المسيحيون العرب.. إشكاليات الواقع ومستقبل الحضور

12/08/2014 - 11:28:26

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم: د. سامح فوزي

المسيحيون العرب رقم حضاري مهم في معادلة المنطقة العربية. هم عنوان التنوع، التسامح، التراث المشترك لأهل العروبة. مسيحية الشرق غير مسيحية الغرب. الثقافة الشرقية حاضرة فيها. الأقباط في مصر هم جزء من المسيحيين العرب، بل هم الأكبر عددا ضمن مكوناته. منذ أيام دعا البابا تواضروس الثاني بأن يكون "صوم السيدة العذراء"- من 7 إلي 21 أغسطس المقبل- من أجل غزة، والعراق، وهو تأكيد علي امتداد الكنيسة القبطية العروبي، واهتمامها العميق بما يجري حولها. وصف سلفه، الراحل البابا شنودة الثالث بأنه بابا العرب، خاصة عندما وقف في قلب الجامع الأموي بدمشق يخطب في المصلين يوم الجمعة. شعور الأقباط بما يجري للمسيحيين في العراق علي يد "داعش" يثبت أن النظرة التقليدية التي كانت تري في الأقباط استثناء عن غيرهم من مسيحيي المنطقة غير صحيحة، فقد عاصروا خلال السنوات الثلاث الماضية تحديات منها التهجير، العنف الطائفي، الاعتداء علي الكنائس والمنشآت المسيحية خاصة عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة في منتصف أغسطس الماضي. وقد كان اهتمام المسيحيين، وبالطبع المسلمين في مصر، بما تقوم به "داعش" يثبت أن هناك خوفا علي المنطقة، بتنوعها وثرائها الحضاري والثقافي والديني، وهو ما يطرح دوما حضور المسيحيين العرب، الذين تناقصت أعدادهم إلي درجة مقلقة في دول مثل العراق وفلسطين وسوريا، ويواجهون تحديات في لبنان، بينما يتماسكون في إطار الدولة القومية في مصر والأردن.


الحديث في مسألة المسيحيين العرب شائكة، ومتعددة، ولها جذور تاريخية بعيدة. ولكن يمكن تسجيل ثلاثة هوامش أساسية:


الهامش الأول: المسيحيون العرب يعبرون عن رافد أساسي في الثقافة العربية، كنيستهم هي كنيسة العرب، حسب وصف "جان كوربون"، وحضورهم الحي، الفاعل، الممتد علي مدار قرون شاهد عيان علي تعدد الثقافة العربية، وإمكانية تعايشها مع المختلف دينيا.


الهامش الثاني: خرج المسيحيون العرب من رحم الدولة العثمانية بأوضاع سياسية مختلفة، طبقت دول المشرق العربي نظام الملل والطوائف، وسارت مصر في مسار آخر، دشنته خبرة تاريخية مختلفة، حصل فيها الأقباط علي الحق في المواطنة منذ منتصف القرن التاسع عشر، ثم شاركوا في الحياة السياسية بدءا من مجلس شوري النواب عام 1866 ثم الحياة الحزبية في مطلع القرن العشرين، وثورة 1919، ووضع دستور 1923م، وانتهاء بثورتي 25 يناير و30 يونيه، وما أسفرت عنه من دستور 2014م.


الهامش الثالث: شارك المسيحيون العرب في مشروع النهضة العربية، ولهم إسهامات لا تنكر في عالم الفكر والسياسة، والاقتصاد، وانخرطوا في المشروعات السياسية الكبري التي عرفتها الحقبة شبه الليبرالية في النصف الأول من القرن العشرين، ثم ما لبث أن تقلص حضورهم تدريجيا، وظهرت تحديات كثيرة عانوا منها تتمثل في شيوع ثقافة عدم التسامح، وظهور آراء فقهية تنال من مواطنتهم، وتراجع مشاركتهم في المؤسسات السياسية المنتخبة، والأجهزة الإدارية والبيروقراطية، وحصرهم جميعا في إطار تمثيل طائفي، تعبر عنه المؤسسة الدينية إما بشكل مقنن كما في الحالة اللبنانية أو غير مقنن كما في الحالات الأخري الأردنية، والسورية، وأخيرا المصرية. تسببت هذه التحديات في دفع قطاع من المسيحيين إلي الهجرة إلي أوربا والولايات المتحدة وأستراليا، مما أضعف من تواجدهم عدديا في المحيط العربي، ويكفي القول إنهم كادوا يندثرون في فلسطين، موطن بزوغ المسيحية، ثم في العراق نتيجة الاستهداف والترويع المستمرين، علي النحو الذي يجعل المسيحيين في مجمل المنطقة العربية يقتربون من عشرين مليون شخص.


هناك إشكاليات تواجه المسيحيين العرب، مثلما تواجه المجتمعات العربية في مجملها.


أولا: الاستعمار الأجنبي، الذي فت في عضد المجتمعات العربية، وخلق الفتن بين شعوبها، المسيحيون في فلسطين تناقصوا في ظل الاحتلال الإسرائيلي المدعوم أمريكيا، وجري تهجير، وقتل المسيحيين في العراق في ظل الاحتلال الأمريكي، ولم تترك الخبرة الاستعمارية المجتمعات العربية إلا وخلقت الفتن والحساسيات بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية، لبنان ومصر والسودان نماذج علي ذلك بدرجات متفاوتة بالطبع حسب الخبرة التاريخية، وتماسك بنيان المجتمع.


ثانيا: الاستبداد السياسي، أدي إلي غياب الديمقراطية، وضعف المشاركة، ومحدودية دولة القانون إلي إضعاف قوي المجتمع، ونشوء الخلافات الطائفية، وشعور قطاعات من المجتمع بالغبن، وغياب المساواة، وتراجع التسامح. كلما كان هناك مشروع قومي ديمقراطي وطني كان حضور المسيحيين أكثر فعالية ومشاركة، والعكس صحيح.


ثالثا: تصاعد المد الإسلامي، والذي حمل فقها مغايرا لما اعتادته خبرة التسامح في المنطقة، اختبر المسيحيون خطابات جديدة تنال من مواطنتهم، وتنعتهم بالكفر، وتبرر العنف حيالهم، وتخلق مساحات غائمة في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة.


التطورات التي تشهدها المنطقة العربية منذ سنوات تثبت مجددا أن "الإسلام" الحضاري هو الذي يسع المسلمين والمسيحيين، والتطرف يهدد كلا الطرفين، وقد يكون أشد ضرواة علي المسلمين أنفسهم.


هناك منهجان للإسلام، أحدهما حضاري رحب، يشعر الآخر بوجوده فيه بذاته، وعقيدته، وثقافته الفرعية، دون تناقض مع التصور العام السائد للإسلام. وهناك منهج آخر متشدد، مغلق، لا يعترف بالآخر المختلف دينيا، ويشكل رقيبا علي ضمير المسلم. الأول يعبر عن الفقه المتسامح الرحب، والآخر يمثل فقهاً آخر نشأ في مجتمعات مغايرة، واكتسب منها خصائصه المتشددة.


ومن الطبيعي أن يتلاقي المسلم العربي مع المسيحي العربي علي أرضية الإسلام الحضاري، الذي يرفض الغلو والتطرف، ويصون الحرية الدينية، ويعلي من شأن الكفاءة في شغل الوظائف العامة، ويجعل الإنجاز عنوان الحضور في المجتمع، دون نظر إلي النوع أو المعتقد الديني للأشخاص. الإسلام الحضاري هو "انتماء اجتماعي" جديد يحفظ للثقافة العربية تنوعها ورحابتها. وقد عبر الدكتور "كمال صليبي" عن هذه الظاهرة بقوله : إن العرب المسيحيين هم الحلفاء الطبيعيون للإسلام الحضاري في مواجهة قوي التخلف في البلاد العربية".


هذه الصيغة ليست صعبة المنال، ويمكن تحقيقها في ظل حوار حضاري ممتد، لا يعرف الاستقطاب، كما لا يعرف الخوف والارتياب، وهناك من الاجتهادات الإسلامية المعتبرة- خاصة في مدرسة الأزهر- التي تشكل العمود الفقري للإسلام الحضاري تعزز حقوق المواطنة للمختلف دينيا، وتحترم العقائد الدينية، وحرية الرأي والاعتقاد، والحق في شغل المناصب العامة في الدولة من أعلاها إلي أدناها علي أساس مبدأ الكفاءة، وتسمح بالتنوع السياسي والثقافي في ظل مجال عام مفتوح أمام الجميع.