أول رشوة علمية في التاريخ تثمر دولة لقيطة

20/11/2015 - 10:17:12

جنود بريطانيون معتقلون فى معركة غزة الأولى عام 1917 جنود بريطانيون معتقلون فى معركة غزة الأولى عام 1917

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

كما هو معروف أن العلم هو ثمرة النشاط العقلي لفهم الحقائق الكونية، وذلك من خلال منهج حاكم، فإن تاريخ العلم يبرهن على أنه عملية ديناميكية تنجلي عن إنجاز فكري وتقني متطور ومتجدد، بينما يكشف تأمل تاريخ العلم، وكما جاء في مقدمة الترجمة العربية لكتاب "تاريخ العلم: 1543 ـ 2001" لجون جريبين، أن منطق العلم وقواعده وثماره تكون لمن بذل في سبيله الجهد والفكر، لقد أثبت تاريخ العلم أيضا أن كفاح العلماء عبر السنين، كان من أجل خدمة المجتمع الإنساني، ولم يسجل التاريخ سوى رشوة علمية وحيدة، تلك التي جرت وقائعها إبان معارك الحرب العالمية الأولى وخلال العقد الثاني من القرن العشرين، لتثمر تلك الرشوة الفريدة أول دولة لقيطة في تاريخ العالم.
أقام اليهود أو بنو إسرائيل مملكتهم الأولى، التي كانت هدفا للغزو الخارجي، حتى اكتسحها ملك بابل نبوخذ نصر لإخماد تمرد قادة ملكهم صدقيا، وساق اليهود أسرى إلى بابل بعد أن أحرق أورشليم (القدس) وهدم هيكل سليمان وقتل أبناء صدقيا أمام عينيه (ويل ديورانت: قصة الحضارة، الجزء الثاني، ص357)، وبالرغم من أن الملك قورش (المتوفي 529 قبل الميلاد) أباح لمن بقي ببابل من اليهود العودة إلى أورشليم، إلا أن الكثيرين منهم فضلوا الإقامة في حمى الدولة البابلية، وقد أدى انقسام العائدين منهم إلى أرض فلسطين إلى فريسيين وصدوقيين إلى النزاع ثم الصراع، لينتهي ذلك عام 68 ميلادية بمذابح شملت اليهود وغير اليهود وعمت مدنا كثيرة في فلسطين وسوريا، ترتب عليها تدخل قوات الدولة الرومانية قرابة عام 70 ميلادية لإخماد شغب اليهود، حيث ذبح الرومان مئات الآلاف من اليهود واسترقوا قرابة مائة ألف منهم، واختتم الرومان قمعهم لليهود بإحراق الهيكل، ليكون ذلك فصل الختام للدولة اليهودية، والذي توج بخروج قرابة المليون من اليهود إلى الشتات في جميع دول حوض البحر الأبيض المتوسط (ديورانت: قصة الحضارة، الجزء 11، ص ص186-190)، بل امتدت هجرتهم إلى روسيا، التي وصلوا إليها في مجموعات خرجت من بابل وفارس قرابة القرن الثامن (ديورانت: قصة الحضارة، الجزء 14، ص 48)، ليصبحوا شعبا ذا شريعة وليس له دولة، وليضمهم كيان ولا يكون لهم وطن.
تميز اليهود في دول الشتات بصفتين خاصتين، تتمثل أولاهما بكثرة أعدادهم وطمعهم وعزلتهم ورخائهم، بينما تتلخص الثانية في رفضهم الانصهار في مجتمعاتهم الجديدة بغية العودة إلى فلسطين (د. رشاد عبد الله الشامي: القوي الدينية في إسرائيل)، ويمكن القول إن هاتين الصفتين كانتا بمثابة البيئة الحاضنة لفكرة الصهيونية، تلك الفكرة التي أطلقها الحاخام يهودا القلعي عام 1834، حيث اقترح في كراسة نشرها في ذلك العام بعنوان "اسمعي يا إسرائيل (شِمعي يسرائيل)"، عودة اليهود من الشتات إلى فلسطين تحت قيادة زعامة بشرية ودون انتظار للمسيح المخلص (المرجع السابق: ص86)، واعتناق بعض الحاخامات فكرة القلعي، بل أضافوا إليها، وكان الحاخام الروسي شموئيل موهيليفر في مقدمتهم، فانتشرت الفكرة بين يهود روسيا، واجتذبت بشدة شابا يهوديا روسيا في الثامنة عشرة من عمره يدعى حاييم وايزمان Chaim Weizmnn، فسعى للحصول على عمل فوق سفينة لنقل الأخشاب، ليتمكن من الهرب من روسيا، حيث كانت الحكومة الروسية تمتنع عن منح اليهود بعض الحقوق، ومنها حق السفر إلى خارج البلاد.
ولد حاييم وايزمان بقرية موتال بالقرب من بينسك (في جمهورية بيلاروسيا الآن)، في 27 نوفمبر 1874، جاء ثالثا بين خمسة عشر مولودا رزق بهم أويزير وراشيل وايزمان، عمل أويزير بتجارة الأخشاب، وعندما بلغ الفتى حاييم الحادية عشرة ألحقه والده بمدرسة في بينسك، فلما بلغ الثامنة عشرة حصل على عمل في سفينة لنقل الأخشاب، لم يكن أجر ذلك العمل هو مطمح حاييم، وإنما كان الهروب من روسيا – التي كانت تقيد سفر اليهود – هو هدفه، ومن المؤكد أن حصوله على ذلك العمل لم يكن بمعزل عن مساعدة والده، حتى تمكن عام 1892 من الوصول إلى ألمانيا، حيث بدأ في دراسة الكيمياء بمعهد الفنون التطبيقية Polytechnical Institute في دارمشتاد، ثم انتقل عام 1894 لاستكمال دراسته بالجامعة التكنولوجية Technische Hochschule في برلين، وأتبع ذلك بالسفر عام 1897 إلى سويسرا لإتمام دراسته في جامعة فريبورج، ليحصل عام 1899 على درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية، ومن ثم عين بوظيفة مساعد محاضر بجامعة جنيف عام 1901، ولينتهي به المطاف إلى وظيفة محاضر بجامعة مانشستر عام 1904.
امتدت إقامة وايزمان في مانشستر قرابة ثلاثين عاما (1904 ـ 1934)، وتخلل تلك الفترة انتقاله للإقامة بغرب العاصمة البريطانية لندن، أثناء أحداث الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، ورغم ما حققه من نجاح في الجامعات ومراكز البحث الأوروبية، والذي تمثل في تسجيله مائة براءة اختراع (www.pdffactory.com)، إلا أن حماسته للصهيونية كانت في ازدياد وتأجج، حتى أعطته أحداث الحرب العالمية الفرصة للتعبير عن تلك الحماسة وترجمتها إلى أفعال.
كان اغتيال وريث العرش النمساوي الأرشيدوق فرانسيس فرديناند في صيف 1914 بمدينة سراييفو (عاصمة البوسنة) وبيد متعصب من الصرب، شرارة أشعلت معارك الحرب العالمية التي اندلعت بين فريق من الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وروسيا وبلجيكا وصربيا والجبل الأسود واليابان)، وفريق جمع دول الحلف الثلاثي (ألمانيا والنمسا والمجر مع الإمبراطورية العثمانية). في تلك الحرب قتل أحد عشر مليون إنسان، ولم تسلم من آثارها المدمرة دولة من الدول التي شاركت فيها، وقد خلد الأدب فظائعها وآثارها الكارثية في أعمال عدة، تأتي في مقدمتها رواية "كل شيء هادئ في الميدان الغربي" للروائي الألماني إريش ماريا ريمارك. كانت المواجهات الدامية بين المتحاربين تجري في خنادق طويلة تمتد مئات الكيلومترات، مثلت آلاف الطلقات ودانات المدفعية التي لا تتوقف عن الانفجار لحظة من ليل أو نهار ألحانا مرعبة يطلقها ملك الموت في الميدان الغربي، عندما تمتد يده لتحصد أرواح آلاف الشبان الذين يتم شحنهم إلى مواقع المعارك، ثم حشدهم عند خطوط المواجهة الممتدة بطول ميادين القتال.
في تلك الأيام الغاصة بالانتصارات والانكسارات، تقطعت الطرق البرية والبحرية بين دول أوروبا، أو بينها وبين مستعمراتها في إفريقيا وآسيا، فازدادت الحاجة لكثير من المنتجات الطبيعية أو المخلقة، وبالأخص المطلوب منها للمجهود الحربي، وكان الأسيتون في صدارة ما تفتقر إليه إنجلترا من المنتجات التخليقية، والأسيتون سائل لا لون له وقابل للاشتعال، وهو سائل له رائحة وطعم يشبهان رائحة وطعم النعناع، ويغلي الأسيتون عند 56 درجة مئوية، وهو أبسط أنواع الكيتون، والكيتون هو مركب عضوي يشتق من الكحولات الثانوية كالأيزوبروبيل، ويعتمد إنتاج الأسيتون على تحويل بعض المواد الطبيعية إلى كيماويات ذات قيمة، حيث يحضر بتقطير الخشب وتخمير النشا وأكسدة كحول الأيزوبروبيل، فعند أكسدة الكحول السابق والذي يتخذ له الرمز التالي:
CH3.CHOH.CH3
فإن إزالة ذرتي الهيدروجين (H) من المجموعة (CHOH)، تجعل الرمز الكيميائي للمتبقي من الكحول كما يلي CH3.CO.CH3، وهو الأسيتون (د. حسين سعيد: الموسوعة الثقافية، ص 87 و832)، وللأسيتون استخدامات متعددة، منها استعماله كمذيب في الصناعة ولتحضير السيلولويد (مادة متحولة سريعة الاشتعال تصنع من نترات السيلولوز وتستخدم في صناعة أفلام التصوير) والكلوروفورم (سائل طيار لا يشتعل ومركب من الكربون والهيدروجين والكلور ويستعمل كمخدر عام) واليودفورم (جسم جامد أصفر بلوري ذو رائحة وطعم حلو – يتركب من الكربون والهيدروجين واليود ويستعمل لتطهير الجروح)، ويستخدم الأسيتون كذلك لإنتاج المفرقعات عديمة الدخان، تلك المفرقعات التي كانت إنجلترا وحلفاؤها في أمس الحاجة إليها، لحسم المعارك التي لا تنتهي في الميدان الغربي.
صهيوني وبريطاني
حصل وايزمان على الجنسية البريطانية عام 1910، وعرف أيامها باسم تشارلز وايزمان، وفي لندن حيث استقر إبان أحداث الحرب العالمية الأولى ظهرت مواهبه الكيميائية التي أشاد بها وليم هنري بيركين، أحد أساتذة الكلية الملكية بلندن وأحد أشهر رجال الصناعة البريطانيين في مجالات الكيمياء العضوية التخليقية والكيمياء الفيزيائية (كاتي كوب وهارولد جولد وايت: إبداعات النار – تاريخ الكيمياء المثير من السيمياء إلى العصر الذري، ص308)، حيث مثلت إشادة بيركين بالإضافة إلى ما سجله وايزمان من اختراعات حافزا للسلطات البريطانية لتعيينه مديرا للبحوث الكيميائية في الأدميرالية البريطانية، وفي مانشستر وبإشراف من بيركين، طور وايزمان عملية تخمير لإنتاج الأسيتون، ليتحول ميزان القوى في أحداث الحرب تماما لصالح إنجلترا وحلفائها.
توج وايزمان خدماته لبريطانيا بعرضه إستراتيجية اقترحها لحملة على الدولة العثمانية، وجاء عرضه لتلك الإستراتيجية في حوار بينه وبين ديفيد لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني لتبزغ منذ عام 1914 في أروقة الحكومة البريطانية مشاعر متعاطفة مع فكرة الصهيونية، قبل ذلك وفي عام 1907 زار وايزمان فلسطين، حيث ساعد في تأسيس "شركة تنمية أراضي فلسطين"، والتي كانت الوسيلة العملية لتحقيق حلم الصهيونية في إقامة وطن قومي لليهود، واعترافا بخدمات وايزمان لبريطانيا دعم اللورد آرثر جيمس بلفور (وزير البحرية والخارجية في الحكومة البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولي) فكرة الوطن القومي لليهود.
كان تصور بلفور الأول لذلك الوطن أن يكون في أوغندا، وعندما رفضت الحركة الصهيونية ذلك التصور، أدي تدخل وايزمان لدى بلفور، إلى قيام وزارة الخارجية البريطانية بدعم فكرة إقامة ذلك الوطن في فلسطين، ذلك الدعم الذي ترجمه بلفور إلى وعد ضمنه خطابا أرسله في 2 نوفمبر 1917 إلى رئيس اللجنة الصهيونية بلندن: اللورد ليونل والتر روتشيلد، وجاء ذلك الوعد المشؤوم بالصيغة التالية:
"إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية"، وهكذا أعطى من لا يملك – مقابل ما تلقاه من رشوة – وطنا لراشيه الذي لا يستحق، وليكافأ الراشي – عام 1948 - بمنصب أول رئيس للدولة المُغتصَبة.