« سقوط الإمام » .. بين هيراركية رجال الدين وانحطاط السياسة

20/11/2015 - 10:09:59

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود قرني - شاعر مصري

لايزال المشهد النقدي العربي عامة والمصري على نحو خاص قادرا على عقد ألسنتنا بغباوته المتجددة. فبعد معارك ضارية ضد سلطة الماضي وإرثها الثقيل لاتزال أدبياتنا النقدية تعمل على ترسيخ قيم ذكورية بامتياز فيما يتعلق بالتصنيفات النوعية للإبداع، وكأن النقد الذي يجب عليه التكريس للانفتاح يبحث بدأب عن قيود جنسوية مهمتها الوحيدة إقامة سدود وجسور أمام العوالم المسموح بها للخيال النسوي في توصيفات دونية تنظر لذلك الخيال باعتباره خيالا تحت بشري، إذا صحت التسمية. ينطبق ذلك على مستوي النظر للأمر باعتباره إشكالا فئويا ذا طبيعة نوعية، أو على مستوي كونه إشكالا جماليا يتم الحديث عن محصوله بالكثير من النظر الاستعلائي المستند تاريخيا إلى تناسل العقل الذكوري بعضه من تلافيف بعض. وهي محصلة كان مؤداها إقصاء الصوت الإبداعي النسوي في مصر وفي غيرها من البقاع العربية إجمالا باستثناءات قليلة ربما كان حضور بعضه لأسباب غير إبداعية بالأساس. يضاف إلى ذلك بطبيعة الحال مساحات الفساد المتنامية في حياتنا الثقافية بحيث أصبحت تمثيلا لصورة الأداء السياسي الفج وغير العادل بل والقمعي على مدار أكثر من أربعين عاما، كتجل لفساد أجهزة الحكم وآلياتها التسلطية، حيث أدنت وأقصت على مرجعيات الثقة وليس على مرجعيات الكفاءة والقدرة.
وقد مثلت تلك الصورة المعاصرة نكوصا حادا في تنامي وتعميق التوجهات الطليعية في العقل العربي، بعد ذلك الإهدار المقصود لنضالات وإبداعات رائدات حقيقيات أثرين حياتنا واستطعن إنجاز الكثير في مجالات شتي لاسيما فيما يتعلق بقضايا تعليم المرأة وقضية المساواة منذ نضالات ملك حفني ناصف، هدي شعراوي، إستر فانوس، أمينة السعيد، درية شفيق، سهير القلماوي، وليس انتهاء بالدكتورة نوال السعداوي. وقد مثلت تلك الصورة نموذجا مثاليا لصعود الطبقة المتوسطة العربية منذ النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين.
ولا شك أن صورة المرأة المصرية، المبدعة والمفكرة، تغيرت مع صعود مشروع التنوير منذ عودة رفاعة الطهطاوي من باريس وإنشائه أول مدرسة لتعليم البنات. ولم يكن غريبا أن تستقبل ساحة العمل الفكري والاجتماعي أسماء بارزة ومؤثرة في حياة الأمة مثل هند نوفل التي أصدرت أول مجلة نسائية في الإسكندرية عام 1892، وكذلك أسماء مثل : وردة اليازجي، عائشة التيمورية، زينب فواز، وأخريات.
ووسط هذه الكوكبة من المبدعات ما من شك أن التراث الإبداعي للدكتورة نوال السعداوي كان وسيظل واحدا من أعلى تمثيلات الصورة الطليعية للإبداع المصري والعربي على السواء. فقد استطاعت بإرادة فردية وضد كل النواميس والأصفاد والقيود الثقيلة على المستويين السياسي والاجتماعي، أن تفلت من أسر محاذير القبلية والفقه البدوي، ومن يتذكر كتابها الرائد في أدب السيرة الذاتية "مذكرات طبيبة" الذي صدر في مطالع ستينيات القرن العشرين، سيرصد تلك الاجتراءات غير المسبوقة في فضح واقع متكلس ومريض، وهي القضايا التي قامت بتعميقها في كتابها المهم والمؤثر "المرأة والجنس"، وأذكر جيدا كيف كنا نتبادل هذا الكتاب كمنشور سري داخل أسوار الجامعة، فقد كان يمثل لنا إنجيلا جديدا لمعرفة محجوبة حول تلك التفاحة المحرمة ألا وهي المرأة؛ تلك التي يطلبها الجميع ليس باعتبارها كائنا مكتمل الإنسانية بل باعتبارها وعاء من أوعية الشهوة. وهنا لا بد من الإشارة إلى الوعي العضوي للدكتورة السعداوي في إطار مفاهيم الوظيفة الإبداعية التي تدرك دورها جيدا وتدرك قيمة دورها ومحوريته في إطار مفهوم الالتزام بمعناه الجمالي، لذلك كان وسيظل نموذج السعداوي، إبداعيا ونضاليا، يمثل شكلا من أنبل أشكال المقاومة. وقد استمرت حيوية ذلك المشروع حتى لحظتنا بكل ما يتوفر للإبداع من قوة رمزية.
وعندما نتوقف أمام المدونة الإبداعية للسعداوي فسيكون من التعسف فصلها عن الموقف السياسي والاجتماعي. ويمكننا أن نرصد تلك الصورة في عشرات الروايات فضلا عن الكتب الفكرية. وهنا أحب أن أتوقف أمام عمل من أخطر وأهم أعمالها، بل هو واحد من أكثر رواياتنا جرأة وتمثله أفضل تمثيل روايتها "سقوط الإمام"، وهي الرواية التي صادرها مجمع البحوث الإسلامية منذ صدورها حتى أيامنا. فانحيازات الكاتبة التي تذهب إلى إدانة مطلقة لكل صور القمع والعسف تتبدى منذ الإهداء الذي يذهب إلى الإيرانية "شهربانو شيراز" التي تم اغتصاب طفلتها في السجن ثم السودانية "فاطمة تاج السر" التي قطعت السلطات يد طفلها بتهمة السرقة تحت راية الشريعة ثم "كوليت عيتاني" اللبنانية، "وفاطمة محمود" السجينة المصرية التي عرفتها كاتبتنا في السجن عندما قبض عليها في أحداث سبتمبر 1981 الشهيرة، التي كانت بداية النهاية للرئيس الراحل أنور السادات.
مطلع الرواية مدهش بكل المقاييس. فعبر عدة جمل شديدة التكثيف والابتسار تلخص الكاتبة موقفها من فكرة الألوهية، حيث الإله بالنسبة لها ليس تلك الكتلة الميتافيزيقية الرهيبة التي تُرتكَب باسمها المجازر والحروب ويساق باسمها العبيد إلى المحارق. الألوهية بالنسبة للسعداوي تتواجد في وجوهنا وأفعالنا وفي مدي مطابقة نواهي تلك الألوهية لسلوكياتنا اليومية وأداءاتنا الفطرية أو المدبرة. تقول السعداوي: "وأنا طفلة كنت أرى وجه الله في أحلامي كوجه أمي شديد العدل، وكوجه أبي شديد الرحمة، لكن زميلتي في المدرسة فاطمة أحمد كانت ترى وجه الله في أحلامها كوجه أبيها شديد القسوة وكوجه عمها شديد الظلم" إذن صورة الله هنا تتجلى في مخلوقاته، تتجلى في الطبيعة التي تحسن الصنيع أو تسيء، وهنا تظل كل محاولة لإقامة صورة هيراركية مركبة ومعقدة هي محاولة لمصادرة حاضر الناس لصالح ماضيهم، الذي يمثل تعاسة حقيقية بكل أدوات عسفه.
يمثل الإمام الشخصية المحورية في الرواية. وهو حسب تسلسل الأحداث يتمتع بربوبية مطلقة، فهو لا يضعف ولا يموت، ولا يرد له أحد أمرا، ولا ينطق عن الهوى، يرتكب أعتى الفواحش باسم الله وباسم كتبه ورسله، وهو في حقيقته ليس وحيدا بل هو متعدد وموجود في كل مكان، حيث يوجد في أشباه يقومون بأدواره ويموتون نيابة عنه ومعهم مفاتيح الجنة، موجود في العسس والعيون المتناثرة في كل حي وزقاق يحصي على الناس أنفاسهم، موجود في صورة قضاته، وكتابه، ورجال أمنه، ورجال دينه، وتجلياته لا تنتهي، فهو، كما تعبر كاتبتنا، ظل الله على الأرض والحاكم باسمه. أما الشخصية الرئيسية الأخرى فهي شخصية "بنت الله" وهذا هو اسمها. تلك البنت الموصومة بأنها نبت شيطاني لأنها، كما توصف، بنت زنا، فقد مات أبوها وهي رضيعة، أما المفاجأة فإن الإمام نفسه هو من اغتصب أمها ورغم علمه بأنها ابنته يتزوجها في إحدى محطات الحدث الروائي، ثم بسبب مروقها ورفضها لواقعها تقتل في نهاية الأمر وتصدر الأوامر بدفنها ودفن كل ملفاتها معها.
ربما لتلك الأسباب لا تتراجع المؤلفة عن وصف الإمام في مقدمتها الروائية بأنه شخصية زئبقية. وهو وصف ينطبق أيضا على معارضيه، حيث الحياة السياسية تنقسم إلى حزبين: حزب الله ويمثله الإمام وصفوته، وحزب الشيطان الذي منه تلك الشخصيات الهزلية مثل المعارض الشرعي والكاتب الموصوف بالكبير، وهي معارضة مهمتها الوحيدة مهمة تبريرية للسلوك السلطوي الأكثر من خشن. على الجانب الآخر يتبدي وصف المؤلفة لمواطني تلك الإمامة دالا على طبيعتها وطبيعة مضامينها التي تقوم على بث الخوف والرعب في نفوس العامة تحت لافتات الدين البراقة، إذ "بشر الإمام" يخافون الضوء باعتباره يمثل النار، ويخافون أشعة الشمس باعتبارها الإشعاع النووي الذي ترسله القوي العظمي مع لبن الأطفال، يحدث ذلك في الوقت الذي يردد فيه "بشر الإمام" أنه موجود في كل مكان، وفي أحد الحوارات ترد الكاتبة على لسان بطلتها بالقول: "إن من يكون في كل مكان لا يكون في أي مكان"، وهي نفسها البطلة التي ترفض العقوبات المفرطة في قسوتها التي يفرضها الإمام باسم الدين مثل عقوبات السرقة والزنا وذبح الابن، وذلك دون إعمال مقتضيات تطبيق مثل هذه العقوبات بالنظر حتى إلى تاريخها في الشريعة مقارنة بأوضاع الواقع المتردي الذي يذهب هؤلاء ضحايا له.
ولعل البطلة نفسها "بنت الله" نموذج صارخ على تلك المظالم، حيث تعاقب على جرم لم ترتكبه، فهي أمام المجتمع، مدانة لكونها ابنة زنا رغم أن الزاني هو الإمام نفسه. واستعراض المؤلفة للتاريخ الشخصي للإمام يعكس طبقات رهيبة من التعقيدات النفسية والإنسانية سواء تواتر ذلك عبر فقره المدقع وجهله وكونه تلميذا فاشلا حاقدا على أقرانه من المتعلمين أو تواتر عبر قصة انحداره من أب آبق وسجين سابق، وهي صورة تتبدى في أدائه السياسي حيث يتحول إلى فاشي وانتهازي تابع في كل مراحل حياته، حتى وصوله إلى الحكم، حيث يتزوج بأجنبية تعويضا لمشاعر الدونية التي يشعر بها تجاه الكاتب الكبير المتزوج من أجنبية. تنصحه زوجته القادمة من وراء البحار، حسب تعبير المؤلفة، بمداجاة القوى العظمى وإمساك العصا من المنتصف. سنرصد تلك الصورة للنفاق والانتهازية في أكثر من فصل من فصول الرواية لاسيما فصل "حب إلى الأبد" حيث يُمتَهن الحب تحت شعارات المصلحة، فالعاشق الذي يتحدث ليلا إلى حبيبته عن الحب الأبدي يتزوج في الصباح من ابنة رجل الأمن اتقاء لشره وحتى يؤمن مستقبله، وفي اليوم التالي تتزوج حبيبته من رجل السلطة الذي يريد أن يسجن أباها، وعندما يلتقيان يبرران ذلك بأن الحب شيء والزواج شيء آخر، وهكذا تأخذ المنظومة الأخلاقية في المجتمع دورا مناهضا لمضامينها الجوهرية لتظل تعبيراتها عن المستقبل تعبيرات غامضة يمكن تلفيقها بالجملة تحت صكوك يتم فرضها فرضا أيا كانت مردوداتها.
ولا تكاد تخلو شخصية واحدة من شخوص الرواية من تلك الأمراض المجتمعية التي أصبحت تطوق الواقع بجملة ما فيه. ففيلسوف الإمام كان في الأصل يرغب في الزواج من ابنة مديره حتى يضمن صعوده الاجتماعي، ثم في النهاية يتزوج من امرأة يقول إن غيره رفضها، فهي باردة تهتم بالقراءة ولا تؤمن إلا بالعقل، أما الكاتب الكبير فنرصد ملامحه من خلال ذلك الوصف الساخر للكاتبة عندما تقول إنه يرتدي بزة بنية اللون تأييدا لليمين، ورباط عنق أحمر تعاطفا مع اليسار كما أنه لا يمسك قلمه إلا من المنتصف، في إشارة جلية إلى المنطقة الرمادية التي يصطف فيها رجال السلطة عادة. لذلك لن نندهش أمام واقع الإدانة بكل صوره حيث تدفع الدكتورة نوال السعداوي بآخر تعبيراتها القاسية على لسان البطلة في نهاية الرواية وأثناء محاكمة هزلية تسببت فيها رسالة تشكو فيها الإمام بحيث يتجوهر التناقض بين القيمة وبين من يخونونها في كل لحظة.. تقول المؤلفة على لسان بنت الله: "شرفكم هو عاري، عقلي هو جنونكم، جنوني هو عقلكم، وإذا مات جسدي فلن يموت قلبي، وآخر ما يموت فيّ هو العقل".
إن رواية "سقوط الإمام" نبوءة مبكرة بثورتين كبيرتين هبت ريحهما علينا في الخامس والعشرين من يناير 2011 والثلاثين من يونيو 2013. فالواقع الذي ترصده الرواية هو الواقع نفسه الذي كانت تقاومه الكاتبة وتشهد مجازاته اليومية الثقيلة في مواجهة سلطات غاشمة يمثلها الحكم العسكري أحيانا ويمثلها تحالف رجال السياسة مع رجال الدين في معظم الأحايين، وهو واقع كابوسي لايزال جاثما، واقع رفضت كاتبتنا الكبيرة أن تكون إحدى ضحاياه، فقاومته ولاتزال تقاوم.
إن التاريخ الإبداعي والنضالي للدكتورة نوال السعداوي، الذي أهمله النقد بدوافع أخلاقية وسلطوية بغيضة، بات يتجاوز أعناق هؤلاء من قصار القامة، بحيث بات يمثل واحدة من مخازيهم. ورغم هذا التاريخ من العسف، فنحن بكل تأكيد نقف اليوم بين يدي واحدة من أيقونات الإبداعية المصرية والعربية بل العالمية.