ديناميكية النص الأدبي .. تطورية أم اختلافية؟

20/11/2015 - 10:09:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. محمد ياسين صبيح - كاتب سوري

يأتي السكون من انعدام الحركة في أي اتجاه، والجريان يأتي في دفع الحركة باتجاه واحد، أما التلاطم كما في أمواج البحر، أو في الزلازل أو البراكين، فيحدث نتيجة تصارع عدة قوى إلى نقطة واحدة أو عدة نقاط، بتركيز متوزع ومتسلسل، وتتشكل نتيجة ذلك قوى وتشكيلات ومستويات جديدة.. فالحركة التصادمية، هي حركة فعالة تغييرية، تستطيع أن تخلق باستمرار، فعلا جديدا أو شكلا جديدا مختلفا عن المسبب، دون تصورات مسبقة عنه تسبق الفعل، إنما تأتي نتيجة تفاعلات (تصادمية).. من هذا المنطلق وبعيداً عن البيولوجيا كمصطلح تطوري استفاد منه محمد مفتاح في رؤيته لدينامية النص في كتابه المميز "دينامية النص" حيث استعمل مفاهيم مثل (النمو) و(الحوار) و(التناسل) و(الحركة) و(السيرورة) و(الانسجام) وهذه المفاهيم ترجع إلى مقولة جامعة (دينامية)، حيث استعارها مفتاح من عدة نظريات وأهمها البيولوجية التطورية حسب مفاهيم كانط لها، ويقصد بالدينامية الانتقال بالنص من حال إلى حال في خطية أو دورية أو انكسار.
لكن التطور البيولوجي لا يتضمن اختلافات في الشيء، بل هو تطور من حالة بدئية لنفس النوع إلى حالة نهائية متوافقة تماما مع هذا النوع وغير مختلفة بنيويا عنه: (جنين، طفل، شاب، كهل)، فهنا المعرفة والجنس والشكل سابقة على التشكل، ونحن لسنا هنا لنؤكد أحقية النص الأجناسية (رواية مثلا) إنما للتأكد من ديناميكية أفعالها وتأثيرها وتعالقاتها، كما بقينا أيضا عند النوع نفسه.. الإنسان، فالتناسل هو استكمال طبيعي لحياة النوع أو الجنس، والنمو هو تطور طبيعي له، والحوار الذي يقصد به التناصات المختلفة مع نصوص خارجية أو داخلية، أما باقي العناصر فهي تحصيل ونتيجة لما ورد..
كما ركزت النظريات التي اعتمدت دينامية النص، على كيفية حصول التطور وعلاقته باللغة والعلامات، والتفاعل الناتج عن النمو والتناسل، دون أن تدخل العلاقة التصادمية والاختلافية للأفعال والأحداث بالحسبان، تخوفا من الخروج عن مفهوم التطور الطبيعي التحولي، لذلك يمكننا اعتبار كل هذه العوامل وصفا خارجيا لتطور النص ولتفاعله مع ذاته وخارجه، بمعنى أنها لا تلتفت للصدام العنفي والقوى الخارجية التي تؤثر فيه، وإلى الاختلافات التضادية في جوهر النص وفي بنيته الداخلية، دون أن تنتمي إلى استمراريته الأجناسية، ولا إلى نتائج التفاعلات والاصطدامات الكامنة في جوهر الأفعال والأحداث، التي قد تخلق أشكالا جديدة ورؤى حكائية وحدثية مغايرة، قد تختلف في النوع، لكنها تنسجم بكلية العمل بحفاظها على النوع الأدبي كنص مستقل، ويعتبر هذا المسار تطور طبيعي غير استفزازي، ويمكن وصفه بأنه توافقي ساكن، بمعنى أنه لا ينتج تغييرات جذرية تختلف عن الأصل حدثيا وحكائيا وفكريا، إلا من حيث تطوره عنه، إنما يكون استكمالا لتطور ناضج، لذلك نعتقد أن الديناميكية كتسمية هي الأقرب إلى المفهوم الذي نقصده، وما نعنيه في ديناميكية الأدب، هو من خلال تقديم العمل الأدبي أفعالا وأحداثا اختلافية، يدخل التناقض ضمن بنيتها (من خلال جعل القارئ يرى التحول القاسي للحدث والشخصية، بفعل تأثير الأحداث المتناقضة على الشخصيات، وحتى جعل المتلقي يرى الهاوية التي قد يقع فيها، من خلال هذا التحول الصدامي الديناميكي في الحدث والفكرة للعمل الأدبي (الرواية مثلا)، من حالة ساكنة إلى حالة تطورية ديناميكية متفاعلة)، لتنتج بواقع استفزازي أفكارا وأحداثا جديدة، تجعل المتلقي يُستفز في الطاقة الجديدة التي أخذها من العمل الأدبي.
وصف محمد مفتاح النص الأدبي بأنه "نتاج نصوص أخرى، على الدارس استنباط انسجامه وتناغمه"، لا شك بذلك بأن النص هو صدى أو أثر لنصوص أخرى، لكن الكاتب يستخدمه بتقنيته وأسلوبه، ليعطي في انسجام هذه التأثيرات دلالاته وتأثيراته الشخصية، التي تنتهي بانتهاء كتابة النص.. كما يذهب مفتاح إلى اعتبار "أن الانسجام هو من شروط الديناميكية" التي يقصدها، بمعنى أن يكون النص إنتاجا مترابطا، ومنسقا ومنسجما، وليس صفا عشوائيا للكلمات والجمل. نعتبر ذلك بديهيا، فابتعاد النص عن تجنيسه يؤدي إلى إهماله بالتأكيد، ولا يجنس إبداعيا، وما نعتبره مكملا للانسجام هنا، هو (الانتظام)، الذي نراعي فيه الزمان والمكان (بمعنى وجود تتالي زمني، أو توازي زمني)، في تناصات متعددة، فلا فعل بدون زمان ومكان، ولا اختلاف بدون نتائج هذا التفاعل (زمنيا)، في تناصات متعددة، تمثلها الأحداث والشخصيات والأفعال.
فالصراع داخل النص يحدث ضمن إطار زماني مكاني واحد، أو متعدد الاتجاهات والمستويات (متوالية أو متوازية)، ونعتبر الحوار (التناص)، الذي اعتمده مفتاح، أساسيا ومهما، وقسمه إلى حوار داخلي وخارجي.. من هذه المعطيات نعتبر أن الديناميكية حياة للنص الأدبي، كما توليد الضوء الناتج عن التفاعلات الاندماجية بين عناصر الهيدروجين في الشمس، يعطي طاقة وضوءا دائمين، كذلك النص يجب أن يكون هناك تفاعل بين مكونات النص الاختلافية، التضادية الفعالة (أحداث وأفعال، ومواقف شخصياته التصادمية)، تؤدي باستمرار إلى خلق تصورات، مكونات تخيلية جديدة. نتيجة تفاعل المتلقي مع النص.
نتحدث هنا عن قوة النص الأدبي من وجهة نظر المتلقي، ومقدرته على خلق التوازن التحليلي والحافز الذهني التغييري لديه، فديناميكية النص تحقق له هذه الوثبة التحفيزية الكبيرة، حيث تجعل المتلقي دائماً في حالة توتر غير تصالحي مع الفعل الحكائي، وفي حالة مثابرة على استنباط تحليلاته ودلالاته وإعطائه قوة تغييرية داخلية، تدفعه إلى التفكير في السلوكيات المجتمعية والسياسية والاقتصادية. فديناميكية النص ليست وصفا لحياة النص من رؤيا خارجية فقط، تحدد نوعا واحدا (بيولوجيا تطويرية، الكائنات التخيلية بما فيها الشخصيات، والأفعال وليس جنس الرواية)، إنما هي حركة متجددة له (قيمة تفاعلية).
فالفعل الديناميكي يتولد من تضاد عدة قوى لتخلق قوى ومكونات جديدة، فالمياه التي نحجزها وراء السد قسريا، تسقط بقوة على العنفة لتولد الكهرباء، فالتصادم الذي يحصل بين هذه القوى، يخلق تفاعلا اختلافيا تغييريا، ينتج مكونا جديدا، كهرباء، فهذا شيء مختلف عن التطور البيولوجي الطبيعي، لأنه تصالحي وغير اختلافي، إنما حالة ساكنة غير عنيفة، بمعنى تطور لا نشعر بوجوده حتى، إلا من خلال الزمن الذي يظهر تأثيره على الكائنات.. نتفق مع مفهوم البيولوجيا التطورية في مفهوم نمو النص الأدبي وانتظامه المتناسق كجنس أدبي محدد، لكننا نختلف في ماهية ديناميكيته المعلنة، فتلاطم أفعال وأحداث العمل يحدث فيضا بركانيا تصادميا ناتجا عن قوى مختلفة، ويعطي أشكالا (تضاريس) مختلفة وجديدة، كما يرى هيراقليطس الوجود والكون (كحركة تغييرية دائمة)، وكما يرى نبيل أيوب (إن الوجود حالة صيرورة وحركية، تحثه خلالها حدوثا يسبق دوما ماهيته، بقدر ما ينفي ما فيه، ويسترسل حراً طليقا).
فالديناميكية إذن هي حالة اختلافية بالدرجة الأولى، تشكل عوامل تأثيراتها (قواها الدافعة الداخلية)، موضوعات مختلفة متضادة، تنتج عن الاختلاف في رؤية الوجود، وفي الأفعال التي تتعدد جهاتها القادمة منها، إلى بؤرة واحدة يحدث فيها التصادم الديناميكي، الذي يدمر ما كان، ويخلق حركة وأشكالا جديدة (صورية فكرية وجودية) وفي حالة تحولية (خلق أشكالا وصورا جديدة متغيرة)، نستطيع اكتشاف مدلولاتها من خلال تأويلاتنا العميقة المنفتحة على كل الفضاءات والتخيلات، دون أن نعطيها معنىً متعاليا واحدا مركزيا، كما يقول البنيويون مثل دي سوسير وبارت، يسيطر على العمل، نافيا التفاعلات الديناميكية المستمرة (التحولية)، وغير النهائية.