من بلفور حتى النكبة .. كيف التفت النخبة على الحركة الشعبية

20/11/2015 - 10:19:01

المدرسة الصالحية فى القدس عام 1916 المدرسة الصالحية فى القدس عام 1916

د. إسماعيل أبو شيمس - طبيب فلسطيني وباحث في التاريخ الفلسطيني المعاصر

شهد مسرح أحداث الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى الصراع بين الإمبراطورية العثمانية (التي كانت جزءا من قوات المحور) وقوات الحلفاء متمثلة بالإمبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية، ولعبت الدول العربية التي شاركت في الثورة العربية الكبرى دورا مهما في هذا الصراع الذي استمر من 28 يوليو 1914 حتى توقيع الهدنة بين الإمبراطورية الألمانية وقوات الحلفاء في 11 نوفمبر 1918 وأفضت إلى توقيع معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919.
شهدت المنطقة خمس حملات شنتها قوات الحلفاء على أراضي الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى هي حملة سيناء وفلسطين وحملة بلاد الرافدين وحملة القوقاز وحملة بلاد فارس وحملة جاليبولي، كما شهدت حملات وعمليات عسكرية ثانوية في عدن والأجزاء الجنوبية من الأراضي العربية.
في 13 نوفمبر 1918 احتلت القوات الفرنسية إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية، تبعها دخول القوات البريطانية في اليوم التالي، وأدى الاحتلال إلى إشعال حرب تحرير تركيا الذي نشطت خلاله الحركة الوطنية التركية التي قادها مصطفى كمال أتاتورك، وفي 1923 وقعت معاهدة لوزان التي قضت باستقلال تركيا وتوزيع إرث الإمبراطورية العثمانية المتفق عليه سريا منذ عام 1915 عبر اتفاقية سايكس/بيكو، التي أفضت إلى حقبة الاستعمار الأوروبي الحديث في الشرق الأوسط.
حملة سيناء وفلسطين هي حملة عسكرية وقعت في مسرح أحداث الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا والدولة العثمانية بين 26 يناير 1915 و31 أكتوبر 1918 حينما عرض العثمانيون الهدنة. كان هدف الحملة بالنسبة للعثمانيين هو قطع طريق إمدادات الحلفاء المار عبر قناة السويس وشرعوا من أجل ذلك بغزو سيناء حيث كانت مصر آنذاك محمية بريطانية. انتهت الحملة بانتصار الحلفاء وسقوط بلاد الشام بيدهم وإنهاء الحكم العثماني الذي دام أكثر من 400 عام.
في أبريل 1921 وبعد حوادث حيفا ويافا وعلى خلفية استخفاف وزير المستعمرات "تشرشل" بالمطالب العربية، بدأت مجموعة من الشبان اليهود المسلحين وفي ظل حماية إنجليزية بإقامة حواجز في شوارع يافا. مشهد الشبان اليهود الذين يفتشون رجال يافا دفع النساء اليافيات للخروج إلى الشوارع لحث وتحريض أزواجهن وأبنائهن على مهاجمة التجمعات والمحال التجارية اليهودية، وهذا ما حدث بالفعل، ولم يتوقف إلا بعد تدخل وجهاء المدينة من طبقة الأفندية لتهدئة الأجواء، والتوسط بين الإنجليز من جهة، وبين الشباب والفلاحين الذين انضموا إليهم من القرى المجاورة من جهة أخرى.
بعد الأحداث اجتمع المندوب السامي "هربرت صموئيل" بزعماء الحركة الوطنية في حيفا ويافا ليعبر عن امتنانه للجهود التي بذلوها لتهدئة الحالة التي لو لم تكبح جماحها فإن البلاد بأسرها كانت ستنغمس في حالة من الفوضى.
امتناع الوجهاء من طبقة الأفندية عن لعب الدور الذي كانت الأكثرية من أهل فلسطين تطالبهم به، واستبدالهم به دور الوساطة وتهدئة النفوس، أدى إلى تعرض سمعتهم ومكانتهم للانحطاط، ولذلك فقد شعروا بالحاجة لإعادة ترسيخ زعامتهم للبلاد، فكان لا بد من إظهار تضامنهم السياسي على نطاق واسع، ولهذه الغاية تم عقد المؤتمر العربي الرابع في القدس في 25 مايو، وتم التوافق على أعضاء البعثة العربية التي سستوجه إلى لندن برئاسة موسى كاظم الحسيني لعرض مطالب الحركة الوطنية على الجهات الشعبية والرسمية. وقد تحددت المطالب العربية بالتالي:
ـ إقامة حكومة وطنية تمثيلية في البلاد.
ـ إلغاء وعد بلفور.
ـ وقف الهجرة اليهودية إلى البلاد إلى حين تشكيل الحكومة الوطنية.
ـ إلغاء القوانين والأنظمة التي فرضت على فلسطين منذ الاحتلال البريطاني، وتطبيق القوانين العثمانية إلى حين تشكيل الحكومة الوطنية.
التقارير الاستخبارية القلقة التي أرسلت إلى وزارة المستعمرات آنذاك، دفعت "تشرشل" إلى أن يقول في مجلس الوزراء البريطاني: "الحالة في فلسطين تسبب لي الارتباك والقلق. فالبلاد بكاملها في حالة غليان، والسياسة الصهيونية لا تلقى قبولا سوى من الصهاينة أنفسهم. كلا الجانبين العربي واليهودي مسلح وماض في التسلح، ويستعد للانقضاض على الآخر... ولقد رفضنا حتى الآن، وللمصلحة الصهيونية، منح العرب أية مؤسسة انتخابية، ومن الطبيعي أن يقارنوا معاملتهم بتلك التي يلقاها إخوانهم في العراق، ويبدو لي أنه يتوجب على مجلس الوزراء إعادة تقييم الحالة بكاملها".
إزاء هذه التغيرات، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي عانتها الحركة الصهيونية في تلك الفترة، بالإضافة إلى تصاعد وتيرة الهجرة العكسية من فلسطين، لم يجد زعماء الحركة الصهيونية من سبيل سوى "تقويض الحركة الوطنية من الداخل" على حد تعبير "حاييم وايزمان" الذي وعد "تشرشل" بإرسال وفد فلسطيني آخر يعارض مطالب وفد المؤتمر العربي.
وبالفعل فقد أوفى "وايزمان" بوعده سريعا، حينما أرسل حسن شكري رئيس بلدية حيفا ورئيس الجمعيات الوطينة الإسلامية، إلى الحكومة البريطانية عبر التلجرام الرسالة التالية:
"نحتج بقوة على الادعاء الذي صدر عن البعض فيما يخص المسألة الصهيونية. فنحن لا نعتبر الشعب اليهودي عدوا يريد سحقنا. بل على العكس من ذلك، فاليهود شعب شقيق يشاركنا أفراحنا وأتراحنا، ويساهم معنا في بناء وطننا المشترك. نحن على ثقة بأنه بدون الهجرة اليهودية والمساعدة المالية فلن يكون هناك أي تطور مستقبلي، وهذا يمكن التوصل إليه عند النظر إلى الحقيقة الماثلة أمامنا من كون المدن التي سكنها اليهود جزئيا مثل يافا، والقدس، وحيفا، وطبريا تشهد تطورا مطردا، في حين أن المدن التي تخلو من اليهود كنابلس، وعكا، والناصرة تستمر في تراجعها".
رسالة حسن شكري هذه لم تكن الوحيدة، فقد تمكن "حاييم وايزمان" - بمعية سمسار الأراضي المخضرم "كالفرسكي"، وضابط الاستخبارات اليهودي المتقاعد "فريدريك كيش" – من شراء (على حد تعبير وايزمان نفسه) مجموعة "الأفندية" الساخطين بعد تقسيم المناصب في تشكيلات المؤتمر العربي، بالإضافة إلى مجموعة من "المخاتير" وشيوخ القبائل، ليشكل من خلالهم "الجمعيات الوطنية-الإسلامية" كجسم وطني مواز "للجمعيات الإسلامية-المسيحية"، إلا أنه يدعم التعايش، ويرى في الهجرة اليهودية منفعة للبلاد.
يبدو الأمر مرعبا وبالذات لو استعرض المرء الوثائق التي تتحدث عن شخصيات تعاونت مع "وايزمان" أملا في دعمه لها بالوصول إلى منصب الإفتاء، أو شخصيات جمعت معلومات عن تحركات الثوار في القرى مقابل منصب القضاء، لكني رغم ذلك لا أجد حاجة للوقوف طويلا عند الأثر المباشر لهذه الحالة، باعتبار أن الجهاز المناعي لأهل البلاد لم يتلكأ طويلا لتحديد هذا التيار وتحييده، ومن ثم جعله هدفا للتصفية من قبل الثوار.
لكن وفي المقابل أصيب الجهاز المناعي لأهل البلاد بفرط الحساسية، وهذا بدوره أدى إلى ارتباك كبير في مواقف القيادة الوطنية، التي لم تعد معنية بشيء سوى إثبات شرعيتها، من خلال الإرسال على نفس الموجة الشعبية بأي ثمن ودون أي اعتبار. ففي 21 أبريل 1948، قام الجنرال "ستوكويل"، قائد حيفا الإنجليزي، بإخطار العرب واليهود بأن قواته ستنسحب من المدينة وستتجمع في الجزء الغربي قرب الميناء.
وكان السؤال يومها: من الذي سيسارع إلى استغلال لحظات الفوضى الأولى فيرجح الكفة لمصلحته؟
لم يكن بين الفلسطينيين طرف خائن، لكن جميع الجهات العاملة نظرت إلى بعضها بعين الريبة، فحاولت كل جهة تثبيت شرعيتها الجماهيرية على طريقتها الخاصة.
فالهيئة العربية العليا رفضت مطلب الجمعية الإسلامية منها بأن تعلن نفسها كحكومة تقوم مقام الانتداب، على أن تؤلف في كل مدينة من مدن فلسطين حكومة محلية تكون تابعة للهيئة بصفتها الحكومة المركزية. وعللت رفضها بأن ذلك سابق لأوانه، حيث إن الجيوش العربية بدأت بالزحف، لتولي مهمة التحرير.
أما رشيد الحاج إبراهيم الذي شكل اللجنة القومية، فقد طرد الضابط العراقي "عبد الحق العزاوي"، الذي أرسلته الهيئة العربية العليا بالمال والسلاح، وأخبره بأنه ليس له من عمل في حيفا، وأن أهلها هم من سيدافعون عنها. (شكل رشيد الحاج إبراهيم اللجنة القومية، وكان رئيس بلدية حيفا وكان ضمن الوفد العربي الذي نفي عام 1939 لكونه ضمن قيادات ثورة 1936)
ورغم الاختلافات التي ذكرت والتي لم أذكر، صمد الحاج إبراهيم ومقاتليه وتصدوا للهجوم الأول الذي بدأته "الهاجاناة" عندما أرسلت فصيلا لاحتلال الأحياء الشرقية في شارع صلاح الدين، وتمكنوا من عزل القوة المهاجمة ومحاصرتها، ولم يفك الحصار عنها إلا بعد سقوط المدينة بأسرها. لكن صمود المدافعين لم يدم أكثر من يوم، فقد سقطت المدينة بشكل مفاجئ في 22 أبريل، بعد أن بدأ القصف المركز من جبل الكرمل.
خلاصة القول؛ أن الحاج نظر إلى الجمعية الإسلامية بعين الريبة، فخسر فرصة استغلال لحظات الفراغ الأولى. ثم نظر الحاج إبراهيم إلى الضباط من طرف الهيئة العربية العليا نظرة التشكيك ذاتها، فقرر أن يبقى بمقاتليه في منبطح من الأرض محاط بحصون تشرف عليه من الكرمل، وتقطع عليه كل طرق الإمداد، مخالفا بذلك النصائح الوجيهة بالانسحاب التكتيكي لتطويق المدينة من جهة عكا والمناطق الواقعة خلف الكرمل.
فالمؤتمرات السبعة التي عقدتها النخبة الفلسطينية لم تكن سوى التفاف على الحركة الشعبية التي سبقتها، وهي لم تعبر عن شيء سوى خشية النخبة من أن تفقد صفتها التمثيلية، وهذا ينطبق أيضا على إتلاف الأحزاب الفلسطينية في "اللجنة العربية العليا" بعد انطلاق ثورة 1936، ليبدو الأمر كما لو كان المؤتمر العام للجنة القومية هو الذي يقود العمل ويوجهه. منذ انطلاقته مع إعلان الانتداب وحتى النكبة ظل العمل الثوري في فلسطين، مبعثرا، وغير متبنى من القيادة إلا على مضض، ولا أعرف لذلك استثناء سوى الفترة بين عامي 1938 و1939 والتي تولى فيها "عبد الرحيم الحاج محمد" مسئولية العمل.