت ذلك التصريح البريطاني كانت بمثابة "اللعنة" على الفلسطينيين. دفع الفلسطينيون ثمنا باهظا خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) من تجنيد إجباري لكل الشباب من الفلاحين الفلسطينيين من قبل السلطات العثمانية فيما عرف بـــ "سفر برلك" كما اجتاح الجراد الأراضي الفلسطينية فقضى على سلة الغذاء الفلسطيني، بجانب تدفق الهجرات اليهودية الأوروبية للبلاد وزيادة الضرائب الباهظة على سكان فلسطين من قبل السلطتين العثمانية والبريطانية على التوالي.
ففي عام 1915، وفي خضم اشتداد العمليات على جبهة الدردنيل، قرر جمال باشا مهاجمة قناة السويس بهدف الضغط على الإنجليز من خلال قطع خطوط الإمداد بينهم وبين مستعمراتهم. ومن أجل هذه المهمة بدأ الوالي التركي جمال باشا بمعية الجنرال الألماني المخضرم فون كريسنشتين بحشد الجيش الرابع في فلسطين، والتحرك صوب القناة. إلا أن حملة الأتراك لم تتمكن من تحقيق أهدافها، وتمكنت الحامية الإنجليزية (٥٠٠٠) التي استخف جمال باشا بعددها من صد الهجوم، ولم تندلع الثورة على الإنجليز بمجرد اقتراب الجيش التركي من القناة كما تصور الأتراك. وفشلت الحملة فما كان من جمال باشا السفاح أن أعدم 21 شهيدا من رجال الحركة الوطنية الفلسطينية المناهضة للحكم التركي في 6 مايو 1916 منهم علي عمر النشاشيبي من القدس، وسليم الأحمد عبد الهادي، ومحمد الشنطي من يافا).
وبعدها أعلنت السلطات العثمانية النفير العام في فلسطين، وبدأت تعبئة الشباب والرجال، إما للخدمة على الجبهات، أو للعمل في "طوابير الشغيلة" من أجل توسيع شبكات السكة الحديد وتعبيد الطرق وإيصال المياه إلى بئر السبع والعريش.
لم يكن التجنيد الإجباري وطوابير الشغيلة التي فرضت على الفلسطينيين بالأمر الكافي، فمن جهة أخرى كان عام 1915 (سنة الجراد) الذي حجبت أسرابه الشمس والتهم المزروعات والأشجار خاصة أشجار الزيتون، وأذهل الناس فأصدرت الحكومة العثمانية قرارا بإلزام كل مواطن بإحضار أعداد من الجراد وتسليمه لهم، وفرضت غرامات باهظة لمن يرفض تنفيذ القرار وفرضت مقاومة الجراد على الجميع ولكن المشكلة كبرت عندما وضع الجراد بيضه في ثقوب الجدران. وفرضت الحكومة قرارا آخر يلزم الرجال بجمع كل يوم 11 بيضة من بيض الجراد الذي أتلف النباتات والأشجار حتى أن لحاء شجر الزيتون القاسي تم إتلافه في رام الله والقدس وبيت لحم وأتى على معظم أشجار البرتقال في يافا وحيفا وبقي الوضع هكذا إلى بداية الشتاء عندما أرغمته الرياح على الرحيل، وحاول الأهالي جمعه ودفنه في حفر وآبار أو حرقه، دون جدوى.
في صيف عام 1916 بينما كانت طائرات الحلفاء تلقى بمنشوراتها فـوق العديد من الدول العربية، وكانت بمضمونها تؤكد عزم الحلفاء على تحرير البلاد العربية وقيام دولها المستقلة، في حال توحيد جهودها وتنسيق مواقفها مع دول الحلفاء ضد الاحتلال التركي، حين كانت المراسلات مكثفة بين اللورد هنري مكماهون الممثل الأعلى لبريطانيا في مصر وشريف مكة حسين بن علي على وضع هذه الوعود موضع التنفيذ، وبعيدا عن المراسلات التي بدأت في 14 يوليو 1915 وما جاء فيها من مواضيع، كانت المكائد تحاك من وراء الستار ضد الدول العربية. فقد كان دبلوماسيان أوروبيان أحدهما فرنسي والآخر بريطاني يجلسان فى غرفة مغلقة ينقضان هذه الوعود بشكل كامل ويتقاسمان مسبقا الدول العربية، وتم التوقيع على اتفاقية (سايكس/بيكو) وفيها جرى تقسيم الدول العربية إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا.
كان تفاهما سريا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وتم التوصل إلى بنودها من خلال لقاءات مكثفة سرية عقدها الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس. وحصلت فرنسا على سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعةً بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سـوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا ميناءي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل اسـتخدام ميناء الإسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.
وفي 10 فبراير 1917 بدأت المحادثات في العاصمة البريطانية بين المنظمة الصهيونية العالمية والحكومة البريطانية من أجل إقامة وطن يهودي في فلسطين. وفي مارس من العام نفسه احتلت القوات البريطانية قطاع غزة بعد أن ألحقت هزيمة كبيرة بالجيش التركي. وفي نهاية العام نفسه (9 ديسمبر 1917) دخلت القوات البريطانية بقيادة الجنرال إدموند اللنبي مدينة القدس بعد انتصارها على الجيش العثماني، تمكن اللنبي من احتلال بئر السبع فى جنوب فلسطين، بعد حركة التفاف لمهاجمتها من الشرق، وكانت قواته مكونة من بريطانيين وأستراليين وهنود بلغ عددهم 150 ألف جندي.
وفي 31 أكتوبر 1917 دخلت القوات الإنجليزية بقيادة الجنرال اللنبي مدينة بئر السبع في أول نصر تحرزه بعد هزائم متعددة في حربها ضد الجيش التركي، وأنهت بذلك 400 عام من حكم العثمانيين لفلسطين والوطن العربي، وتم إنزال العلم التركي من على السارية ورفع بدلا منه العلم البريطاني. وأرسل الجنرال برقية إلى لندن فى 1 نوفمبر يهنئها فيها بالنصر، وقال فى برقيته: "لقد استولينا على بئر السبع، فأخرج وزير الخارجية اللورد جيمس أرثر بلفور ورقة من درج مكتبه كان قد اتفق على صياغتها مع الزعيمين الصهيونيين روتشيلد وحاييم وايزمان، وأصدر إعلانه المشؤوم في 2 نوفمبر 1917 الموجه إلى اللورد روتشيلد.
أكمل البريطانيون احتلال شمال فلسطين في سبتمبر 1918، ولكنهم دخلوا فلسطين كقوة حليفة للثورة العربية التي قادها الشريف حسين، ولذلك لم يَلْقوا مقاومة من أبناء فلسطين، على اعتبار وعودهم للعرب بالحرية والاستقلال. لكن تنكُّر بريطانيا لعهودها، وإعطائها وعد "بلفور" لليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، فَتحَ الباب عريضا لمقاومة المشروع الصهيوني والاستعمار البريطاني. غير أن الفترة 1917 ـ 1929 اتسمت بتبنِّي قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية للمقاومة السياسية السلمية، لأن المشروع الصهيوني لم يأخذ أبعادا خطيرة بَعدُ (كان اليهود 8% من السكان سنة 1918، ويملكون 2% فقط من أرض فلسطين)، ولأنه كان لا يزال هناك أمل بأن تَعدِل بريطانيا عن موقفها (أقرت عصبة الأمم رسميا الانتداب البريطاني على فلسطين سنة 1922).
في هذا الملف نحاول كشف الحياة اليومية للسكان الأصليين "الفلسطينيون" في الفترة بين 1915-1917، تلك الفترة التي مهدت إلى نكبة 1948 والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. كيف استطاع الفلاح الفلسطيني وقياداته رجال ونساء أن يقاوموا بكل الوسائل المتاحة والبقاء في أرضهم والدفاع عنها داحضين أكذوبتين لاحقتا الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يقاوم ويتمسك بفلسطينيته أولهما "أرض بلا سكان" تلك الخدعة التي يدفع ثمنها الاحتلال حتى يومنا هذا، ليس على الأرض فحسب لكن في داخل الدول وشعوبها التي دعمته طيلة القرن العشرين. والأكذوبة الأخرى التي كانت الأنظمة العربية تطلقها لتهدئة شعوبها الغاضبة "الفلسطينيون باعوا أرضهم" لا تزال تلك الأنظمة المتسلطة تستخدم تلك الدعاية كلما أحست بخطر يهدد عروشهم، ورغم مرور ثورة الربيع العربي في أكثر من دولة عربية وسقوط أنظمتها الفاشية لكن لا تزال تلك المقولة تنشرها الأجهزة القمعية في الشارع العربي حفاظا على نفسها.