من عرض « الصهيوني » ليوسف وهبي 1942 إلى الآن .. القضية الفلسطينية أكبر من المسرحيات العربية

20/11/2015 - 10:14:09

النار والزيتون النار والزيتون

د. عمرو دوارة - كاتب ومخرج مصري

تتوالى الأحداث المؤسفة بفلسطين المحتلة بصورة مستمرة منذ نكبة 1948، وتتصاعد حدة المذابح الوحشية ضد المدنيين العزل الأبرياء بجميع المدن الفلسطينية، ولم يسلم حتى المسجد الأقصى من الاعتداءات المتكررة في محاولات مستمرة لتهويد القدس العربية، ويكون السؤال الحتمي الذي يبرز مباشرة: كيف التصدي لهذه المأساة؟ وما دور المثقفين العرب بصفة عامة والفنانين بصفة خاصة في رصد وتسجيل هذه الأحداث؟ سواء بنشر الوعي وشحذ الهمم مع توضيح أبعاد المؤامرة الصهيونية لمحو هوية الشعب الفلسطيني، وبالعمل على توحيد الصف العربي، خاصة وأن المسرح وبوصفه جماع الفنون وبما يمتلكه من قدرة سحرية على التواصل مع الجمهور يمكنه القيام بهذا الدور المؤثر.
إن الأعمال الدرامية والنصوص المسرحية بالمكتبة العربية كثيرة ورائعة، فقط تحتاج إلى خطة جادة لتقديمها بالصورة الفنية اللائقة، بحيث تبتعد عن لغة الخطابة والمباشرة المنفرة، وتنجح في تحقيق الجذب الجماهيري بتوظيف المتعة السمعية والبصرية المنشودة.
والحقيقة التي يجب تسجيلها في البداية هى صعوبة بل استحالة رصد جميع تلك المسرحيات التي تناولت قضية الصراع العربي الصهيوني بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لسببين:
ـ كثرة عدد هذه النصوص والعروض مع اتساع الفترة الزمنية.
ـ ندرة المراجع وغياب المراكز التوثيقية أو عدم قيامها بدورها المنوط بها.
وقد بادرت برصد وتسجيل العروض المسرحية فقط - دون النصوص- خاصة وأن النص المسرحي لا يكتسب قيمته الفعلية ولا يتحقق تأثيره المنشود إلا من خلال تقديمه على خشبات المسارح، كذلك تم التركيز بالدرجة الأولى على العروض التي قدمت في مصر لكونها خط المواجهة مع العدو وبوصفها الأغزر إنتاجا.
ظلت فلسطين منذ نهايات النصف الأول من القرن العشرين هى القضية المحورية التي شغلت جميع العرب بمختلف مستوياتهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا الاهتمام على أعمال مجموعة المثقفين والمبدعين بمختلف مجالات الفن والإبداع وفي مقدمتها الفنون المسرحية.
وبالرغم من أن الذاكرة المسرحية تتضمن كثيرا من المشاركات الإيجابية لبعض الفرق المسرحية بمختلف الأقطار العربية إلا أن مسرحية "واقدساه" للكاتب المصري يسري الجندي وإخراج التونسي المنصف السويسي والتي قدمها اتحاد الفنانين العرب عام 1988 تبقى تجربة رائدة ومتفردة، نظرا لتقديمها بعدد من العواصم العربية، إضافة إلى مشاركة نخبة من الفنانين العرب في بطولتها: محمود ياسين (مصر)، عزيز خيون (العراق)، غسان مطر (فلسطين)، محمد المنصور (الكويت)، علي مهدي (السودان)، إبراهيم بحر (البحرين)، زياد مكوك (لبنان)، حسين أمين أبو حسنة (السعودية).
العروض العربية
بادرت كثير من الفرق المسرحية العربية بمختلف الأقطار العربية بتقديم تجارب مهمة تناولت الصراع العربي الصهيوني، اعتمادا على إعادة تقديم نصوص متميزة لكبار الكتاب المصريين، ولعل من أهمها "النار والزيتون" لألفريد فرج، "باب الفتوح" و"الغرباء لا يشربون القهوة" لمحمود دياب، "النسر الأحمر" لعبد الرحمن الشرقاوي، "عريس لبنت السلطان" لمحفوظ عبد الرحمن.
ونظرا لصعوبة بل استحالة قيام باحث واحد برصد وتوثيق جميع العروض المسرحية التي تناولت قضية فلسطين وعرضت بالدول العربية المختلفة لأكثر من خمسين عاما، فإنني سأحاول في هذا الصدد المشاركة فقط بإلقاء الضوء على عروض وتجارب بارزة توضح مدى اهتمامها بقضية الصراع العربي الصهيوني، ومن هذه المشاركات المتميزة :
سوريا:
تناول عدد كبير من الكتاب السوريين هذه القضية، ومنهم على سبيل المثال: محمد الماغوط وسعد الله ونوس وممدوح عدوان ووليد إخلاصي. ومن العروض "أغنية على الممر" التي قدمها "المسرح القومي" السوري عام 1970، تأليف علي سالم وإخراج محمد الطيب، كما قدمت فرقة "نقابة الفنانين" عام 1971 مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" لسعد الله ونوس وإخراج علاء الدين كوكش.
الجزائر:
قدمت فرقة "المسرح الوطني" عام 1988 مسرحية "الشهداء يعودون" تأليف/ الطاهر وطار، وإعداد محمد بن قطاف وإخراج شريف عياد. كما قدم مسرح "وهران" الشهر الماضي (أكتوبر 2015) مسرحية "الصدمة" عن رواية "الاعتداء" للروائي ياسمينة خضرا.
لبنان:
قدمت فرقة "مسرح النور" عام 1991 مسرحية "القمر بيضوي على الناس" من إعداد/ مشهور مصطفى، كما قدمت عام 1998 مسرحية "حدود قانا" تأليف وإخراج مشهور مصطفى (1998).
الأردن: قدمت فرقة "الكورال الأردني" عام 2001 مسرحية "القدس أغنية الحجر"، تأليف أشرف قوتي وإخراج سائد شويحات.
العراق: قدمت الفرقة القومية للتمثيل عام 2002 عرض "البديل" تأليف يوسف الصائغ وإخراج سنان العزاوي.
قطر: قدم نادي كبار الموظفين عام 1961 مسرحية "عرب فلسطين".
اليمن: قدمت المسرحية الشعرية "إلى فلسطين" تأليف حسن عبد الرحمن بن عبيد.
البحرين: قدمت فرقة "مسرح أوال" مسرحية "أرض لا تنبت الزهور".
عمان: قدمت مسرحية "النار والزيتون" عام 1971 إخراج رضا عبد اللطيف.
وجميع العروض السابقة مجرد نماذج لبعض المشاركات ببعض المهرجانات العربية.
الفرق الفلسطينية ومشاركتها
أدركت المنظمات والفرق الفلسطينية أهمية الفن المسرحي، ليس فقط كوسيلة لشحذ الهمم والدعوة للجهاد، وإنما كسلاح حقيقي يمكن توظيفه لصالح القضية الفلسطينية، ووسيلة لعرض القضية أمام الضمير العالمي وكشف الممارسات العدوانية والوحشية التي تمارسها سلطات العدو الصهيوني، لذلك فقد تكونت في الأرض المحتلة وخارجها في المنفى فرق مسرحية عملت باستمرار على تقديم العروض التي تتناول الصراع العربي الصهيوني بصورة فنية راقية تتيح لها فرصة عرض قضيتها وكسب التأييد دون الوقوع في دائرة المباشرة واللغة الخطابية. وفيما يلي عروض متميزة قدمتها فرق فلسطينية، وهي بلا شك قد تختلف في مستواياتها الفنية لكنها تتوافق معا فى الأهداف والتوجهات:
ـ فرقة "فتح": ومن أهم عروضها "الطريق" تأليف وإخراج نصر شما (1970).
ـ فرقة "المسرح الوطني الفلسطيني": ومن أهم أعمالها "ثورة الزنج" لمعين بسيسو وإخراج جواد الأسدي (1984)، "خيوط من فضة" تأليف وإخراج جواد الأسدي (1987)، "رافع الراية (رقصة العلم)" تأليف وإخراج جواد الأسدي (1988)، "المأزق" تأليف الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور وإخراج حسين الأسمر (1989)، "اغتصاب" لسعد الله ونوس وإخراج جواد الأسدي (1991)، "المجنزرة ماكبث" إعداد وإخراج جواد الأسدي (1991)، "سيف ديموقليس" لناظم حكمت وإخراج مازن عطاس (1999)، "جدارية" عن نص محمود درويش وإخراج أمير نزار الزعبي (2007).
ـ فرقة "الحكواتي": "عنتر في الساحة خيال" تأليف راضي شحادة (1989).
ـ الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين: "مسافر ليل" لصلاح عبد الصبور وإخراج جمال إبراهيم (1992)، "أيوب" تأليف محمد حسيب القاضي وإخراج محمد خليل (1993).
ـ مسرح القصبة برام الله: "قصص تحت الاحتلال" تأليف: جماعي وإخراج نزار الزعبي (2001).
ـ فرقة عشتار: "الشهداء يعودون" للطاهر وطار وإخراج سامح حجازي (1996)، "شيء يزهق" عن نص لبرتولد بريخت، رؤية وإخراج سامح حجازي (1988)، "مسك الغزال" إعداد إيمان عون وإخراج بير براشلار (1999)، "صفد ـ شاتيلا، من وإلى" تأليف بيان شبيب وإخراج أناميكي دبليس (2006).
ـ مركز عناد للمسرح والفنون: "وبعدين؟" تأليف جماعي، وإخراج رائدة غزالة (2001)، "أحلامي لا تعرف حدودا" لمعين بسيسو وإخراج/ رائدة غزالة (2003).
ـ مسرح تل الفخار: "الزاروب" تأليف سامية قزموز بكري (1991)، "خطبة لاذعة ضد رجل جالس" عن نص لجارسيا ماكيز (2005)، "فاطمة" تأليف خليل عبد ربه وإخراج عوني كرومي (2004).
فلسطين في عيون المسرح المصري
تصدى المسرح المصري عبر مسيرته الفنية لقضية الصراع العربي الصهيوني منذ نكبة فلسطين عام 1948، كما واكب بعروضه الحروب والمعارك في 1956، 1967، 1973، وكذلك مذابح دير ياسين، وصابرا وشاتيلا، وبحر البقر، وجنين.
أولى المبادرات المسرحية عن هذا الصراع أقدمت عليها فرقة "رمسيس" حينما قدم الفنان يوسف وهبي في موسم 1941 ـ 1942 مسرحيتي "الماسونية"، و"الجاسوس"، (والمسرحية الأخيرة تم تقديمها بعد ذلك بعنوان "الصهيوني")، كما قدمت الفرقة عام 1950 مسرحية بعنوان "إسرائيل".
وتحملت الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى (المسرح القومي) مسؤولية المبادرة الثانية عام 1948 وذلك حينما قامت بتقديم عرضي "الصهيوني" تأليف وإخراج يوسف وهبي، و"العائد" تأليف فتوح نشاطي ونيروز عبد الملك، وإخراج فتوح نشاطي.
واستمرت الفرقة في تقديم العديد من العروض التي تناولت الصراع العربي الصهيوني، وخاصة بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، حيث قام مديرها الأديب أحمد حمروش عام 1956 بفتح أبواب المسرح مجانا للجمهور، وتقديم حفلات نهارية خلال الأيام المصاحبة للغارات الجوية، وقدمت الفرقة خلال تلك الفترة ثلاثة عروض: "حياة الخيانة" لنعمان عاشور، وإخراج نبيل الألفي، "صوت مصر" لألفريد فرج، وإخراج حمدي غيث، "مش ها نسلم" لمحمد عبد الرحمن خليل، وإخراج فتوح نشاطي.
وكان من المنطقي أن يقوم المسرح بدوره التنويري بعد نكسة 1967 المؤلمة، فشارك المسرح القومي بدوره الموازي لحرب الاستنزاف، وقدمت نصوص ترفض الهزيمة وتدعو لضرورة الاستعداد للمعركة الكبرى، بشحذ الهمم والعمل على رفع الروح المعنوية، ومن أهمها: "كوابيس في الكواليس" (1967)، "وطني عكا"، "النار والزيتون" (1970).
كما قدمت فرق مسرحية أخرى عروضا. فقدم مسرح الجيب "رسالة إلى جونسون" (1967)، وقدمت فرقة المسرح الحديث "أغنية على الممر" (1968)، وقدمت فرقة "مسرح الحكيم" عام 1967 مسرحيتين من تأليف محمد العفيفي وإخراج جلال الشرقاوي: "أرض كنعان (أو فلسطين 48)"، "الصليب"، كما قدمت مسرحية "زهرة من دم" (1969)، "شمشون ودليلة" (1971).
وإذا كانت مصر بحكم ريادتها المسرحية وغزارة إنتاجها المسرحي، وتحملها العبء الأكبر للقضية الفلسطينية قد استطاعت توظيف الفن المسرحي كوسيلة لعرض وجهة النظر العربية في هذا الصراع، فقد استطاعت أيضا احتضان بعض الإبداعات الفنية لعدد من المسرحيين العرب وخاصة في مجال التأليف المسرحي، فقدمت مسرحية "زهرة من دم" للبناني سهيل إدريس، "شمشون ودليلة" و"ثورة الزنج" للشاعر الفلسطيني معين بسيسو، "سقوط خط بارليف" للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، "المهرج" للشاعر السوري محمد الماغوط، و"اغتصاب" للسوري سعد الله ونوس وقدمته فرقة فرسان المسرح (1993).
وكانت ملحمة العبور بأحداثها الرائعة دافعا رئيسيا لتقديم عدد كبير من العروض الوطنية التي تناولت الصراع العربي الصهيوني، فقدمت العروض التالية: أقوى من الزمن، صلاح الدين، حدث في أكتوبر، مدد مدد شدي حيلك يابلد، حبيبتي يا مصر (1973)، حبيبتي شامينا، سقوط خط بارليف، رأس العش، العمر لحظة، الحب والحرب، القرار، جبل المغماطيس، حراس الحياة، الحرب والسلام (1974)، النسر الأحمر (1975)، باب الفتوح (1976)، مصر بلدنا (1978)، نوار الخير (1979).
وبرغم كثرة الأعمال السابقة نسبيا إلا أن عددا كبيرا منها كتب وقدم في عجالة فأصبحت أقرب إلى عروض المناسبات والاحتفالات التي يصعب إعادة تقديمها بعد ذلك، كما أن هناك مسرحيات أخرى لم تتناول معركة أكتوبر وملحمة العبور بصورة مباشرة وإن نجحت في إلقاء ظلالها عليها من خلال الربط بين أحداث الماضى والحاضر.
ويظل الصراع العربي الصهيوني بأحداثه المتوالية يلقي بظلاله على العديد من العروض المسرحية، سواء مع تجدد الاحتفالات بذكرى عبور أكتوبر العظيم، أو كنتيجة للاعتداءات الصهيونية على بعض الدول العربية الشقيقة، ومن أهم هذه العروض: الذباب الأزرق، الغرباء لا يشربون القهوة، المهرج، أحلام الفرسان، رطل لحم، عريس لبنت السلطان، الغجري، ست الحسن، السيرك الدولي، الخرطة في ورطة، لن تسقط القدس، اليهودي التائه (وأعيد تقديمه بعنواني "السيرك الدولي" و"القضية") (2007)، اغتصاب، أولاد العم كام، تحت الشمس، يوم القدس، العدو في غرف النوم.
وهناك مسرحيات لم تجد فرصتها للعرض على خشبات المسارح ومنها: "المزرعة"، و"القتل في جنين" لأبو العلا السلاموني، "العبور" لفؤاد دوارة (1974)، "حلم الأباريق الفخارية" لعبد الغني داود (1991).
ويجب ونحن بصدد حصر أبرز المسرحيات التي تناولت هذا الصراع ألا نغفل مشاركات بعض فرق القطاع الخاص بمصر، ولعل من أهمها تجربة الفنان القدير محمد صبحي "ماما أمريكا"، ورؤيته المعاصرة لمسرحية "سكة السلامة"، وكذلك تجربة المخرج القدير جلال الشرقاوي الذي قدم رائعة شكسبير "تاجر البندقية".
وكما ظلت دائما قضية فلسطين في وجدان كل عربي، يتضح مما سبق أنها ظلت أيضا في عيون المسرح المصري والعربي. ولكن في هذا الصدد لا بد من الاعتراف والإقرار بأن القضية الفلسطينية تبقى أكبر وأهم من كل الأعمال المسرحية التي تناولتها، ويظل المقاتلون المناضلون الشرفاء الذين رفضوا التهجير وتمسكوا بالبقاء في أرضهم أعظم وأكبر من كل الصور الدرامية التي كتبت عنهم.