قصة « وعد بلفور » كما ترويها الوثائق البريطانية

20/11/2015 - 10:20:54

الخروج الحزين الخروج الحزين

أشرف راضي - باحث ومترجم مصري

يعد كتاب "سلام ما بعده سلام: ولادة الشرق الأوسط 1914-1922" للمحامي والكاتب الأمريكي دافيد فرومكين، الصادر عام 1989، من أهم الكتب التي تناولت نشأة الشرق الأوسط المعاصر، والدور الذي لعبه الساسة والدبلوماسيون والمسؤولون البريطانيون الذين انخرطوا فيما عرف في السنوات السابقة على الحرب العالمية باسم "اللعبة الكبرى" في الشرق الأوسط، أو بالمسألة الشرقية.
وتكمن أهمية الكتاب الذي يقع في 655 صفحة، وقدمه للقارئ العربي، مشكورا المترجم السوري أسعد إلياس كامل، ونشرته دار رياض الريس عام 1992، في أنه يحتوي على تفاصيل تروي بقدر من التفاصيل الموثقة قصة نشأة الشرق الأوسط المعاصر. واعتمد الكاتب وهو متخصص في القانون الدولي وفي التاريخ الدبلوماسي على كم هائل من الوثائق التي رفع الحجاب عنها عام 1979.
وسوف نركز في هذا العرض الموجز على الملابسات التي ظهر في سياقها وعد بلفور، في إطار انبثاق الشرق الأوسط المعاصر الذي يسجل الكاتب أنه انبثق من قرارات اتخذها الحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى وبعدها، ويجيب عن سؤال: كيف ولماذا، ومن منطلق أية آمال ومخاوف ومشاعر محبة وكره، وأخطاء، وحالات سوء فهم.. اتخذت هذه القرارات؟
ولعل ميزة هذا الكتاب أنه اتخذ موقفا نقديا من الروايات الرسمية الروسية والفرنسية، التي رأى الكاتب أنها كانت من أعمال الدعاية، ومن الروايات الرسمية البريطانية والمذكرات اللاحقة التي كتبها المسؤولون المعنيون التي أشار إلى أنها لم تكن صادقة، وإنما كانت موجهة حسب أهواء هؤلاء المسؤولين أو من صنع خيالهم. فالثورة العربية التي شكلت محور حكايات هؤلاء المسؤولين لم تحدث في الواقع بقدر ما حدثت في خيال توماس إدوارد لورنس العجيب الذي اشتهر باسم لورنس العرب.
والكتاب مليء بتفاصيل ترصد الحقيقة التي تكشفت على مدى عقود نتفا، نتفا، ثم تكشفت في النهاية في كومة كبيرة عقب فتح محفوظات (أرشيف) الوثائق الرسمية والأوراق الخاصة التي ظلت سرية. ويشير الكاتب إلى أنه مع حلول عام 1979، وصلنا إلى نقطة يمكن عندها رواية القصة الحقيقية لما حدث. ومن بين مفردات هذه القصة، قصة "وعد بلفور". و"وعد بلفور" أو "تصريح بلفور" هو الاسم الشائع الذي أُطلِق على الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وعلى الرغم من الكتابات الكثيرة التي تناولت وعد بلفور، إلا أن ما جاء في كتاب "سلام ما بعده سلام" عن هذا الوعد يضعه في السياق التاريخي لمولد الشرق الأوسط الحديث، أو ما أطلق عليه الكاتب والكثير من المؤرخين لهذه الفترة "اللعبة الكبرى". فعلى مدى 18 جزءا ونحو 90 فصلا تناول الكاتب قصة التنافس الإنجليزي الروسي للسيطرة على العالم. ولعل أهم ما يرصده الكاتب، كيف أن السياسة البريطانية تجاه الشرق الأوسط حكمتها الأهداف البريطانية في المنطقة ومسألة الشرق الأوسط، والتي كانت بالنسبة للورد كيتشنر ووكيله المفوض مارك سايكس، ما كانت عليه لأكثر من قرن، والتي بلورها السؤال: "أين ينبغي رسم خط الحدود الفرنسية في الشرق الأوسط؟ والأهم من ذلك أين ينبغي أن يرسم خط الحدود الروسية هناك؟
ولعل أهم ما يقدمه الكتاب ذلك الارتباط الوثيق بين "القضية الفلسطينية" وبين "مسألة الشرق الأوسط" الأوسع، وهو الارتباط الذي بدا جليا مع تفجر الانتفاضة السورية عام 2011 التي تحولت إلى حرب أهلية عام 2012، وما آلت إليه هذه الحرب في اللحظة الراهنة من عودة قوية لروسيا كلاعب رئيسي في الصراع على مستقبل المنطقة بعد ما يقرب من مئة عام. وكتبت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في الواشنطن بوست في نوفمبر 2011، تقول إن الاحتمالات التي تنطوي عليها الأزمة السورية تهدد بانتهاء الشرق الأوسط كما عرفناه بعد الحرب العالمية الأولى.
ويشير فرومكين في مقدمة كتابه إلى أن الشرق الأوسط المعاصر تشكل في ذروة "اللعبة الكبرى" في القرن التاسع عشر، والذي لعبت فيه روسيا إلى جانب بريطانيا وفرنسا دورا مؤثرا. فبسبب روسيا، شرع كيتشنر في إنشاء تحالف بريطاني مع العالم العربي والإسلامي وبسببها أيضا، قررت بريطانيا وفرنسا احتلال الشرق الأوسط واقتسامه مع أنهما كانتا تفضلان الاحتفاظ بالإمبراطورية التركية في المنطقة، وبسببها أيضا أعلنت الخارجية البريطانية جهارا تأييد حكومتها "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين"، وللسبب نفسه شعر عدد من المسؤولين البريطانيين بعد الحرب أن على بريطانيا أن تشكل حاجزا في الشرق الأوسط لصد الحملة البلشفية، بعد الثورة الاشتراكية في روسيا في أكتوبر 1917.
وفي هذا الصدد يشير الكاتب أيضا إلى أن رونالد ستورز، المسؤول في مكتب الشؤون الخارجية والاستعمارية البريطاني والذي كان سكرتيرا شرفيا في القاهرة، والحاكم العسكري للقدس، إلى أوزوالد فيتزجيرالد أحد معاوني كيتشنر في نهاية عام 1914 ردا على طلبه بشأن دور فلسطين بعد الحرب وما لهذا الدور من علاقة بالموقف الفرنسي أو الروسي إلى الشمال . وكتب ستورز: "الأفضل لنا هو وجود دولة حاجزة (أمام النفوذ الفرنسي)، ولكن هل نستطيع إيجادها؟ لست أرى عناصر من أهل البلاد يمكن أن ننشئ منها مملكة فلسطينية إسلامية. إن الدولة اليهودية هي، نظريا، فكرة جذابة. ولكن اليهود، مع أنهم يشكلون أغلبية في القدس نفسها، إلا أنهم أقلية ضئيلة في فلسطين عامة، ويشكلون في الحقيقة نحو سدس مجموع السكان". ولم يكن اليهود حين صدور "وعد بلفور" يشكلون سوى 5% من مجموع سكان فلسطين، حسب التعدادات الرسمية في ذلك الوقت.
لم يكن المسؤولون البريطانيون وحدهم الذين يشككون في قدرة أهل المنطقة، التي كانت في ذلك الوقت جزءا من الإمبراطورية العثمانية، في إنشاء دول تتوافر لها مقومات البقاء. ويقول فرومكين إن الروس شككوا أيضا في أساس الحياة السياسية في الشرق الأوسط – أي الدين – فاقترحوا الشيوعية، وفعل مثلهم البريطانيون فاقترحوا القومية أو الولاء للأسر الحاكمة، عوضا عن الدين. ويرى الكاتب أن إيران الخميني في العالم الشيعي والإخوان المسلمون في العالم السني أبقيا هذه القضية حية. في حين سمحت الحكومة الفرنسية للدين بأن يكون أساس السياسة – حتى أساس السياسة الفرنسية – فقد ساندت طائفة ضد طوائف أخرى. وهذه أيضا قضية أبقيت حية في النزاع الطائفي الذي ظهر في الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1989)، والتي أثيرت أيضا في الصراعات التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن كما تبدى في العراق في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003 وفي سوريا واليمن.
لم تكن الدولة اليهودية هي الحل الوحيد الذي اقترحه البريطانيون، فاقترح ستورز أيضا ضم فلسطين إلى مصر. واقترح في بداية مارس 1915 تنظيم معظم العالم الناطق بالعربية في اتحاد كونفدرالي يكون محمية بريطانيا يحكمها كيتشنر من القاهرة. وذلك يكون البريطانيون هم من وضعوا أساس صراع الوجود بين مشروع "الدولة اليهودية" والفكرة القومية العربية. أزمة التمدين السياسي الذي يجتازها الشرق الأوسط الآن لا تنبثق فقط من تدمير بريطانيا للنظام القديم في المنطقة عام 1918 ومن قراراتها عام 1922 بشأن كيفية استبدال ذلك النظام، بل تنبثق أيضا من غياب القناعة في السنين اللاحقة ببرنامجها الذي فرض التسوية عام 1922.
لكن ثمة عوامل أخرى أسهمت بدورها في هذا الوضع، ومنها ما يرصده فرومكين من حالات سوء التفاهم العديدة والتي أشعلت عام 1916 صراعا خفيا داخل البيروقراطية البريطانية بين (سير مارك سايكس) مسؤول شؤون الشرق الأوسط في لندن وصديقه (جيلبرت كلايتون) رئيس المخابرات في القاهرة. ويشير الكاتب إلى أن سايكس في مفاوضات عام 1916 مع فرنسا أخطأ في فهم ما طلبه منه كلايتون وفعل العكس تماما معتقدا بكل براءة أنه كان ينفذ رغبات كلايتون. في حين أن كلايتون شعر شعورا أكيدا بأن سايكس خذله عامدا، وتحول إلى خصم داخل الجهاز البيروقراطي البريطاني لسياسات سايكس ولعله كان الخصم الأخطر.
هناك أيضا الأوضاع المحلية في المنطقة والتي يقول الكاتب إنها وصلت إلى نقطة اللاعودة بحلول عام 1922، ووضعت مختلف العشائر في الشرق الأوسط على طرقها المؤدية إلى التصادم حين ضاقت الخيارات وتحددت المناهج بعد السنوات التي تشكل فيها الشرق الأوسط في السنوات بين عامي 1914 و1922. في هذه السنوات اعتقد الأوروبيون أن القوميتين العربية واليهودية حليفتان طبيعيتان. وكان الفرنسيون وليس العرب هم أعداء الحركة الصهيونية الخطرين، ولم يكن النفط عاملا من عوامل السياسة في الشرق الأوسط. ويضيف أنه في عام 1922، بدا الشرق الأوسط أنه يسير على طريق من شأنه أن يقود إلى حروب لا نهاية لها بين إسرائيل وجاراتها وبين الميليشيات المتناحرة في لبنان ويقود أيضا إلى أعمال إرهاب دائمة التصاعد تشكل سمة مميزة للحياة الدولية في السبعينيات والثمانينيات.
ويقول إنه إذا وضعنا عددا من وثائق عام 1922 معا فإنها ستعادل تسوية شاملة للشرق الأوسط: إعلان اللنبي الذي أوجد استقلالا اسميا لمصر، الانتداب على فلسطين والكتاب الأبيض الذي وضعه تشرشل بشأن فلسطين (ومنه انبثقت إسرائيل والأردن)، المعاهدة البريطانية التي أوجدت مكانة للعراق، الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وضع بريطانيا ملكين جديدين على عرش مصر وعرش العراق ورعايتها أميرا بصفته حاكما جديدا لما سيصبح "الأردن"، والإعلان الروسي عن قيام اتحاد سوفييتي تعيد فيه تثبيت حكمها في آسيا الوسطى الإسلامية. وترتبت هذه التسوية على المفاوضات التي أجراها السير مارك سايكس مع كل من فرنسا وروسيا في وقت الحرب على اقتسام الشرق بعد الحرب بين الدول الثلاث.
ويقرر الكاتب أن الحكومة البريطانية آنذاك لم تخفق وحسب في استنباط تسوية تلبي احتياجات شعوب المنطقة، وإنما حاولت أن تفعل شيئا مختلفا تمام الاختلاف. ويسعى كتاب "سلام ما بعده سلام" إلى توضيح كيف تغيرت بريطانيا وكيف غير المسؤولون والسياسيون البريطانيون أفكارهم فيما بين عامي 1914 و1922. ويشير إلى أن الحكومة البريطانية للأعوام 1914 ـ 1916، رحبت بوجود روسي وفرنسي في المنطقة في فترة ما بعد الحرب، ثم تحولت بعد الحرب إلى حكومة تعتبر روسيا في الشرق الأوسط خطرا وفرنسا كارثة. وأنصار الصهيونية في عام 1917، تحولوا إلى معادين للصهيونية عامي 1921 و1922.
ويرى الكاتب أن "أزمة التمدين السياسي الذي يجتازها الشرق الأوسط الآن لا تنبثق فقط من تدمير بريطانيا للنظام القديم في المنطقة عام 1918 ومن قراراتها عام 1922 بشأن كيفية استبدال ذلك النظام، بل تنبثق أيضا من غياب القناعة في السنين اللاحقة ببرنامجها الذي فرض التسوية عام 1922.
وسمح هذا الوضع بحدوث تغير كبير في السياسة البريطانية كان للأفراد دور كبير في إحداثه ومن بين هؤلاء الأفراد لويد جورج الذي أصبح وزيرا للحربية بعد وفاة كيتشنر عام 1916، ثم رئيسا لوزراء بريطانيا في نهاية ذلك العام. يقول فرومكين عن سياسة لويد جورج تجاه الشرق الأوسط: "كان لويد جورج الرجل الوحيد في حكومته الذي أراد استيلاء بريطانيا على فلسطين، وأراد أيضا أن يشجع قيام وطن قومي لليهود في فلسطين." ولم يتمكن زملاؤه من إدراك مدى شدة تمسكه بهذه الآراء الأمر الذي يعزوه فرومكين إلى معتقداته السياسية الخاصة التي كان يجهلها زملاؤه. فقد تربى على دراسة الكتاب المقدس، وكتب فيما بعد في مذكراته أنه اعترض على اتفاقية سايكس – بيكو الني نصت على أن يكون معظم فلسطين من نصيب فرنسا أو المنطقة الدولية لأن هذا التقسيم يشوه البلد. وكان يتبنى معتقدات منشقة عن الكنيسة الإنجيلية البروتسانتية تؤمن بتقدم الصفوف "لإعادة اليهود إلى صهيون"، ولتحقيقه رأى ضرورة سيطرة بريطانيا على فلسطين وتشجيع الهجرة اليهودية إليها.
ويعمق فرومكين على الاستنتاج الذي توصل إليه لويد جورج وزملاؤه في الحكومة البريطانية عام 1917 عن رعاية بريطانيا للقومية اليهودية في الشرق الأوسط بعد الحرب قائلا: "الغريب أن الساسة البريطانيين بعد أن أيدوا الشريف حسين – في ثورته على العثمانيين - نتيجة أفكار خاطئة عن العرب والمسلمين أوشكوا الآن على تأييد الصهيونية نتيجة أفكار خاطئة عن اليهود". وفي مقدمة هذه الأفكار اعتقادهم بأن حل مشكلة اليهود في روسيا وأوروبا الشرقية بعد الحرب يتطلب إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
نجح لويد جورج في كسب تأييد الأعضاء المدنيين المهمين في حكومته، الذين نظروا إلى الشرق الأوسط عامة، وإلى فلسطين على وجه الخصوص، كمصالح حيوية للإمبراطورية البريطانية وتوصلوا إلى أن إقامة تحالف مع الصهيونية من شأنه أن يخدم مصالح بريطانيا في الحرب وفي السلم. ومهدت هذه الجماعة الطريق للسيطرة على فلسطين عسكريا ولصدور "وعد بلفور".