مراوغة المصطلح بين « وطن » و« دولة » .. سياسة بريطانيا لبناء الوطن اليهودي في فلسطين

20/11/2015 - 10:21:46

زيارة إلى المسجد الأقصى زيارة إلى المسجد الأقصى

إبراهيم سالم الزاملي - باحث فلسطيني مقيم بالإسكندرية، حاصل على الماجستير من جامعة عين شمس، ويعمل على رسالة الدكتوراه في فترة الانتداب البريطاني

انتقلت فكرة الصهيونية من النطاق النظري إلى النطاق العملي بعد تزعم تيودور هرتزل الحركة الصهيونية وعقده المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897، فبدأ الصهيونيون بالسعي إلى الحصول على تعهد من إحدى الدول الكبرى بإقامة وطن قومي لليهود، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل للحصول على مثل هذا الوعد من تركيا أولا، وألمانيا ثانيا، وغيرها ثالثا.
ورغم دراسة مشروعات متعددة لتوطين اليهود في أوغندا أو برقة أو منطقة العريش، إلا أن أنظار الصهيونية ظلت شاخصة إلى فلسطين نظرا لأهميتها، فاضطر الصهيونيون إلى الانتظار حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى وأصبحت الظروف مهيأة لهم.
وكانت فلسطين قبل حرب 1914 جزءا من الدولة العثمانية فلما انهارت هذه الدولة فى نهاية الحرب العالمية الأولى وقعت فلسطين بين مخالب الاستعمار البريطانى من ناحية وطمع اليهودية العالمية من ناحية أخرى.
عملت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى على استمالة العرب إلى جانبها للمشاركة في قتال الدولة العثمانية التي تسيطر على معظم بلدان المشرق العربي، وجرت بين عامي 1915 و1916 بين "هنري مكماهون" المندوب السامى في مصر وبين الشريف حسين (شريف مكة)، مراسلات تعهدت بموجبها بريطانيا بالاعتراف بمساندة استقلال العرب بعد انتهاء الحرب نظير دعم العرب لبريطانيا في الحرب. إلا أن بريطانيا نفسها اتفقت مع حليفتها فرنسا على تقسيم بلدان المشرق العربي إلى مناطق نفوذ بينهما من خلال اتفاقية سايكس/بيكو 1916 (كانت معهما روسيا القيصرية قبل الثورة البلشفية).
كانت الدولتان تبرمان في الخفاء فيما بينهما اتفاقية سايكس/بيكو. وفي عام 1916 أدت المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا وروسيا وإيطاليا في وقت لاحق إلى اتفاق سايكس/بيكو السري بشأن توزيع الأقاليم العربية العثمانية على مجالات نفوذ الدول الأوروبية الكبرى.
وظل اتفاق سايكس/بيكو بصورة سرية لحين كشفه من قبل حكومة روسيا السوفيتية (1917)، إلا أن بريطانيا وفرنسا نفتا وجود مثل ذلك الاتفاق للمحافظة على توازن الحرب، وعدم انقلاب العرب عليهما والانحياز للتحالف مع تركيا وألمانيا. وأثناء الحرب العالمية الأولى اندفعت بريطانيا وراء خططها واستعمارها، فقدم الزعيم الصهيوني هربرت صموئيل عضو وزارة الحرب البريطانية آنذاك اقتراحه الغريب جاء فيه: "ضرورة تبني الحكومة البريطانية مهمة تأسيس دولة يهودية في فلسطين، ترعاها بريطانيا، وتكون تحت إشرافها". وفي تبريره لاقتراحه قال: "فنكون بذلك قد أوجدنا بجوار مصر وقناة السويس دولة أوروبية جديدة موالية لبريطانيا وللمصالح البريطانية في المنطقة".
في تلك الفترة، كانت المفاوضات والمساومات بين بلفور والصهاينة قائمة على صياغة وثيقة قيام دولة يهودية فى فلسطين حيث استمرت المفاوضات لمدة تسعة أشهر فقد بدأت في السابع من فبراير 1917 حتى صدور التصريح فى 2 نوفمبر 1917.
وكانت تلك المفاوضات تجري بين بريطانيا والصهيونية، والعرب لا يعرفون بما يجري حولهم، وعندما انتصر الحلفاء في الحرب، قلبوا للعرب ظهور المجن. ويذكر لورانس في ذلك: "كان من الواضح منذ البدء أننا في حالة كسبنا الحرب، فإن هذه الوعود تصبح حبرا على ورق، ولو كنت مستشارا مخلصا للعرب لكنت نصحتهم بأن يذهبوا إلى بيوتهم ولا يعرضوا حياتهم لخطر من أجل ذلك".
لقد كان تصريح بلفور ضربة قوية وموجعة وجهها الإنجليز للعرب وحركتهم القومية الحديثة من خلال تبنيهم إيجاد كيان يهودي في قسم من فلسطين على الأقل وأن ساستهم الذين أصدروا تصريح بلفور قد شاركوا في تنفيذه وأنهم كانوا مقتنعين أن هذا التصريح سيؤدي إلى قيام دولة يهودية، فقد قال تشرشل: "إن هدف التصريح هو إنشاء وطن روحي لليهود وأنه لا ينطوي على أي حال على أي مدى من شأنه فرض رعوية على أهل فلسطين أو قيام دولة يهودية فيها... وأن مخاوف العرب لا مبرر لها".
إن الغموض في التصريح تكمن في عبارة (الوطن القومي) التي لا تفيد معنى محددا في القانون الدولي، فالغموض كان مقصودا، لأن الصهيونية تريد دولة، واستخدام كلمة وطن بدل دولة قصد به الحصول على تأييد أكبر عدد ممكن من اليهود الذين كانوا يعارضون تأسيس دولة حتى لا يتأثر وضعهم في الدول التي يعيشون فيها.
وعد التصريح بإنشاء وطن قومي لليهود ثم بالمحافظة على حقوق أهل البلاد، والمحافظة على حقوق اليهود في العالم وهذه الالتزامات الثلاثة متناقضة، لأن تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين وفتح أبواب الهجرة اليهودية وتسهيل انتقال الأرض إلى اليهود من شأنه أن يلحق الضرر بأهل البلاد الأصليين.
وقد عبر الرئيس جمال عبد الناصر عن ذلك بقوله: "لقد أعطى من لا يملك وعدا لمن لا يستحق، ثم استطاع الاثنان من لا يملك ومن لا يستحق، بالقوة وبالخديعة، أن يسلبا صاحب الحق الشرعي حقه فيما يملكه وما يستحقه".
ورغم إخفاء التصريح لمدة طويلة إلا أنه أذيع رسميا في أواسط سنة 1919، حينما تم إعلانه في نابلس من قبل (اللفتننت جنرال) لويس بولز رئيس أركان حرب الحملة المصرية ، وقد أثار مخاوف العسكريين البريطانيين في مصر وفلسطين بنبأ تسرب تصريح بلفور إلى الجنود الذين يحاربون تحت إدارة الأمير فيصل، مما دفع البريطانيين لبذل الجهد لتهدئة مخاوف العرب حتى لا تحدث انتكاسة للثورة العربية على الأتراك. وبإصدار بريطانيا تصريح بلفور لليهود لإقامة وطن لهم في فلسطين بدأت مرحلة جديدة في العلاقات ما بين بريطانيا واليهود من جهة والشعب العربي الفلسطيني من جهة أخرى، سواء في المحافل الدولية والمؤتمرات العالمية، أو على صعيد الكفاح الوطني الفلسطيني ضد الاستعمار والصهيونية، فبعد أن أحكمت بريطانيا قبضتها على فلسطين وقامت باحتلالها بدأت المعركة الحقيقية لشعب فلسطين.
والأمر المؤسف حقا أن سقوط الدولة العثمانية فى الحرب الأولى ترك فلسطين فى حالة فراغ سياسى وإداري قاتل، الأمر الذى مكن سلطات الإحتلال البريطانى ومن خلفها القوى الصهيونية من تحقيق الأهداف الاستعمارية التى رسمت لفلسطين حيث لم تكن قد هيئت البلاد ولا حتى الشعب العربى الفلسطينى من تنظيم صفوفه ومؤسساته لبناء حكومته الوطنية ونظامه السياسى الذى يمكنه من نيل استقلاله وحريته.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وإعلان الهدنة في 11 نوفمبر 1918 بإعلان انتصار دول الحلفاء، سعت الدول الحليفة لتسوية المسائل التي ترتبت على الحرب على أساس الاتفاقيات والعهود التي أبرمت خلال الحرب بين دول الحلفاء والوعود التي أطلقتها بريطانيا للعرب والصهيونية، ولذلك تقرر عقد مؤتمر للصلح في باريس عام 1919 وظهر التواطؤ البريطاني الصهيوني قبل افتتاح المؤتمر، حيث قام بلفور بإبلاغ وايزمان بأنه حين تعرض القضايا الخاصة بفلسطين سيتم الاستماع إلى وجهة نظر الصهيونيين، وقد منعت بريطانيا عرب فلسطين من إرسال وفد يمثلهم في المؤتمر، وانتدب الملك حسين ابنه فيصل ممثلا عنه في المؤتمر.
واقترح الرئيس الأمريكى ويلسون فى مؤتمر الصلح تأليف لجنة أمريكية لدراسة رغبات الأهالى وأمانيهم القومية، فانتدب هنرى كنج (King) وتشارلز كراين(Crane) على رأس لجنة (كنج – كراين) وزارت اللجنة سوريا ووصلت يافا فى العاشر من يونيو 1919، واتصلت بالشعب مباشرة بكل فئاته ومذاهبه، ثم عادت إلى مؤتمر الصلح بباريس وقدمت تقريرا كاملا عن تحقيقاتها بتاريخ 18 أغسطس 1919. وبالطبع لم تكن لجنة بريطانية بل أمريكية لامتناع كل من بريطانيا وفرنسا عن إيفاد ممثلين لهما فى اللجنة. وقد جاء في تقرير اللجنة:
"شعرت اللجنة أن العداء نحو الصهيونية لم يكن مقصورا على شعب فلسطين وحده، بل إنه يشمل سكان سوريا، فإن 72% من العرائض التي تناولتها اللجنة في سوريا مضادة للصهيونية".
"وأنه في حالة وجود انتداب فإن الشعوب العربية ترغب أن تكون تحت انتداب الولايات المتحدة. إن الوعد بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي لا يعني جعل فلسطين بلادا يهودية غير أنه لا يمكن إقامة حكومة يهودية بدون هضم الحقوق الدينية والمدنية للجماعات غير اليهودية أن غير اليهود وهم تسعة أعشار السكان كلهم ضد البرنامج الصهيوني بدون استثناء".
وفيما يتعلق بالصهيونية ذكر التقرير:
طالب الصهيونيون بجعل فلسطين "وطنا قوميا" وأن يكون الحكم السياسي في البلاد للدولة اليهودية والسماح بالهجرة اليهودية من جميع أنحاء العالم، وأن تكون بريطانيا هي الدولة الوصية على فلسطين.
واعترفت اللجنة أنها لمست بوضوح إجماع الصهيونيين على إجلاء سكان فلسطين عن أراضيهم بعد تحريرهم منها ولو عن طريق الشراء. وحذرت اللجنة مؤتمر الصلح من تنفيذ البرنامج الصهيوني بالقوة المسلحة، ثم أوجزت التوصيات التالية بالنسبة إلى فلسطين:
1 ـ وضع سوريا بما فيها فلسطين ولبنان تحت انتداب دولة واحدة، وأن تتولى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية هذه المهمة تمشيا مع رغبة أكثرية السكان، فإذا اعتذرت تقوم بريطانيا بذلك، وأن يكون الأمير فيصل ملكا على الدولة السورية..
2 ـ إجراء تعديل على البرنامج الصهيوني مثل تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول نهائيا عن الخطة الرامية لجعل فلسطين حكومة يهودية.
3 ـ وضع الأماكن المقدسة في فلسطين تحت إدارة لجنة دولية دينية تشرف عليها الدولة المنتدبة وعصبة الأمم ويمثل اليهود فيها عضوا واحدا.
عارضت فرنسا وبريطانيا والحركة الصهيونية تقرير اللجنة، وأما الرئيس الأمريكي الذي كان من أشد المتحمسين في المؤتمر لإرسال لجنة لم يكترث بالتقرير، ويعزو بعض المؤرخين التحول في الموقف الأمريكي إلى الضغوط الصهيونية التي تعرض لها ويلسون وإلى موقف الكونجرس الأمريكى من مقررات مؤتمر الصلح، لذلك ظل التقرير طى الخفاء أكثر من ثلاث سنوات حتى أذن الرئيس الأمريكي ويلسون بإذاعته في ديسمبر 1922.
ويبدو أن الصراحة التي اتسم بها التقرير هي التي جعلت الحكومة الأمريكية تقوم بإخفاء التقرير، لأنه لم يكن فى صالح الصهيونية.
وكان الاستعمار البريطانى يتفنن فى اختراع أساليب الخداع والتضليل لستر مؤامراته على فلسطين ، وللظهور أمام الرأى العام العالمى بمظهر الحريص على حل القضية حلا ديمقراطيا يرضى العرب واليهود. فأرسلت بريطانيا إلى فلسطين خلال الفترة الممتدة من 1919 إلى 1947 عددا كبيرا من اللجان للتحقيق فى أوضاع فلسطين فترة الاحتلال البريطانى ثم الانتداب.
واتخذت بريطانيا من سياسة لجان التحقيق والكتب البيضاء والقرارات وسيلة لإخفاء نواياها وأهدافها ومادة لتخدير المخدوعين بسمعتها من العرب ولخداع العالم أجمع.
فمنذ احتلال بريطانيا لفلسطين وفرضها لليهود على أرضها وبعد الثورات والانتفاضات والهبات الجماهيرية التى كانت تندلع بين حين وآخر نتيجة سياسة الانتداب البريطانى لتنفيذ تصريح بلفور وصك الانتداب وهى تصدر قرارا بتأليف لجنة تحقيق ثم بيان وكتاب أبيض لتثبت أنها حريصة على حقوق العرب، ثم لا تلبث أن تعود إلى سابق عهدها بالتآمر وبتنفيذ إجراءات التهويد لمؤسسات الحكم وتسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين والسيطرة على الأرض والاقتصاد الفلسطينى والمؤسسات التعليمية لتمكين اليهود من إنشاء "الوطن القومى اليهودى" فى فلسطين فأرسلت لجنة بالين العسكرية 1920 للتحقيق في أسباب الاضطرابات التي وقعت في القدس 20 أبريل 1920 وتكونت اللجنة من الميجر جنرال بى.سى. بالين رئيسا والبريجادير جنرال ج.هـ. وايلدبلد عضوا والكولونيل سى.فون. إدواردز عضوا و أ.ل مكبارنت القاضى فى محاكم الاستئناف، مصر، مستشارا قانونيا وسلمت اللجنة تقريرها فى أغسطس 1920.
وبعد الأحداث التي شهدتها مدينة يافا في الأول من مايو 1921، والتي أدت إلى مقتل العشرات من اليهود والعرب تشكلت "لجنة هايكرافت"، التي ضمت: توماس هايكرافت، وضوية كل من: ج. سنايس وهـ. لوك، وقدمت اللجنة تقريرها في أكتوبر 1921 إلى مجلس العموم البريطاني. (كان السير توماس هايكرافت قاضي قضاة فلسطين من 1921 إلى 1927. وكان رئيس "لجنة هايكرافت" التي أرسلت من قبل الحكومة البريطانية لبحث أسباب الاحتجاج العربي الفلسطيني).
أوصت اللجان بضرورة تحسين أوضاع العرب الاقتصادية والزراعية وحماية حقوقهم والمحافظة على أراضيهم. واعتبرت فى الوقت نفسه أن أوضاع المزارعين اليهود أفضل من المزارعين العرب.
إلا أن الحكومة البريطانية تجاهلت توصيات تقارير اللجان، في كثير من الأحوال. وقدمت كل الدعم لليهود من خلال تسهيل الهجرة اليهودية وتملك اليهود للأرض والسيطرة على الاقتصاد الفلسطينى فى مجالات الصناعة والتجارة والموارد الاقتصادية ورغم نداءات وتوصيات اللجان المختلفة إلا أن الحكومة لم تستجب لأي نداء أو توصية لصالح المواطنين العرب، وهكذا نجحت حكومة الانتداب البريطانى فى إرساء دعائم الوطن الصهيونى قولا وعملا تنظيما وتشريعا وإدارة