فلسطين 1915 ـ 1917.. الجراد، سفر برلك، المجاعة .. وثائق مصورة ومذاكرات شخصية

20/11/2015 - 10:19:59

حمل العلم المقدس من المدينة إلى القدس الشريف عام 1914 بواسطة الشريف حسين حمل العلم المقدس من المدينة إلى القدس الشريف عام 1914 بواسطة الشريف حسين

بيسان عدوان

الصورة تساوي ألف كلمة، وهى تحكي تاريخا كاملا، تماما كما المذاكرات للشخصيات هما وثائق بالغة الأهمية تؤرخ للحياة اليومية للشعوب، على امتداد تاريخ القضية الفلسطينية اهتم الفلسطينيون بالصور التي توثق وجودهم في البلاد قبل عام 1948 كجزء من الهوية والصمود والمقاومة ودحض لادعاءات المحتل حول "فلسطين أرض بلا شعب"، مدن، قرى، مدارس، مستشفيات، أماكن عامة، فنادق، أسواق، مقاومة. لكن أبدا لم نهتم بأرشفة حقيقية للصور، تاريخها، الشخوص الذين يملأون مساحتها، مصادر الصورة، من يحتفظ بها، فقط في الأعوام القليلة الماضية، انبرت الجهود إلى إعادة توثيق الحياة اليومية للفلسطينيين بشكل علمي وأرشفة وفقا للمعايير الدولية، اهتم الباحثون بالأشخاص، نساء، أطفال، رجال، قيادات وطنية، بسطاء، بجانب الزمن والمكان.
بجانب الصور التي تعد تأريخا حيا للسكان الأصليين وتأكيد أحقيتهم في البلاد، انصب اهتمام الباحثين الفلسطينيين على المذاكرات الشخصية لناس بسطاء لإماطة اللثام عن صورة حقيقية لفلسطين في تلك الفترات، أناس كتبوا عن حياتهم، وقائعهم، يومياتهم، علاقتهم بواقعهم، مدنهم، قصص الحب التي عاشوها، فكانت وثائق أخرى توثق لفلسطين قبل النكبة وبعدها، كان من أهم تلك المذاكرات لجندي مقدسي في الجيش العثماني عام 1915 "إحسان الترجمان" عن فترة تجنيده الإجباري في القدس من قبل الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. تحقيق د. سليم تماري صادر عن مركز الدراسات الفلسطينية، 2014. بجانب مذاكرات المعلم سليمان أبو دية مدير المدرسة اللوثرية في بيت ساحور في الفترة ما بين 1915 ـ 1918.
في الذاكرة الشعبية الفلسطينية كان 1915 (سنة الجراد) في فلسطين حيث غزا البلاد في مارس آذار 1915، وحجبت أسرابه الشمس والتهم المزروعات والأشجار خاصة أشجار الزيتون. حاول الأهالي جمعه ودفنه في حفر وآبار أو حرقه، دون جدوى. لم تقم الحكومة العثمانية بمحاربته بسبب انشغالها بالحرب العالمية الأولى، فازداد الغلاء وقلت المواد الغذائية وانتشرت المجاعة. وظهر الجراد مرة أخرى عام 1916 ولكنه كان أقل عددا وأخف وطأة. وأعقبه وباء الكوليرا والتيفوئيد فأوقع كثيرا من الضحايا.
صدرت يوميات المواطن المقدسي "إحسان الترجمان" الذي كان جنديا في الجيش العثماني قبل سنوات قليلة، وقدمت اليوميات صورة غير معروفة عن مدينة القدس، خلال الحرب العالمية الأولى، لم يتطرق لها المؤرخون، ولم تظهر بهذا الوضوح، لدى أصحاب اليوميات الرسمية أو الشخصيات المعروفة التي كتبوها في أثناء الحرب التي أطلق عليها في البلاد الشامية اسم "سفر برلك".
يؤرخ الترجمان، لوضع القدس عندما غزاها الجراد، فتسبب بمجاعة، ثم تبع ذلك انتشار الكوليرا والتيفوئيد. ويصف كيف انتشر المتسولون في المدينة المقدسة، والمومسات في الشوارع ومنهن أرامل الجنود الذين يتساقطون في حرب ليس لهم علاقة بها، ويبدي الترجمان شفقة عليهن، ولكن موقفه من المومسات لم يتوقف عند حد الشفقة، إذ تطرق إلى جانب آخر وهو الدعارة العلنية، أو الشرعية، وهو أمر قد يكون مفاجئا لمدينة مثل القدس، أكثر محافظة من مدن أخرى مثل دمشق وبيروت، حيث استحدث الجيش العثماني دورا مخصصة للبغايا في القدس لخدمة الضباط، وفيما بعد توسع الأمر لخدمة المجندين. وبمناسبة اعتلاء السلطان محمد رشاد الخامس العرش في 27 أبريل 1915، أمر جمال باشا بإحياء هذه المناسبة في حفلة ضخمة دعا إليها ضباطا عثمانيين ونمساويين وأعيانا من القدس.
وتتوفر مذاكرات أخرى لم تنشر للمربي سليمان أبو دية، الذي كان وقت هجوم الجراد، مديرا للمدرسة اللوثرية في بيت ساحور. وعانى ويلات (السفر برلك)، فهو لم يكن مربيا فقط ولكن أيضا عازفا ماهرا على الأورج، وعمل على مدى 30 عاما عازفا على هذه الآلة في الكنيسة الإنجيلية في بيت جالا، وعلى مدى 15 عاما، كان يذهب إلى الخليل على حمار، ليعزف في مكان صلاة الطائفة الإنجيلية في المدينة. وتعرض للملاحقة من قبل الجيش العثماني الذي طلبه للتجنيد الإجباري، والمشاركة في الحرب، ولكن زوجته باعت الأورج، ودفعت عنه بدل الخدمة الإلزامية.


كتب أبو دية: "في 8 آذار سنة 1915 ميلادي: زار بلادنا ضيف ثقيل الظل، ألا وهو الجراد الطيار، جاء من الشرق كجيوش جرارة، ولم تفتح المدرسة أبوابها لأن التلاميذ والمعلمين مع عموم الأهالي سيقوا إلى تلقيط ولمّ الجراد الطيار و"بزره" الذي كان بالقناطير في الأرض، وقد ترتب على أهالي بيت ساحور أن يرسلوا يوميا نحو أربعين شخصا لأجل جمع الجراد الزحاف الذي فقس من جديد، وطلب من أهالي القدس خمسة كيلوجرامات من بزر الجراد عن كل شخص، وأما عن أهالي بيت لحم، فطلب المدير نحو عشرين كيلو بزر جراد، والذي لم يجمع ذلك بنفسه كان يشتريه من الذي جمعه لأجل بيعه والاستفادة من ثمنه".
وسجل أيضا: "23 أيار سنة 1915 ميلادي، صدر الأمر من مدير الناحية فوزي أفندي أن يسرح جميع ذوي الأعمار من 10 ـ 60 لأجل جمع الجراد الذي ازداد جدا، وفي 23 و24 أيار وصل الجراد الزحاف إلى المدرسة، ولم نستطيع مقاومته". وفي 9 و10 يونيو من العام نفسه، جاء الجراد الطيار، ويروي مدير المدرسة سليمان أبو دية، أنه كان في القدس وعاد إلى المدرسة، ليجد أن نصف أشجارها قد أتى عليها الجراد، وكذلك فعل في أشجار بيت ساحور، ولم تسلم من شره، كما يذكر أبو دية سوى شجرة الخروب.
غزو الجراد، في ذلك العام، لفلسطين لم يكن الأول، وتجدد الغزو مرات أخرى، إلا أن غزوة مارس 1915، كانت الأكبر والأكثر تأثيرا، لأنها تزامنت مع ظروف صعبة ومصيرية عاشها الفلسطينيون، إذ سيق الآلاف منهم إلى حرب لم يكونوا مقتنعين بها، ولم يعد كثيرون منها، وغابت ذكراهم، وتبددت مع مرور الأيام.