المرأة الفلسطينية .. تاريخ من النضال

20/11/2015 - 10:16:03

جنان عبده وناريمان خورشيد جنان عبده وناريمان خورشيد

جنان عبده - باحثة وناشطة فلسطينية أسهمت في تأسيس وإدارة جمعيات أهلية فلسطينية ريادية في مناطق 48.

لا يمكن دراسة تاريخ النساء الفلسطينيات النضالي وتشكل أطرهن، دون العودة بالتاريخ إلى الوراء ودراسة القضية في سياقها الأوسع التاريخي السياسي الاجتماعي الاقتصادي، وفحص أثر هذه المتغيرات على مكانتها، كجزء من شعبها ومجتمعها. يحتم الأمر البحث في أثر الاستعمار الانتدابي على أرض فلسطين الذي استهدف فلسطين كما لم يستهدف أي بلد عربي آخر، فبينما حصلت في مرحلة لاحقة الأقطار العربية على استقلالها، وقعت فلسطين تحت وطأة الاستعمار الصهيوني الذي أقام كيانه على أرضها وقسّم شعبها جغرافيا بين داخل وخارج، ومنع تواصل أبناء الشعب الواحد وفرض على من بقي منهم على أرضه مواطنة قسرية وهجّر منهم من هجّر من هجرة داخلية قسرية يمنع أهالي قرى هذه البلاد من العودة لبلادهم لغاية اليوم، بينما دمّرت وهدمت غالبية القرى والمدن العربية أو احتلت وهوّدت ضمن مخطط استعماري يبغس محو تاريخ هذه البلاد وجذورها الفلسطينية. ما زال أهل البلاد يعانون تبعات النكبة المستمرة من مواطنة قسرية أو تهجير قسري.
في ظل هذا الوضع، وهذه الظروف عاشت ونشطت المرأة الفلسطينية وقاومت وما زالت، سواء داخل حدود ما يسمى الكيان الصهيوني "دولة إسرائيل" أو في مناطق الضفة وغزة أو الشتات.
كانت بدايات القرن الماضي قد شهدت أول توثيق لمظاهر العمل النسائي الفلسطيني في الحيز العام من خلال إقامة الجمعيات الخيرية التي تهدف إلى تقديم الخدمات والمساعدة المجتمعية، وبخاصة للفتيات. وانعكس في اسم الجمعيات وأهدافها وبرامجها. أولى هذه الجمعيات تشكلت في مدينة عكا عام 1903 كانت «الجمعية الأرثوذكسية لمساعدة الفقراء»، وجمعية «عضد اليتيمات الأرثوذكسيات» في يافا عام 1910، وكانت المدن الفلسطينية مركز نشاط للجمعيات النسائية.
ومع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني مع نهاية الحرب العالمية الأولى وتفكك الدولة العثمانية، جاء نضال الحركة النسائية الوطنية ملتزما بالأجندة الوطنية العامة التي حاربت منذ ذلك الحين كيانين استعماريين في آن واحد: الانتداب من جهة والانتشار الصهيوني من جهة أخرى على أرض فلسطين منذ وعد بلفور عام 1917 والذي كان قد وعد اليهود بوطن قومي على أرض فلسطين. سرعان ما تحولت الجمعيات النسائية بأجنداتها وبرامجها إلى العمل السياسي، وسجلت أولى الجمعيات التي حملت جدول أعمال سياسيا في بداية سنوات العشرين «اتحاد السيدات العربيات في فلسطين»، تبعها الاتحاد العربي في حيفا ويافا ونابلس، ومن ثم «جمعية السيدات العربيات» في القدس عام 1928 وسجلت كأول جمعية ينص دستورها رسميا على حق المرأة في تعاطي الشؤون السياسية، وأقامت لاحقا فروعا لها في مناطق مختلفة. وكانت ثورة البراق نقطة انعطاف في مسار الحركة النسائية الفلسطينية، فعقدت مؤتمرها الأول في 26 أكتوبر 1929 وانتخب لجنة ذهبت لمقابلة المندوب السامي، وسميت منذ ذلك الحين بـ«اللجنة التنفيذية للسيدات العربيات». وشكل المؤتمر أول إطار سياسي نقابي جامع للحركة النسائية الفلسطينية. ووفقا لقرارات المؤتمر، تألفت جمعيات نسائية إضافية في عدد من المدن الفلسطينية.
تبنت الحركة النسائية الفلسطينية المطالب الوطنية التي طرحتها قيادة الحركة الوطنية: إلغاء وعد بلفور، وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وإنشاء حكومة وطنية من أجل الاستقلال. وعملت النساء، وبخاصة في المدن، ضمن أطرهن الأبرز - الجمعيات - بالتوازي والتنسيق مع الحركة الوطنية. وتميزت قيادات هذه الجمعيات بنشأتها على أيدي نشيطات الحركة وغالبيتهن زوجات وبنات قادة الحركة الوطنية، من النساء المتعلمات المثقفات، وأيضا نساء الموظفين في حكومة الانتداب.
خرجت نساء المدن للتظاهر ضد الانتداب وضد وعد بلفور، وسبقتهن إليه نساء القرى، حيث شهدت منطقة مرج ابن عامر (قرب الناصرة)، أوائل المظاهرات النسائية الضخمة بمشاركة ما لا يقل عن 200 امرأة، كما تذكر مصادر تاريخية.
الفلسطينيات أديبات قياديات وإعلاميات بارزات
تجدر الإشارة أن هذه المشاركة النسائية السياسية، سبقتها ومهدت لها نهضة أدبية ثقافية حيث شاركت الفلسطينيات والعربيات كذلك بشكل نشط وفعال في تثبيت الحركة الثقافية الأدبية العربية ككل، من خلال الكتابة والنشر والصالونات الأدبية كما فعلت الأديبة مي زيادة التي تنقلت بين مصر ولبنان وفلسطين.. وهناك كلثوم عودة، البروفيسور من الجامعة الروسية عام 1928 التي زارت فلسطين وألقت عدة محاضرات في عدد من المدن، وقد منعتها السلطات من دخول مصر وسوريا. وفاطمة اليشطرية الرائدة في علم التصوف والتي تركت عدة كتابات في المجال إضافة لسيرة ذاتية، وهناك نبيه ناصر، إضافة لتأسيسها مدرسة للبنات في بير زيت والتي تحولت لاحقا إلى جامعة، كانت لها مساهمة نشطة في الحركة الوطنية كما شاركت في المؤتمر النسائي الشرقي برئاسة هدى شعرواي عام 1938.
وقد شهدت بدايات القرن العشرين اتساعا ملحوظا في المشاركة الأدبية النسائية العربية خاصة من خلال الإعلام المكتوب كالصحف والمجلات. وكان للمرأة الفلسطينية دور أساسي في المشاركة في إقامة الجمعيات إضافة للدور الإعلامي بداية في مناقشة قضايا الساعة الاجتماعية ولاحقا القضايا السياسية.
وأخذت الإعلاميات والناشطات السياسيات الفلسطينيات دورا رئيسيا في مناهضة الاستعمار البريطاني والتصدي للاستيطان الصهيوني في أرض فلسطين فكتبت ساذج نصار ووديعة قدورة خرطبيل وعنبرة سلام الخالدي وأسمى طوبي ومثيل مغنم واديل عازر في الصحف المحلية والعربية. أصدرت مثيل مغنم كتابها عن المرأة الفلسطينية عام 1937، باللغة الإنجليزية وصرحت هناك "أن لا حديث عن حقوق نساء ما دمنا تحت الاحتلال".
وأكدت ناشطة الحركة السيدة وديعة قدورة خرطبيل في كلمتها في مؤتمر الشرق، المنعقد في القاهرة، على اللحمة والوحدة ما بين الأرض والقضية فقالت يومها: "الأرض قضيتنا ولا قضية لنا إلا الأرض". ونرى أيضا التفاعل على مستوى الوطن العربي بين نساء فلسطين ومصر وسوريا ولبنان بشكل خاص. وعملت ماري شحادة في مرآة الشرق وعملت ساذج نصار في مجلة الكرمل وترأست تحريرها بين عامي 1941 و1944.
وشهدت الفترة ما بين 1929 و1948 نشاطا منظما ومكثفا ناجما عن التدهور في الوضع السياسي، حيث وفرت الجمعيات واللجان النسائية إطار عمل للمرأة، فأسهمت في تطوير الوعي العام. ولم تكن النساء حتى هذه اللحظة قد انضممن إلى الأحزاب التي ظهرت في الثلاثينيات كما أخذت المرأة الفلسطينية دورا في المقاومة المنظمة عام 1928 (ثورة البراق). كان للنساء دور في التجنيد للإضراب عام 1936 والثورة الكبرى، وتجندت قياديات الحركة للنزول إلى الشوارع وحث النساء على التبرع بالأموال والحلي لمصلحة الثورة وإنجاح الإضراب ومقاطعة البضائع اليهودية. وقد بادرن لاحقا لإقامة مؤتمر الشرق في مصر برعاية هدى شعراوي لدعم فلسطين وقضيتها. ودفعت النساء حياتهن ثمنا، فسقطت العديد من الشهيدات، وتم اعتقال العديد من النساء وزج بهن في سجون الاحتلال.
من المعروف أن نشاطا موازيا شهدته نساء القرى، ولا سيما في فترات المد الثوري، وبخاصة ثورة 1936، ولاحقا في سنة 1948، هو التجند لإيصال السلاح والطعام والشراب إلى المجاهدين في الجبال، ومنهن من حملن السلاح وقاتلن دفاعا عن البيت والأرض. وشهدت فترة الانتداب البريطاني اعتقالات لنساء وصلت مدته أحيانا إلى سنوات طويلة. ونعرف عن ساذج نصار كونها أول معتقلة إدارية في فترة الانتداب واتهمت بكونها «امرأة خطرة جدا». وشهدت فترة الانتداب أطرا نسائية في المدن حملت السلاح وقاومت الاحتلال، أبرزها «زهرة الأقحوان» التي أقيمت في يافا على أيدي ناريمان ومهيبة خورشيد، اللتين حملتا السلاح ودربتا رجالا ونساء على مهاجمة مستوطنات يهودية في المنطقة خلال عام 1948. وكجزء من حماية النساء لم يتم توثيق أسمائهن في كثير من الأحيان ما أدى مع الوقت إلى فقدان الأسماء وإلى البلبلة في هوية القائمات عليه، كما حدث مع «زهرة الأقحوان»، إذ تفاوتت المصادر التاريخية في تقييمها هذا النشاط وهذا الإطار، فمنها من وصفه بأنه إطار قدم خدمات تمريض ومساعدة للثوار، ومنها من شكك في كون قيادته نسائية، لكن القائمات على التنظيم أكدن بأنفسهن نوعية هذا النشاط في مقابلات أجريت معهن، وقامت كاتبة هذه السطور بإجراء إحداها في القاهرة مع ناريمان خورشيد إحدى الأختين القائمتين على التنظيم والتي انتقلت لاحقا للعيش في القاهرة حتى ساعاتها الأخيرة.
ونعرف أيضا من الكتابة التاريخية القليلة عن تنظيم- "الكف الأسود" الذي نشط في منطقة القدس وبعثت النساء الناشطات فيه رسائل تهديد للشرطة وبعض من عضواته اعتقلن وتمت محاكمتهن في محاكم عسكرية وسجنهن. واحدة من عضوات التنظيم كانت منيرة الخالدي أرسلت للسجن عام 1937. التنظيم الآخر هو "رفيقات القسام" اللاتي نشطن إلى جانب تنظيم رفاق القسام وتدرَّبن على يد القسام نفسه، وكلمة "تدرَّبن" معناها تدرَّبن على حمل السلاح. وقد أكدت روز ماري صايغ في كتابتها عن كون العضوات هن من الطالبات ومن غير الواضح إذا كان القصد طالبات مدرسة أم جامعيات. وتؤكد فليشمان، نقلا عن صايغ، على تصريح الشيخ القسام نفسه على أهمية مشاركة الطالبات والنساء واهتمامه بنفسه بتشكيل المجموعة في حيفا عام 1930.
عام النكبة، بين التهجير والحكم العسكري
كان لنكبة 1948 أثرها في الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية وأطرها. فلأول مرة انقسمت الحركة الوطنية بين داخل وخارج وتشتت أفرادها، وكذلك كان حال الحركة النسائية. لكن سرعان ما قامت النساء الفلسطينيات في أماكن اللجوء، وبخاصة لبنان، بمحاولة تجميع قدراتهن والنهوض مجددا لمواصلة النشاط على المستويات العربية والإقليمية والدولية نصرة لفلسطين. واستطاعت النساء الفلسطينيات في الشتات، التواصل في ما بينهن، الأمر الذي منعت منه فلسطينيات 1948 اللواتي فرضت عليهن قسرا المواطنة الإسرائيلية، ووقعن تحت حكم عسكري عرقل حركتهن في الداخل كما الخارج، وهو حكم استمر حتى سنة 1966.
وبينما حصلت النساء في العالم العربي على الاستقلال السياسي ضمن حدود الدولة القومية، وتحولت معركتهن مجددا، إلى معركة اجتماعية، بعد أن تم تهميش دورهن الوطني، وسنت قوانين اجتماعية تمس بهن وبحقوقهن مثل حق التنقل والتحرك دون وصاية ذكورية، وحق إشغال مناصب معينة حددت للرجال فقط كالطب والقضاء وما شابه. فإن النساء الفلسطينيات، ما زلن يناضلن من أجل نيل الحرية والمساواة أسوة بباقي أبناء شعبهن، في الضفة والقطاع، وما زلن يطالبن بالعودة كجزء من اللاجئين، حيث تحتفظ الجدات بمفاتيح البيوت كما تحتفظن بذكرى فلسطين حية في نفوسهن وتنقلن الرواية من جيل إلى جيل.