الأقصى .. فى مواجهة حلف الإرهابي والحاخام والجنرال

20/11/2015 - 10:12:56

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عرفة عبده علي - كاتب مصري

للمسجد الأقصي مكانته السامية في تاريخ الإسلام، فكان قبلة المسلمين الأولى حتى السنة الثانية من الهجرة، وإليه كان إسراء خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - ومنه كان معراجه إلى السماء تأكيدا على الحظ التوحيدي الأعظم، وهو ثالث المساجد التى تختص برتبة القداسة والفضل على سواها.
وما أثير في وسائل الإعلام حول قيام السلطات الإسرائيلية بحفائر بجوار المسجد الأقصى ومشهد الجرافات الإسرائيلية وهى تهدم أجزاء من باب المغاربة، ومناقشة الكنيست لمشروع اقتسام المسجد الأقصى هو استمرار للمؤامرة الإسرائيلية على الحرم القدسى الشريف، منذ احتلال المدينة المقدسة في حرب يونيو 1967، والتى اتخذت مظاهر وأساليب متعددة بهدف تخريب هذا الأثر الإسلامى الجليل وإزالته تمهيدا لإقامة مـا يسمى بـ "هيكل سليمان" على أنقاضه، وأعمال الحفر تمت على عدة مراحل بدأت في ذلك العام الأسود، من أسفل السور الجنوبى للحرم متجهة شمالا إلى "باب المغاربة" ومرورا بعدد هائل من المباني الدينية والحضارية الإسلامية، وصولا إلى أسفل أبواب الأروقة الجنوبية الشرقية للمسجد الأقصى، والأنفاق تمتد بعمق 13 مترا و20 مترا في بعض المواضع، وفي أحدها - أسفل الحرم الشريف - أقيم كنيس يهودى من طابقين وبداخله "قدس الأقداس" ويحتوي لفائف التوراة، وفي حفل الافتتاح قال الحاخام الأكبر: "إننا نحتفل اليوم بافتتاح هذا الكنيس وقد أقمناه هنا تحت الحرم مؤقتا وغدا سنحتفل بهدم هذا الحرم وقيام معبدنا الكبير وإعادة بناء هيكلنا، وهي أرضنا ولن يبقى أحد من هؤلاء العرب في بلادنا"!
ثم المحاولات اليومية لاقتحام باحات المسجد من مستوطنين متطرفين يتقدمهم الحاخام الأكبر "إسرائيل ارائيل" مؤسس ورئيس "معهد الهيكل الثالث" ومحاولة إقامة صلوات يهودية وسط حراسة مشددة من جنرالات الشرطة الإسرائيلية و"الشاباك".. بين صمت عربى مريب!
والمسجد الأقصى، وكل مجموعة الحرم القدسي الشريف وما حولها، مهددة بالانهيار، بالرغم من قرارات الأمم المتحدة والهيئات الدولية، ولكن منذ متى يحترم هؤلاء قرارات المنظمات الدولية، منذ عام 1967 ومجلس الحاخامات اليهود بالتخطيط مــع جنرالات العدو والجماعات اليهودية المتطرفـة، يسعون لهدم الأقصى وإقامة "الهيكل الثالث".. هؤلاء قوم لا يحترمون عهودا أو مواثيق طبقا لصلاة "كول فيدريه" التي تفتتح بها طقوس عيد الغفران "يوم كيبور" وهى إعلان بالتحلل من كل العهود والمواثيق التى قطعها اليهودي على نفسه طوال العام.. هل يعلم من يسعون وراء "وهم السلام" شيئا عن صلاتهم هذه؟!
الأقصى جامع وجامعة
بالإضافة إلى المكانة الدينية الرفيعة للأقصى، فقد كان له أثر على مدى التاريخ الإسلامى في الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ومركز الاحتفالات الدينية الكبرى في القدس، ومقر الحياة السياسية، ففيه كانت تعقد الاجتماعات وتتلى المراسيم السلطانية وبراءات تعيين كبار موظفي الدولة، كما كان الأقصى من أكبر مراكز التعليم الدينى في تاريخ الإسلام.
فتح المسلمون بيت المقدس في السنة السادسة عشرة من الهجرة، في عهد أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" رضى الله عنه، الذي حضر - في موكب متواضع - ليتسلمها من البطريرك "صفر ونيوس" عمدة المدينة.. وقد وفد مع عمر بعض من جهابذة العلماء من الصحابة وفي مقدمتهم أبو عبيدة عامر بن الجراح وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبو ذر الغفارى وسعد بن أبى وقاص وخالد بن الوليد وسلمان الفارسى. وقد برز من هؤلاء الصحابيان الجليلان: "عبادة بن صامت" و"شداد بن أوس" اللذان رابطا في القدس واشتغلا بالتدريس في مسجدها الأقصى المبارك، ولايزال قبراهما ظاهرين حتى اليوم بمقبرة "باب الرحمة " بجوار السور الشرقي للأقصى.
وقد أم المسجد الأقصى، في القرنين الأول والثانى للهجرة، عدد من المحدثين الثقات، من بينهم "عبد الله بن فيروز الديلمي" الذي قرأ على عبادة بن الصامت وخرج له ابن داود والنسائي وابن ماجه وابن سلام الحبشي، أيضا "مالك بن دينار" الذي روى عن مالك وأخرج له أصحاب السنن، ومـن أعـلام الفقهاء: "أبو الفرج عبد الواحد الشيرازي" و"المقدسى الأنصاري الحنبلي".. ومن المعروف أن الإمام الشافعي (والذي ولد بغزة سنة 150ه) قدم إلى بيت المقدس وجلس للإفتاء قائلا: "سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة رسوله".
وتجدر الإشارة إلى أن وجود هذا العدد الكبير من المساجد والمدارس والزوايا والتكايا والخوانق والرباطات، يدل دلالة واضحة على أن مدينة القدس كانت من أهم مراكز الثقافة الإسلامية فضلا عن مكانتها الروحية، وقد اهتم مؤسسو هذه المنشآت بوقف الأراضي والعقارات لينفق ريعها على هذه الدور والمعاهد بما يضمن استمرارها، وييسر للطلبة والمتفرغين للعلم الوافدين من مختلف بقاع العالم الإسلامي إقامتهم وأسباب معيشتهم في المدينة المقدسة، وقد أشار "مجير الدين العليمى الحنبلى" في كتابه "الأنس الجليل" إلى عدد من العلماء الأجلاء الذين تولوا التدريس بالمسجد الأقصى، بالإضافة إلى كبار العلماء الذين قـاموا بتدريس علوم الدين والفقه واللغة وآدابها في سائر مدارس ومعاهد المدينة المقدسة.
وخلال القرون التالية، ظل العلماء وشيوخ الحديث وكبار الحفاظ، والطلاب والزهاد والعباد، يشدون الرحال إلى المسجد الأقصى. وفي القرن الخامس الهجري بوجه خاص، نشطت الحركة العلمية في أرجاء الأقصى، وانتظمت الدروس والحلقات، وشهد الأقصى أجيالا من كبار العلماء، ووهبت له خزائن الكتب واتسعت أوقافه، حتى صار مركزا فكريا كبيرا. وكان من أبرز هؤلاء العلماء: أبو حامد الغزالي الطوسي الذي اعتكف بالمسجد الأقصى سنة 488 هجرية وقام بالتدريس فيه، وروي أنه شرع في تأليف كتابه الأشهر "إحياء علوم الدين" وكتابه"الرسالة القدسية" في هذا المسجد المبارك.
وعندما أعاد السلطان صلاح الدين مدينة القدس إلى ديار الإسلام سنة 583 هجرية / 1187 ميلادية أعاد أيضا للمذهب الشافعي مكانته، وعين إماما شافعيا للمسجد الأقصى، ولم يكن دور إمام الأقصى قاصرا علي الإمامة بل اشتغل أيضا بالعلم والتدريس، وقد تولى بعض أئمة الأقصى المشيخة أو التدريس في إحدى المدارس الشافعية، وتشعب تدريسهم فلم يقتصر على المذهب الشافعي، وإنما درسوا أيضا القراءات والحديث والفقه وعلوم اللغه العربية، وكان الفقه الشافعي مادة رسمية تدرس في المسجد الأقصى، كما كان العلماء يركزون على تدريس عدد من كتب المذهب الشافعي بالإضافة إلى الإفتاء، وكان إمام الحنابلة "زين الدين بن نجية الحنبلي" المعروف بابن نجا المولود بدمشق سنة 508 هجرية وكان من أعيان العلماء وكان صلاح الدين الأيوبي يعمل برأيه ويكاتبه ويحضر مجلسه، وقد حضر ابن نجا فتح بيت المقدس وجلس على كرسي الوعظ عقب صلاة الجمعة الأولى بالمسجد الأقصي، وعمل أيضا بالتدريس والفقه.
ومن مشاهير العلماء الذين قاموا بالتدريس في الأقصى "ابن عساكـر الدمشقي" شيخ الشافعية بالشام، وكان يتنقل بحلقاته ما بين الأقصى و"المدرسة الصلاحية" بالقدس والتي شيدها السلطان صلاح الدين وكانت أيضا قصور إشعاع علمي وثقافي كبير، ومنهم: تقي الدين أبو عمر الشهير بابن الصلاح، وكان العمدة في زمانه في الفتوى واشتهر أيضا بالتفسير والحديث، وممن اشتهر بالمناظرات الفقهية "أبو الفضل عطاء المقدسي" شيخ الشافعية بالمسجد الأقصى، والقاضي يحيى بن علي المعروف بابن الصائغ. وذكر "ابن العربي" في رحلته إلى بيت المقدس أنه شاهد علماء وفقهاء الشافعية يجتمعون بالمسجد للدرس والمناظرة.. ومن مشاهير العلماء أيضا "علاء الدين القلقشندي" الذي ولد بالقدس سنه 804 هجرية وتولي التدريس والخطابة بالمسجد الأقصى و"شهاب الدين أبو العباس العميري" الذي عمل واعظا ومدرسا ومفتيا، و"برهان الدين أبو إسحق العجلوني المقدسي" ولد بالقدس سنة 832 هجرية وكان ينفق على الطلاب من ماله الخاص، و"علي بن حبيب الله المقدسي" مفتي الشافعية، وكان له وقتان للتدريس: وقت الضحى في باب الأقصى للفقه، وبعد المغرب في مسجد الصخرة للحديث.. والمقام لا يتسع لذكر المئات من علماء أجلاء لازموا التدريس بالمسجد الأقصى طوال تاريخه.
وكان التدريس يتم على مدار أيام الأسبوع، وكان في مقدور أي طالب علم أن يختار الحلقة التي يريد دون قيد أو شرط، والموضوع الذي يرغب بدراسته، وكانت أهم الحلقات العلمية تلك التى تعقد عقب صلاة العصر من يوم الجمعة والتي تجمع مشاهير الفقهاء والعلماء والمحدثين.
وبالنسبة لنظام الدراسة بالمسجد الأقصى، فقد كان لكل عالم الحرية في تقرير العلوم التى يرغب بتدريسها، فلم يكن هناك منهج دراسي محدد، وعند استيعاب الطالب لدروس أستاذه أو شيخه، يحق له الحصول على "إجازة التدريس" في هذا العلم، وكان بمقدور النابهين من الطلاب الحصول على عدة إجازات من عدة شيوخ، يسمح لهم بمقتضاها أن يتخذوا لأنفسهم حلقة تدريس حول أعمدة أروقة الأقصى.
وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء العلماء والشيوخ لم يتقاضوا رواتب عن عملهم، ولم يأخذوا صدقة أو زكاة.. حيث كان مبدؤهم نشر العلم في سبيل الله، بالرغم من أن الخلفاء والسلاطين رصدوا الأوقاف والأموال للصرف على المسجد الأقصى وإدارته، ويلاحظ أن العمل بالتدريس في المسجد الأقصى ومشيخته وسائر الوظائف الأخرى غالبا ما كانت وراثية تكاد تنحصر في بعض العائلات العريقة، وهو تقليد متوارث يعود إلى عصر الخليفة الأموي "عبد الملك بن مروان" الذي رتب للمسجـد الأقصى ثلاثمائة لشؤون المشيخة والإدارة والخدمة والتدريس والإفتاء.
كان هذا في عصر "عزة الإسلام والمسلمين" يوم كان المسجد الأقصى واحدا من أكبر منارات العلم والثقافة الإسلامية.. أما في عصر التردى والانهزام النفسى، فقد بات الأقصى أسيرا، فأي الأنهار يمكنها أن تغسل عارنا ومقدساتنا تستصرخ "المعتصم" فلا تجد غير الصدى.. بينما يلهث بعضنا وراء "وهم" السلام.. مع دولة يحكمها تحالف الإرهابي والحاخام والجنرال؟