« الوسية » .. حين تعهدت بريطانيا عام ١٨٤١ بمشروع إسكان لليهود في فلسطين

20/11/2015 - 10:22:47

دخول الجيش البريطانى إلى القدس - باب الخليل 1917 دخول الجيش البريطانى إلى القدس - باب الخليل 1917

د. هند البديري - كاتبة مصرية من أصل مقدسي، تعنى بالدراسات حول فلسطين، مؤلفة كتاب "أراضي فلسطين بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ"

دفع انهيار وضعف الإمبراطورية العثمانية ـ بسبب كثرة حروبها وهزيمتها في حرب القرم في أواسط القرن التاسع عشر ـ إلى ازدياد قروضها للدول الأجنبية مما سهل مهمة القوى الاستعمارية للسيطرة عليها والتدخل السافر بكل شؤونها ودفعها لصك قوانين جديدة تحت مسمى الإصلاحات أفسح المجال واسعا للتغلغل الأجنبي الذي استعبد الدولة وولاياتها ماليا، وبرز خط همايون عام ١٨٥٦ بنصوص قانونية سخرت بنوده لمصالح هذه الدول وبالذات بريطانيا، خاصة وأنه اعتبر التزام دولي لم يكن يملك معه السلطان أي تغيير أو إلغاء إلا بموافقتها. وقد منح هذا القانون امتيازات واسعة لرعايا الدول الأجنبية حتى بات المواطن العثماني يتمنى لو كان أجنبيا.
ومع رصد التحولات التي طرأت على قوانين الأراضي فترة العهد العثماني نراها وقد شكلت الأرضية التي انطلق منها تثبيت دعائم الاستيطان الصهيوني في فلسطين. فقامت بتأسيس قنصلية بريطانية في القدس منذ عام ١٨٣٩ كانت إحدى أهم مسؤولياتها حماية اليهود وتقديم كافة الخدمات لهم وبخاصة أولئك السياح الدينيون الذين تقطعت بهم سبل العودة لبلادهم بعد حرب القرم متيحة فرص عمل لهم في مزارع القنصلية، والعمل على توطينهم بدعوى حماية الأقليات ومنحتهم جوازات سفر بريطانية بالالتفاف على القوانين العثمانية.
ليس هذا فحسب بل تعهدت بريطانيا رسميا عام ١٨٤١ بتحقيق مشروع إسكان لليهود في فلسطين (يمكن اعتباره مسودة لوعد بلفور عام ١٩١٧).
الأراضي المغتصبة في العهد العثماني
مع بروز المشروع الصهيوني الذي أرساه مؤتمر بال عام ١٨٩٧ المتمحور حول إقامة وطن قومي لليهود، عن طريق احتلال الأرض بالقضم والهضم واستجلاب اليهود من كل حدب وصوب للإحلال والاستبدال، وربط المستوطنين اليهود بالعمل الزراعي، (الذي شكل انقلابا بالفكر اليهودي القائم على الوساطة والربا وأعمال المال) وبتوالي هجرات أخرى متعددة واحتلال الأراضي واقتلاع الفلسطينين تجددت معه أعمال النضال العفوي والاستماتة لاستعادة الأراضي المنهوبة سواء من المقتلعين أو المتضررين فيما عرف بصدامات عام ١٨٨٢ التي استمرت حتى عام ١٩١٤، وقادها فضلا عن الفلاحين المقتلعين من أراضيهم جمعيات سرية وعلنية ونسائية بلغ عددها ١٩ جمعية حتى عام ١٩١٤، كما شارك فيها كافة القوى الفلسطينية من رجال الدين والتجار والحرفيين الذين تضررت مصالحهم من جراء الضغوط الناجمة عن الهجرة اليهودية.
وقد بلغت مساحات الأراضي الفلسطينية التي تسربت لليهود خلال العهد العثماني ٢٤٥٠٠٠ متر مربع ، أقيمت خمسون بؤرة استيطانية يهودية عليها في أنحاء فلسطين خلال هذه الفترة، وقد صبغ مستوطنو الهجرة الثانية بعنصريتهم البغيضة حيث قادوا لواء مقاطعة العمل والاقتصاد العربيين بشكل تام تحت شعار العمل العبري.
وفي فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، اتسمت السياسة البريطانية بخداع ومراوغة العرب طيلة ثلاثة عقود حين تعهدت للشريف حسين بإنشاء دولة عربية مستقلة وذات سيادة بما فيها فلسطين، مقابل مساعدة الدول العربية للحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وتزامنت هذه الوعود الجوفاء مع الاتفاقية السرية عام ١٩١٦ بين كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا لاقتسام العالم العربي (سايكس/ بيكو/ سازنوف)، كما تزامنت مع المباحثات الدائرة بين كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والمنظمة الصهيونية العالمية فيما بين ١٩١٥ و١٩١٧. أتبعتها بريطانيا بوعد بلفور عام ١٩١٧ ثم باحتلال فلسطين أواخر عام ١٩١٧.
ومنذ وطئت أقدامها القدس حتى قبل بسط نفوذها على باقي المناطق أخذت الحكومة العسكرية البريطانية تعمل كل التدابير لتمكين اليهود من فلسطين عبر كل الوسائل فأصدرت قانونا في ١٨ نوفمبر ١٩١٧ بإغلاق دائرة الطابو (تسجيل الأراضي) ثم منعت أي تعاملات خاصة بالتصرف بالأموال غير المنقولة وسمح بالتأجير فقط لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات، ومن أخطر القوانين التي صدرت أيضا إلغاء "حق التقادم" في إثبات الحق فوق الأرض لمن زرع أرضا بشكل متواصل لمدة عشر سنوات، فضلا عن إغلاق البنك العثماني الذي كان يقرض الفلاحين بفوائد بسيطة.
كما أصدر نائب الحاكم العسكري اللفتننت كولونيل باركر في فبرير ١٩١٨ أمرا باستمرار جباية الضرائب التي كانت تتقاضاها الدولة العثمانية، كما أمر بجمع المتأخرات منها عن أعوام ١٩١٣ و١٩١٤، فتفجر الغضب الجماهيري خاصة مع الظروف الصعبة خلال الحرب والجدب والجراد والويلات التي مرت على فلسطين خلالها، وقام بتغيير قوانين الضرائب واستبدلت الأعشار عن المحاصيل بضرائب ثابتة تقدر بحسب قيمة الأرض التي كانت أثمانها تتصاعد بشكل مرعب، وليس الإنتاج وهو أمر خطير ومجحف للغاية حيث اعتبرت هذه الضريبة بمثابة رهن أولي على الأراضي تمنع الفلاح من حق التصرف خاصة بتراكم الديون لعجزه عن الدفع، لتصادر أرضه تسديدا لديونه. وأثقلت كواهل الفلاحين مع تعدد أنواع الضرائب على الممتلكات من الأراضي مشغولة أو خالية وعلى المباني وعلى الرؤوس، وضريبة على المواشي حسب أنواعها كما تضرر الفلاحون كثيرا بسبب مصادرة المراعي التي كانت تكفل غذاء مواشيهم مجانا، فألقى أعباء ضخمة على الفلاحين لتأمين غذاء مواشيهم ومن كان يخفي رأس ماشية عند التعداد كان يتعرض فضلا عن الذل والمهانة لدفع غرامات باهظة، إضافة إلى رسوم التسجيل الخاضعة لسعر السوق ورسوم على كافة أشكال انتقال الأراضي، بيعا وتأجيرا وعلى الرعي أو الاستفادة من الاحتطاب والزراعة وعلى الطرق ومياه الشرب والري، ولم تكن الضرائب المباشرة فقط بل كانت هناك ضرائب غير مباشرة بفرض رسوم جمركية على أهم المواد الاستهلاكية للفلاح كالسكر والشاي والدقيق والكبريت وغيرها.
بجانب تلك القوانين والقرارات الرسمية بمصادرة الأراضي، قامت حكومة الانتداب البريطاني بمحاصرة الفلاحين في محاصيلهم الزراعية عبر سياسات سوق غير رسمية كاستيراد المنتجات نفسها وإغراقها في السوق بأبخس الأسعار، وهكذا، فقد صدر قانون العقوبات الجماعية المشتركة عام ١٩٢٦ لكبح جماح هذا الشعب الثائر وقد كانت حكومة الاحتلال تحصل مبالغ باهظة تفرض على مناطق بأكملها لو وقعت خسارة أو إتلاف للمزروعات أو للمباني أو جرم أو انطلقت رصاصة من مجهول.
وكانت زيارة "البعثة الصهيونية" برئاسة حاييم وايزمان عام ١٩١٨ ـ وقد شكلت كحكومة متكاملة ـ نقطة تحول خطيرة في تاريخ التدخل الصهيوني المباشر لإدارة الحكم البريطاني في تنفيذ خطة البعثة لتأسيس "الكيان الصهيوني"، أفصح عنها مؤتمر يافا الذي قدم "خطة الحكومة المؤقتة" في فلسطين والتي تمثل "الوطن القومي اليهودي" طبقا لتعبير اللجنة عن قناعاتها، حيث طالبت اللجنة الحكومة العسكرية بتشكيل لجنة يهودية يمثل فيها المجلس اليهودي تطلق يدها في إدارة ملف الأراضي والضرائب. ولقد وضعت بنودا كثيرة تمكن الصهيونية من عنق فلسطين وشعبها وتم تبنيها بحذافيرها واعتمدت لاحقا عام ١٩٢٢ في صك الانتداب، ومادته السادسة أصبحت دستور البلاد المعتمد الذي تقوم على تنفيذه الوكالة اليهودية التي منحت حق المشاركة الكاملة لإدارة الانتداب البريطاني عن طريق مندوبين ساميين يهود صهيونيين.
استمر الحكم العسكري لفلسطين حتى عام ١٩٢٠ ثم استبدلت به إدارة مدنية رأسها الصهيوني هربرت صموئيل أول مندوب سامي في فلسطين، وقد صك قانون انتقال الأراضي ليصبح أول لبنة في حجر أساس الكيان الصهيوني الذي استباح كل المحرمات تحت غلالة القانون كانت فاتحة لخطر داهم حين توالت القوانين فدمجت دائرتي تسجيل الأراضي مع دائرة الزراعة، وقلبت قوانين الأراضي العثماني رأسا على عقب لتوظيفها لإقامة الكيان الغاصب سواء فيما يتعلق بقوانين نزع الملكية، وقانون الدفاع، وقانون المدن، وأعمال التسوية، وجداول الحقوق، والادعاءات، وحصر الإرث، والقيود التالفة، ونهب أراضي الأوقاف، والجفالك، (وهي أراضي السلطان العثماني عبد الحميد التي اغتصبها في بيسان) والغابات، وتحويل نوع الأراضي من صنف إلى صنف، وتفتيت المشاع، وقانون الحد الأدنى للتسجيل، ومصادرة أراضي العرب قبل صدور أحكام قانونية بشأنها، حيث كانت ترتكب خلال تنفيذ هذه القوانين عمليات سلب ونهب الممتلكات وقد بلغت مساحة الأراضي التي تم انتهابها من أصحابها بين عامي ١٩١٧ و١٩٢٠ (١٧٥.٠١٩) دونم (الدونم ١٠٠٠ متر مربع).
تمكن وايزمان من التأثير على قرارات مؤتمر الصلح الذي أسفر عن اتفاقية ضم منابع نهري الأردن والليطاني في إصبع الجليل وبحيرتي الحولة وطبرية بأكملهم بدا مع توزيعها مناصفة مع سوريا، وحين أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض عام ١٩٢٢ أعطت الصهاينة المزيد من الحقوق حين اعتبرت أن وجود ما يسمى بالشعب اليهودي هو حق وليس منة.
ونصت المادة السادسة من صك الانتداب على أن يوكل أمر حشد اليهود في الأراضى الأميرية والأراضي الموات غير المطلوبة في المقاصد العمومية إلى كل من الوكالة اليهودية وحكومة الانتداب. وبناء على الصلاحيات التي منحها صك الانتداب للوكالة اليهودية مارست أعمالا رسمية في إدارة شؤون البلاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والدينية بما يخدم إنشاء وتأسيس "مشروع الوطن القومي".
وكانت باكورة أعمالهم مصادرة أربعين ألف دونم تم اغتصابها من أهالي يافا وتسليمها لمستوطنة عيون قارة (ريشيون لزيون). وتوالت عمليات السلب والنهب وتعددت أشكالها وأنواعها ولم تسلم أراضي الوقف الإسلامية والمسيحية ولا أراضي المشاع.
ومن أخطر ما قامت به حكومة الاحتلال منح الامتيازات حيث أطلقت يد اليهود في مقدرات فلسطين وثرواتها المائية والمعدنية والاقتصادية وضمنت لهم السيطرة على موارد المياه من منابعها حتى مصابها، ومنحتهم حق مصادرة كل ما يحتاجون إليه من أراض ومياه طبقا لما ورد في نصوص الامتيازات، وهي مشروع روتنبرج لتوليد الكهرباء عام ١٩٢١، ثم امتياز البحر الميت بكل ثرواته المعدنية ثم حق تجفيف البحيرات وغير ذلك، كما أطلقت الحكومة يد الاحتكارات المالية اليهودية المتوارية خلف أقنعة أجنبية لتقوم بنهب فلسطين واستغلالها ماليا تحت مسمى "المصلحة العامة" بما يخدم مصالح اليهود ومستوطناتهم التي انتشرت عبر طول البلاد وعرضها كخلايا سرطانية تلف جسد فلسطين.