مارك توين عراب أسطورة « أرض الميعاد »

20/11/2015 - 10:18:04

قبة الصخرة قبة الصخرة

شذى يحيى - كاتبة مصرية


"جلس هذا الصباح خلال الإفطار، التجمع المعتاد للبشر القذرين ينتظرون أن يلقى إليهم الفتات نظرا لبؤسهم، لقد ذكروني بالكثير من الهنود الحمر جلسوا في صمت وصبر لا يكل يراقبون حركاتنا بتلك الوقاحة المقيتة التي هي فعلا من صفات الهنود الحمر والتي تجعل الرجل الأبيض عصبيا وهمجيا يود إبادة القبيلة والحشرات تأكلهم والأوساخ قد غطت أجسادهم". هذا مقطع كتبه أبو الأدب الأمريكي "مارك توين" واصفا الفلسطينيين العرب في واحد من أهم كتبه "أبرياء في الخارج" والذي صدر في عام 1869، وهو الكتاب نفسه الذي أهداه بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل للرئيس الأمريكي باراك أوباما أثناء زيارته للبيت الأبيض في مايو 2009 فما الذي يجعل كتاب رحلات من القرن التاسع عشر على هذا القدر من الأهمية؟!
لم تكن السطور الأربعة التي تعهد بها بلفور لروتشيلد عام 1917 لتكتسب قوتها ومرجعيتها لولا الدعم الأمريكي والأوروبي في سان ريمو 1920، عندما أصبحت هذه السطور تكليفا لسلطة الانتداب البريطاني، وكان وراء هذا التكليف رأي عام شكلته عوامل منها هذه الكتابات التي لم تكن جديدة، فقد كتب مثلها شاتوبريان ولامارتين وغيرهم من المستشرقين الأوروبيين، بل إن لامارتين وصف الشرق كله بأنه أمم بلا حقوق ولا قوانين ولا أمن، تنتظر في قلق حماية الاحتلال الأوروبي لها، ولهذا فإن بلفور عندما ذكر أنه أعطى وعده لأسباب أخلاقية لم يكذب؛ فالمنطق الاستعماري يرى أن البرابرة ينتظرون المتعلميين الأوروبيين كمنقذين للأرض المقدسة من التخلف، أو كما كتب حاييم فايتسمان لبلفور في 30 مايو 1918: "من شأن الوضع الراهن أن يؤدي بالضرورة إلى إنشاء دولة فلسطينية عربية لو كان في أرض فلسطين شعب عربي، لكن الوضع الراهن لن يؤدي في الحقيقة لذلك، لأن الفلاح متأخر عن هذا العصر بما لا يقل عن أربعة قرون، والأفندي كذاب غشاش غير متعلم وطماع ولا يتصف بالوطنية مثلما لا يتصف بالكفاءة"، أما اليهود فمن المؤكد أنهم يتصفون بالكفاءة والمعنى المقصود من خلو الأرض من السكان هو خلوها من المتمدينين والعربي الفلسطيني المقاوم للاستعمار هو مجرد متوحش غبي.
ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا المفهوم، فقد انشغلت منذ بدايات تكونها بالشرق الأوسط منذ بداية القرن التاسع عشر، في إطار حملاتها ضد قراصنة البربر و تأسيس الجمعية الشرقية عام 1842 والتي قال مؤسسها بيكرينج إن أمريكا تعتزم دراسة الشرق حتى تحذو حذو الدول الإمبريالية الأوروبية، وإن الظروف مواتية بعد معاهدة مترنيخ ولويس فيليب واختراع الرفاص المروحي مما يسهل الاختراق اليورو أمريكي للشرق. وكانت بداية العلاقات الأمريكية الفعلية بالشرق بإرسال بعثات تبشيرية وإرساليات مؤيدة من الحكومة، كانت محملة بالكراهية والاحتقار لسكان الأرض المقدسة الأصليين نتيجة دعاية بثها اليونانيون عن مذابح الأتراك المسلمين وميراث الحروب الصليبية وميراث من شاركوا في الحملات الاستعمارية للشرق ثم هاجروا بعدها لأمريكا، كما كانوا محملين بالرسالة التمدينية التحضرية للبعثات التبشيرية التي قام بها الفرنسيون والإنجليز قبلهم، رسالة قسمت البشر إلى متمدينين وبرابرة، والتقسيم بين وحدات اجتماعية موازية هي قبائل وجماعات زراعية بدائية ودول حديثة قومية، بالإضافة إلى حملها للمنظور الأمريكي أن الدولة الليبرالية هي الأساس لإيجاد حضارة حديثة.
ولعل أبلغ الأمثلة على هذه الرؤية هو ما كتبه المبشر ويليام تومسون في كتابه "الأرض والكتاب" الذي نشر عام 1859 عندما زار الأرض المقدسة، وكتب أنه رآها مملوءة بالهمج الدخلاء. وهذا الكتاب مازال يستخدم لتغذية العداء ضد العرب في أمريكا حتى اليوم، فالرجل لم ير صلاحا لأحوال هؤلاء إلا عن طريق واحد ألا وهو اعتناقهم للمسيحية، وهذه الفكرة هي التي أثرت على مارك توين فيما بعد عندما كتب "أبرياء في الخارج".
شكلت كتب المبشرين الوعي لدى الحجاج الأوائل بأن أرض الميعاد تنتمي لهم وهي التي خلقت صورة الدخلاء العرب ليستخدمها بعد ذلك الرحالة والأدباء من المثقفين الأمريكيين وغالبيتهم من البروتستانت الإنجيليين البيض "WASP" وأسهمت في صنع طبقة كثيفة من حقائق مختلقة منعت الحجاج والسائحين من رؤية الواقع، وجعلتهم يصنعون واقعا خاصا بهم مستمدا من نبوءات العهد القديم بعودة اليهود لفلسطين وإقامة مملكة الله عليها وإشعارهم بأنهم أصحاب الأرض الأصليون، كما عبر القس ديويت تالميج "بنى الرب بيديه اليسرى فلسطين وبيمناه منحنا النصوص المقدسة، لذلك فإن يدي الخالق اللتين صنعتا هذا تحتمان علينا أن تكون هذه الأرض تحت إشرافنا الدقيق عندها سيكون الإنجيل أكثر مجدا وستسود كلمة الله".
ومع بداية اختراع الآلة البخارية أصبح السفر أكثر سهولة لهذه الأماكن وازدادت الرحلات الأمريكية إلى الأرض المقدسة في فترة ما بعد الحرب الأهلية فالمواطن الأمريكي الذي خاض غمار حرب عنيفة جرحت ضميره الكالفيني النقي في حاجة لنوع من التصالح مع المقدس، كذلك كانت هناك رغبة داخلية قوية في إثبات أن العلم والمخترعات العلمية ليست سببا للدمار والخراب الذي حل بأمريكا، فكان البناء في الغرب من ناحية والدعم المادي لإقامة مملكة الله في فلسطين في الشرق ومن ناحية أخرى راحة للضمير الأمريكي، ولعل هذا يتجلى في كتابات السائحين والزوار الأمريكيين للأرض المقدسة التي تبدو كأنها مشاركة في حرب صليبية، واجتاح أمريكا "هوس الأرض المقدسة" Holy land mania ولعل أبلغ دليل على هذا تلك الرسالة التي أرسلتها ماري تود لينكولن أرملة إبراهام لينكولن لأحد الأصدقاء قالت فيها إنه من يوم الجمعة العظيمة سنة 1865، يوم اغتيال لينكولن، وقبل ساعات من الحادث جرى بينها وبين الرئيس جدل كبير، فالآن وقد أوشكت الحرب الأهلية على نهايتها، فهو يرغب في الذهاب إما إلى كاليفورنيا أو إلى الحج في القدس، وإنها كانت ترغب في الذهاب لكاليفورنيا ولكن وقبل لحظات من اغتياله قال لها مرة أخرى إنه يرغب جدا في زيارة فلسطين.
هذه الكلمات ربما هي التعبير الأمثل عن جوهر الضمير الثقافي البروتستاني في تلك الفترة، وتفسر الإقبال الذي اجتاح الطبقتين العليا والمتوسطة على رحلات الأرض المقدسة.
حتى حفر قناة السويس الذي تزامن مع العمل في خط سكك حديدية ينقل المهاجرين إلى الغرب أصبح هو الآخر إشارة وعلامة على نبوءة سيادة العالم، فارتبطت أحلام الهيمنة والإمبراطورية الأمريكية المثالية "أرض الأحلام" بأسطورة "أرض الميعاد" في الذهن الأمريكي، وأصبح العرب هنودا حمرا شرقيين كما وصفهم مارك توين، في أكثر من موضع في كتابه، وأصبحت جمل من نوعية "يجب أن تخجل فلسطين من نفسها حتى البحر الميت وبحيرة طبرية هزيلان أقبح ما رأيت، تحتاج فلسطين إلى رسام يحمل ريشة ملونة ليلونها بألوان جميلة" أو "يمكن أن تفوز فلسطين بالجائزة الأولى في مسابقة أقبح أراضي العالم". أقوال مؤسسة للنخبة والمجتمع الأمريكيين في فترة بناء حضارة خاصة تستمد منابعها من ثلاث معالم للحضارة الغربية (الكلاسيكية – المسيحية – التنوير) ليخلق منها طبعة بروتستانتية إصلاحية كالفينية ليس لديها أي موروث عدائي مع اليهود، بل على العكس تكن احتراما خفيا لهم لأخلاقياتهم في العمل ودأبهم ومثابرتهم، بل إن توين كتب ذات مرة أن اضطهادهم من المسيحيين ما هو إلا نتيجة للغيرة من نجاحهم، واعتبرهم المجتمع الأمريكي شركاء له؛ فهم موجودون منذ فجر أمريكا وشارك بعضهم في وضع الدستور وحارب عشرة آلاف منهم في جيش الشمال وسبعة آلاف في جيش الجنوب، كما احتضنت أمريكا موجات ممن فروا من أوروبا الشرقية والغربية نتيجة الاضطهاد، ولهذا اعتبرهم المجتمع الأمريكي شركاء منذ الوهلة الأولى، بل تدخلت حكومة الولايات المتحدة أكثر من مرة في سوريا وصربيا وروسيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر لصالحهم.
ولم يتسنى للينكولن زيارة الأرض المقدسة ولكن زارها خلفه جرانت عام 1879، حاملا ثلاثة كتب بمثابة دليل لأي حاج أمريكي قام بعده بهذه الرحلة. هذه الكتب هي "ألف ليلة وليلة"، و"الكتاب المقدس"، وكتاب توين "أبرياء في الخارج" وهو أكثر كتب الرحلات مبيعا في الولايات المتحدة حتى اليوم، وله الدور الأكبر في تشكيل الموقف الأمريكي من الدولة العثمانية وفلسطين وفي النقاشات التي دارت في أمريكا حول وعد بلفور، فليس بغريب أن يهدي نتانياهو هذا الكتاب لأوباما.
وكما أثرت البعثات التبشيرية ورحلات الحج والكتابات الأدبية على الرأي العام النخبوي الأمريكي، كان تأثير أفلام مثل "بن هور" و"الأرض المقدسة" والمعارض العالمية كبيرا على الجمهور العادي فيما يخص قضية الأرض المقدسة، وفيما يخص النظرة الإمبريالية التوسعية للسياسة الأمريكية عموما، وأبلغ الأمثلة على ذلك معرض سانت لويس الدولي سنة 1904 وفيه افتتح الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت ـ وهو نفسه قام برحلة الحج للأراضي المقدسة مع عائلته في طفولته، عرضا مجسما للقدس، وقد كتب روزفلت في تقدمته جملة لافتة: "إن الهدف الرئيس لهذا المعرض هو التأكيد على الجانب الديني للتقدم والحداثة فإظهار هذا الرابط هو الهدف الحقيقي للمعرض".
كما كتب القس دبليو. بي. بالمور مستشار شركة القدس المنظمة للعرض في تقدمته: "هذا الجناح هو ملخص لكل أهداف معرض سانت لويس، إن تقديم نموذج مطابق للقدس في منتصف المعرض تماما دلالة على أن المدينة في وسط قلوبنا، وهي إحدى العلامات المهمة في البناء البروتستانتي الأمريكي، الصحيح أن كل الطرق لا تؤدي للقدس لكن كل بوابات المعرض ستؤدي إليها".
ما قاله روزفلت وبالمور يجيب عن تساؤل واضح: لماذا يخصص معرض لإنجازات التقدم العلمي والتقني مركزه لمجسم مدينة قديمة مثل القدس، بل يستقدم مسلمين ومسيحيين ويهودا شرقيين وحيوانات للركوب وبضائع وصناعات بدائية لتعرض فيه إلا لإثبات تفوق الأنظمة الرأسمالية والحداثة والمخترعات وإظهار قوة وأمجاد الإمبراطوريات الحديثة، هي وسيلة أخرى لتقسيم العالم لقسمين.. متخلف ومتقدم، لتبرير التوسع، فيسعى الأكثر تقدما للتوسع في المكان لإحداث نقلة زمنية للأكثر تخلفا ليلحق بركاب العصر، وفي هذه الأثناء يسيطر على موارده ومقدراته، ومن وجهة النظر الاستعمارية تعم الفائدة على الطرفين.
ركز معرض سانت لويس على إظهار روعة الحضارة الغربية أمام التخلف الشرقي في رحلة من الماضي المتمثل في القدس للحداثة في محاولة لإقناع الأمريكيين أنهم كمؤمنين مندوبون من العناية الإلهية لإقامة كلمة الله على الأرض، فكان إنشاء مجسم للقدس القديمة في قلب سانت لويس المتحضرة محاولة لإيجاد تمثيل لكيفية اتحاد العالم تحت كلمة الرب. وهذا المفهوم سيكون خاليا إن لم تكن مدينة الله في قلبه، وبهذا استطاع معرض القدس والمعارض والمناسبات التي تشبهه أن ترسخ وتبرر للشعب الأمريكي شيئيين: الأول أن استعمار المتخلفين حق للمتقدمين، والثاني أن من حقهم كأبناء للرب أن يقرروا مصير مدينته ومملكته ويمنحوها للأجدر، والأجدر في نظرهم هو من يستطيع بناء أرض الميعاد فيها، وقد قدمت الحركة الصهيونية منذ البدء نفسها على أنها هي الأجدر المتمدين المتحضر، بينما في نظر الأمريكيين كانت الصورة قاتمة على الجانب الآخر، وعندما التقط الصهاينة طرف الخيط لم يتركوا مناسبة إلا وقدموا أنفسهم فيها على أنهم مندوبو التحضر في الأرض المقدسة ضد "الهمج والبرابرة"، ولذلك نالوا الدعم السياسي والمعنوي والمادي الأمريكي من قبل الرأي العام قبل الحكومات الرسمية خاصة بعد ما قدموه في الجناح اليهودي الفلسطيني في نيويورك 1939 من تصور كامل لدولة مدنية ديمقراطية متحضرة على الطراز الأمريكي، وحصلوا به على المركز الثالث في العروض، وقد افتتح الجناح ألبرت أينشتين وطبعت الدعوات باسمه كما ألقى كلمة في الافتتاح شرح فيها جهود اليهود في تحويل فلسطين لدولة متقدمة في سنوات قليلة، وتصدرت الجناح منحوتة من النحاس المطروق عنوانها "العالم والعامل ومعمر الأرض" للفنان اليهودي موريس أسكالاون، تلاه قاعة خصصت لإنجازات المستعمرات اليهودية، وقاعة أخرى لبيان تحول المناطق الجرداء إلى مصانع ومزارع، ثم قاعات لمستوطنات زراعية ومدن مخططة وصناعات وأخرى للثقافة ونظم التعليم والبناء الاجتماعي والبنية التحتية ثم قسم سموه "الأرض المقدسة بين الأمس والغد عرضوا فيه مجسما لمعبد سليمان ولمعالم الأرض المقدسة الشهيرة والفنون والحرف والصناعات اليهودية. مخطط متكامل لدولة حديثة متكاملة الأركان بهرت الزوار الأمريكيين ولونت بالريشة الأرض القبيحة كما كان يتمنى مارك توين.
كل هذا قبل عشر سنوات على قيام إسرائيل وقبل الحرب العالمية الثانية والهولوكست، ويدل على زيف ادعاءات أن فكرة دولة لليهود على أرض فلسطين كانت وليدة ما حدث لهم في الحرب العالمية الثانية، بل ثمرة التعصب الديني والجشع الاستعماري والعنصرية والنظرة الفوقية للرجل الأبيض، فلم تكن فلسطين أرضا بلا شعب، بل كانت في نظرهم بشعب لا يستحقها ولا يستحق شيئا آخر.
حقيقة لخصها أيضا مارك توين في روايته للأطفال "توم سوير خارج البلاد" (1894) بعد عقود من كتابه "أبرياء في الخارج"، وكان بطله "توم" يتحدث لصديقه العبد الأسود المحرر: "ها كلبري فين" حين سأله لماذا الأرض المقدسة؟ ويجادله بأنها لصوصية أن تسرق أراضي رجل آخر، فرد عليه توم: هي مجرد أرض لهم حتى لو كانوا يملكونها أما يهودنا ومسيحيونا هم من جعلوها مقدسة، إنه من العار أن لا نقف ولا حتى دقيقة واحدة عند هذه الحقيقة ولا بد لنا أن نزحف لننتزعها منهم.
كان توين يريد إحياء حرب صليبية عصرية تقوم بها الحكومات الأوروبية والأمريكية، لخلق وضع يقنن انتزاع الأرض من ملاكها، فهم من أعطوها قداستها الحقة وبرر بهذا استعمار الأرض في رواية جاءت مواكبة لفجر الصهيونية الهرتزلية، وبهذا أصبحت المرجعية الدينية أساسا مقبولا للتوسع الاستعماري.